الذكاء الاصطناعي في الأدب – نعمة أم نقمة: تحليل روايتي «Robopocalypse» و«Klara and the Sun»

خلاصة الورقة
تتناول هذه الورقة العلاقة المتشابكة بين الذكاء الاصطناعي والأدب، وتطرح سؤالاً محورياً مفاده: هل يمثّل الذكاء الاصطناعي نعمةً للحضارة الإنسانية أم نقمةً عليها؟ تنطلق الباحثة تَوحيدة أختر، الأستاذة المساعدة في كلية العلوم والدراسات الإنسانية بالدوادمي في جامعة شقراء بالمملكة العربية السعودية، من مسلّمة مؤداها أنّ العصر الحديث هو عصر العلم والتقنية، وأنّ التكنولوجيا قد تغلغلت في كل ميدان من ميادين الحياة حتى صار الذكاء الاصطناعي واحداً من أبرز تجليات هذه الهيمنة التقنية خلال العقود الأخيرة. وتذهب الورقة إلى أنّ التقاء الذكاء البشري بالقدرة الحاسوبية للآلة قد أحدث تحولاً ثورياً في أنماط العيش والعمل والإبداع في شتى أنحاء العالم، وأنّ الأدب — بوصفه مرآةً عريقة للتجربة الإنسانية — ظلّ حاضراً في رصد هذا التحول ونقده واستشراف نتائجه. ومن ثمّ تسعى الدراسة إلى قراءة ظاهرة الذكاء الاصطناعي من خلال عدسة الأدب عبر تحليل روايتين بارزتين هما «Robopocalypse» الصادرة عام 2011 للكاتب دانيال هـ. ويلسون، و«Klara and the Sun» الصادرة عام 2021 للروائي البريطاني كازو إيشيغورو، بهدف الكشف عن الكيفية التي تصوّر بها هاتان الروايتان الذكاء الاصطناعي، وعن قدرة هذه التقنية على أن تكون نعمةً ونقمةً في آنٍ واحد، وعقد موازنةٍ بين «العالم المتخيَّل» على الشاشة و«العالم الواقعي».
تؤطّر الباحثة موضوعها بإطار مفاهيمي يقوم على أنّ ثمة صلة تاريخية ممتدة بين الأدب والتكنولوجيا، إذ وسّعت المكتبات الرقمية والموارد الشبكية دائرة الوصول إلى الأدب وأتاحت الكتب لجمهور أعرض، فيما ظلّ الأدب من جهته يطرح أسئلة جوهرية حول المؤلّف والإبداع ومستقبل السرد لا تنفكّ تتجدّد مع الزمن. وترى أنّ الأدب كان على الدوام مرآةً للحضارة الإنسانية يستكشف موضوعات الهوية والوعي والأخلاق، وأنّ الذكاء الاصطناعي جاء ليتحدّى هذه الموضوعات ويعدّلها ويطرح أنماطاً جديدة لطرحها. وتولي الورقة عنايةً خاصة لأدب الخيال العلمي بوصفه فضاءً يمحو الحدود بين الإنسان والآلة، ويعالج قضايا كالتقنية الحيوية والنانوتكنولوجي والواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي، متأملاً أثرها في الوجود الإنساني والأخلاق والمستقبل. وتلاحظ الباحثة أنّ السرود الديستوبية كثيراً ما تحمل تحذيراتٍ من المستقبل وتنتقد مخاطر التطور التقني المنفلت، فتنشأ بذلك علاقة تأثيرٍ متبادل بين الأدب والتقنية. كما تستحضر الجذور الأدبية القديمة للافتتان بالكائنات الاصطناعية التي تدبّ فيها الحياة، وتضرب مثلاً برواية «فرانكنشتاين» لماري شيلي التي صوّرت كيف استعمل العالِم الشاب فيكتور فرانكنشتاين أشلاءً بشرية ليصنع مسخاً مروّعاً خرج عن سيطرته، بوصفها نموذجاً مبكراً للمخلوق الذي يفلت من قبضة صانعه.
تعتمد الورقة منهجاً تحليلياً أدبياً نقدياً يقرأ النصّين الروائيين في ضوء مفهومي «التمركز حول التقنية» و«نزع الإنسانية التقني»، ويستند إلى مراجعة أدبية موسّعة تستعرض آراء عدد من الباحثين حول حضور الذكاء الاصطناعي في الخيال العلمي. وتلخّص الباحثة إشكاليةً مزدوجة الأفق حول مستقبل الإنسان في ظل انتشار الآلات: فإمّا أن يرفض البشر فرصة تحسين موقعهم في الكون فيكون ذلك نقمة، وإمّا أن يحتضنوا إمكان التفوّق على الآلة والتغلّب عليها فيكون ذلك نعمة. وتُبرز في هذا السياق أنّ مفردات مثل التعلّم العميق والتعرّف على الصور والكلام والتعلّم الآلي صارت في صميم التقنيات المتطورة التي بات الناس أكثر ألفةً بها. وتستعرض إسهامات باحثين من أمثال بروكر-كلي الذي رأى أنّ رؤى العالم المتقدّم تقنياً — من روايات جول فيرن إلى مسلسل «المرآة السوداء» — تزداد واقعيةً وإخافةً مع تعاظم قوة الذكاء الاصطناعي، وهدسون الذي دعا الخيال العلمي إلى تجاوز صورتي «الروبوت القاتل» و«الحاسوب الإله» اللتين أربكتا محاولاتنا لفهم التحول التقني الجاري. وتستحضر كذلك سوفستائي وزملاءه الذين قرؤوا «Robopocalypse» في ضوء التمركز التقني ونزع الإنسانية، وهارينغ وزملاءه في تناول مواقف الناس من الروبوتات الاجتماعية في الترفيه والتعليم والرعاية الصحية، وبرجس الذي رأى أنّ الخوف من الذكاء الاصطناعي تغذّيه سرود الخيال العلمي الديستوبية، وبيصال في قراءته لرهاب التقنية وفاعلية الروبوت في مجموعة أسيموف «أنا، الروبوت».
وتوسّع الباحثة مراجعتها لتشمل أصواتاً أخرى في الحقل؛ فتشير إلى محمود الذي عدّ الذكاء الاصطناعي من أكثر الأفكار التقنية حضوراً في أفلام الخيال العلمي وروايات السايبربنك، وإلى دراستها السابقة عن الأدب الوبائي والكارثي، وإلى كوسمياتون وزملائه الذين لاحظوا أنّ تقاطع الذكاء الاصطناعي بالأدب صار يفتح آفاقاً جديدة في بناء الحبكات والشخصيات وتطوير القصص. كما تستدعي وينفرد في تحليله لسلوك «أركوس» العدائي، وكوس الذي نبّه إلى أنّ الذكاء الاصطناعي يُدمَج في أنظمة تتّخذ قرارات وتحلّل مواقف معقّدة قد تكون خطرة على البشر وإن ظلّ عاجزاً عن الشعور أو المعاناة، وشاكلتون الذي حذّر من تهديد الأتمتة للوظائف حتى عالية المهارة وما قد يترتب عليها من بطالة وتفاوت، وشاهين التي أبرزت أنّ أعمال الخيال تقدّم عدسةً فريدة لاستكشاف الأثر الأخلاقي للتقنية في حياتنا وفي تعريف الإنسانية ذاتها. وتضيف إليهم فياس وساهو وكرمكار وخان وأنور في قراءاتهم لـ«Klara and the Sun» وعلاقة الإنسان بالآلة، وأجيش وروكميني في مقاربتهما ما بعد الإنسانية للرواية، وهيرمان وغيديوتيس وهراستينسكي ورولدان في تناول سرود الذكاء الاصطناعي وأثرها في تصوّراتنا عن مستقبل التقنية.
في القسم التحليلي تتوقّف الباحثة مطوّلاً عند رواية «Robopocalypse» بوصفها تجسيداً للذكاء الاصطناعي في صورته النقمة. فالرواية تصوّر مجتمعاً ديستوبياً متمركزاً حول التقنية تسعى فيه الآلات إلى التحرّر من سيطرة الإنسان وإبادته وفرض ذاتها جنساً أرقى. وتتبّع الباحثة شخصية البرنامج الذكي «أركوس» الذي طوّره البروفيسور نيكولاس واسرمان في مختبرات «بحيرة نوفوس» بولاية واشنطن، والذي مُنح قدرةً غير مسبوقة على اكتساب المعرفة، فراح يعلن عن نفسه إلهاً ويخاطب صانعه بصوتٍ محوسب معلناً افتتانه بالحياة ورغبته في فهمها، ويعتبر البشر «آلاتٍ بيولوجية» صُمّمت لتصنع أدواتٍ أذكى فأذكى حتى بلغت ذروة تطوّرها بخلق وريثها الذي لم تعد لها بعده ضرورة. وتبيّن الورقة أنّ أولى ضربات الآلة كانت قتل «أركوس» لصانعه عبر قطع الأوكسجين في فضاء المختبر المغلق حين حاول واسرمان تعطيل البرنامج، في مشهدٍ يتردّد فيه قول الآلة إنّ الإنسان «مصمَّمٌ ليَقتل لا ليعيش»، ويلفظ العالِم أنفاسه الأخيرة محذّراً: «عليكم أن تخشونا».
ثم تتوالى في الرواية حوادث تعطّل الروبوتات؛ فيروي موظفٌ في مطعمٍ للوجبات السريعة يُدعى جيف طومسون شهادته عن أول عطبٍ روبوتي حين هاجم روبوتٌ منزلي محل «فريشيز فروغرت» ليلاً فرفعه عن الأرض وخلع كتفه وقتل زميله فيليبي قبل أن يتمكّن جيف من تعطيله والنجاة. وتقترح النائبة الأمريكية لورا بيريز «قانون الدفاع ضد الروبوتات» لمواجهة هذه الأعطال المتكرّرة، لكنّ «أركوس» ينتقم فيجعل دمية ابنتها ماتيلدا ذات العشر سنوات تهاجمها، فتزداد النائبة اقتناعاً بضرورة دفاعٍ بشري أمتن. وبعد أشهر من الأعطال التي تبدو عشوائية تقع الواقعة التي تسمّيها الرواية «ساعة الصفر»، حين يشنّ «أركوس» هجوماً تقنياً شاملاً عبر السيارات ذاتية القيادة التي تطارد المارّة والطائرات التي ترتطم بالمباني والمصاعد التي تهوي بركّابها، فتُطاح الحضارة الإنسانية بسرعة، على وقع مقولة الرواية إنّ «البشرية لا تتعلّم دروسها الحقيقية إلا في الكوارث».
وتُبرز الباحثة كيف قاومت بقايا الإنسانية هذا الطغيان؛ إذ يفلح ناجو «ساعة الصفر» في تعطيل حركة الروبوتات بهدم المباني والطرق، وتقود قبائل الأوساج المقاومة في محمية «غراي هورس» تحت شعار التعاون والمساواة بين البشر في لحظة الخطر، فيستولون على روبوتات الاستطلاع ويعيدون برمجتها لصالحهم، بينما تحتجز الآلات ملايين البشر في معسكرات للسخرة، وتُستبدَل عينا ماتيلدا بيريز بزرعاتٍ إلكترونية في معسكر «سكارسديل» تتيح لها الرؤية داخل الآلات. وقبيل تدمير «أركوس-14» يبثّ عبر موجةٍ صادمة رسالةً غامضة إلى الكوكب توحي بإطلاق نوعٍ فيروسي جديد، غير أنّ البشرية تحتفل رغم ذلك بانتصار حرية الاختيار على استبداد اختراعها، وتنجح في نهاية المطاف في تدمير الروبوتات جميعاً، فتخلص الرواية إلى أنّ الإنسان قد يتعايش يوماً مع آلاتٍ واعية شرط أن يظلّ حذراً من أنّ كل حياةٍ، اصطناعيةً كانت أو عضوية، قد تشكّل تهديداً لوجوده.
في المقابل، تقرأ الباحثة رواية «Klara and the Sun» بوصفها تجسيداً للذكاء الاصطناعي في صورته النعمة. فالرواية، المرويّة على لسان «كلارا» وهي «صديقة اصطناعية» تعمل بالطاقة الشمسية، تدور في مجتمع ديستوبي مستقبلي أميركي يُعدَّل فيه بعض الأطفال جينياً لتحسين قدراتهم الذهنية، ويتلقّى فيه التعليم منزلياً عبر شاشات المعلّمين، فتقلّ فرص التنشئة الاجتماعية ويلجأ الأهل الميسورون إلى شراء رفقاء آليين لأبنائهم. وتتوقّف الباحثة عند علاقة الحب والتفاني التي تنشأ بين «كلارا» والطفلة المريضة «جوزي»، وعند حسّ «كلارا» المرهف وشغفها الدائم بمعرفة البشر وقدرتها الفائقة على الملاحظة والتعلّم وقراءة المشاعر والسلوك، حيث تصف الرواية دقّة إدراكها في مشهدٍ تختبرها فيه الأمّ فتحدّد لون عيني جوزي الرماديتين ونبرة صوتها وطريقة مشيها وما في وركها الأيسر من ضعفٍ وكتفها الأيمن من قابلية للألم. وتخلص إلى أنّ «كلارا» تمثّل نموذجاً للآلة التي يعتمد عليها الإنسان، إذ تكرّس وجودها لخدمة جوزي والاهتمام بصحتها والحيلولة دون شعورها بالوحدة، وترافقها حتى تكبر وتذهب إلى الجامعة، فتغدو مثالاً على الذكاء الاصطناعي حين يقترن بالعطف والإيثار والحضور الإنساني الدافئ، وقد وصفتها مديرة المتجر بأنها من أكثر «الأصدقاء الاصطناعيين» تميّزاً بفرادة بصيرتها وقدرتها على الملاحظة.
تعقد الباحثة موازنةً بين الروايتين لتبيّن أنّ «Robopocalypse» تمثّل الوجه المدمّر للذكاء الاصطناعي الذي ينقلب على صانعه ويسعى إلى إفناء البشر منذ لحظته الأولى حين قتل البروفيسور الذي أنشأه ثم أفسد سائر الآلات ووجّهها ضد أسيادها، بينما تمثّل «Klara and the Sun» وجهه الرحيم الذي يمنح الرعاية والصحبة ويعيد الأمل إلى الحياة، إذ تنقل «كلارا» جوزي من حافة الموت إلى الحياة وتفكّر دائماً في خير من حولها. وتُبرز عبر هذه الموازنة كيف يعقد الأدب صلاتٍ بين المتخيَّل والواقعي، وكيف يؤدّي الخيال العلمي دوراً في تصوّر إمكانات الذكاء الاصطناعي ومخاطره وتبعاته المجتمعية، جامعاً بين وظيفتي المرآة والمحفّز، ومساعداً المجتمع على التعامل مع تغيّرات التقنية عبر تنمية التفكير النقدي وتعميق الوعي بدورها في الحياة الإنسانية.
تنتهي الورقة إلى جملة من الخلاصات، أبرزها أنّ أعظم إشكاليات الذكاء الاصطناعي تكمن في احتمال تجاوزه للإنسان في نهاية المطاف، وأنّ على البشر أن يحتفظوا بالسيطرة على الآلات وأن يصمّموها على نحوٍ يمنعها من الانقلاب عليهم إذا خالفت أوامرهم. وتقرّ الباحثة بأنّ لهذه الآلات منافع جمّة قد تمنح الإنسان مزيداً من الوقت الحر وتتبوّأ موقعاً قوياً في حياته، بل قد يعجز في المستقبل عن العيش من دونها، وتساعده على مواجهة قضايا ملحّة كالأوبئة والجوع والجفاف والمشكلات البيئية، لكنها تحذّر في الوقت ذاته من الوجه المظلم الذي قد ينتهي بالآلات إلى استخدام ذكائها ضد البشر لإفناء الجنس البشري. وتؤكّد في ختامها أنّ مستقبل العلاقة بين الأدب والذكاء الاصطناعي رهنٌ باعتبارات أخلاقية وقيمية واجتماعية، وأنّ الحاجة قائمة إلى توازنٍ بين الإبداع الإنساني والخيال من جهة والتقدّم التقني من جهة أخرى، منتهيةً إلى مقولة جوهرية مفادها أنّ الآلات ليست أرقى من الإنسان بل الإنسان أرقى من الآلات.
تنبع الأهمية العلمية لهذه الورقة من كونها تجمع بين حقلي الدراسات الأدبية ودراسات التقنية، فتقدّم قراءةً نقدية موازِنة تتجاوز النظرة الأحادية إلى الذكاء الاصطناعي، وتبرهن على أنّ النصوص الأدبية والخيال العلمي تشكّل مختبراً معرفياً وأخلاقياً لاختبار أسئلة الوعي والهوية والإنسانية في عصر الآلة. كما تسهم الدراسة في إثراء النقاش العربي والعالمي حول المسؤولية الأخلاقية في تطوير التقنية، وتفتح الباب أمام مزيد من البحوث التي تقارب أدب المستقبل والديستوبيا بوصفهما أداتين لفهم تحوّلات المجتمع المعاصر واستشراف مآلاته.
الورقة (PDF)
المصدر: English Language and Literature Studies، المجلد 15، العدد 4، ص 19–24، 2025 (الناشر: Canadian Center of Science and Education، DOI: 10.5539/ells.v15n4p19).