التفكير مع الآلات أم التفكير عبرها؟ الذكاء الاصطناعي وتحوّل الإدراك الإبداعي في الأدب الإنجليزي

خلاصة الدراسة
تتناول هذه الدراسة الاندماج المتسارع للذكاء الاصطناعي في ممارسات الكتابة المعاصرة، وما يثيره من نقاشات علمية حول الإبداع والمؤلفية والأصالة داخل حقل الدراسات الأدبية الإنجليزية. وينطلق الباحثان من ملاحظة أن معظم الأدبيات المتنامية تنشغل بالمشروعية الأخلاقية أو الجودة الجمالية للنصوص التي يولّدها الذكاء الاصطناعي، بينما يبقى السؤال الأعمق مهمَلاً نسبياً: كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل عمليات التفكير الإبداعي لدى الكتّاب أنفسهم؟ ومن ثمّ تضع الدراسة الذكاء الاصطناعي بوصفه «حضوراً إدراكياً» يتدخّل في المخيّلة الأدبية واتخاذ القرار والحكم التأملي، لا مجرد أداة لإنتاج النص. وترى أن أعمق أثر للذكاء الاصطناعي لا يكمن في مستوى إنتاج النص بل في تغيير الإدراك الإبداعي ذاته، وهو ما تسعى إلى تبيانه عبر مراجعة أدبية موسّعة تتقصّى الآثار الممكّنة والمقيّدة للكتابة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
ويؤطّر الباحثان مسألتهما بالإشارة إلى أنّ إبداع الأدب ارتبط تاريخياً بالأدوات المتاحة للكاتب، من الريشة والمطبعة إلى الآلة الكاتبة ومعالج النصوص، غير أنّ الذكاء الاصطناعي يمثّل نقطة انقطاع كبرى لأنه لم يعد مجرد أداة تعين على الكتابة، بل صار عبر اقتراحه المفردات وبنائه الجمل وتنبّئه بالمعنى شريكاً فاعلاً في تأليف النص. ويلاحظان أنّ الكتّاب باتوا يستشيرون الخوارزميات في توجيه سردهم وصقل أسلوبهم وتحقيق الاتساق الموضوعي، في مجالات كانت محجوزة للعزلة والتردّد والحوار الداخلي، وأنّ السؤال لم يعد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على الكتابة، بل كيف يفكّر الكتّاب وهم يكتبون إلى جانب الآلات. ويريان في الأدب الإنجليزي، بتقاليده الممتدة من الاستبطان الرومانسي إلى التشظّي الحداثي فإعادة الصياغة ما بعد الكولونيالية، أرضاً خصبة لدراسة هذا التحول، لأنّه تقليد ثمّن على الدوام «الصراع الإبداعي» بوصفه جوهر صناعة المعنى، فيما يزعزع الذكاء الاصطناعي هذا النموذج بتقديمه طلاقةً بلا صراع واتساقاً بلا تجربة معيشة.
يقوم الإطار النظري للبحث على مزج رؤى من النظرية الأدبية ودراسات الإبداع الإدراكية والفكر ما بعد الإنساني، ويطوّر إطاراً تركيبياً يميّز بين نمطين من الاشتباك: «التفكير مع الآلات» و«التفكير عبر الآلات». فالتفكير مع الآلات يقوم على انخراط تأملي حواري يحافظ على فاعلية المؤلف وسيطرته، إذ يُستعمَل مخرَج الآلة محفّزاً للفكر لا حلاً جاهزاً، ويظل التقييم والرفض وإعادة الصياغة رهيناً بالحكم الإنساني. أما التفكير عبر الآلات فيقوم على تفويض إدراكي قد يُضعف الاستقلال الإبداعي، إذ يعتمد الكاتب على طلاقة الخوارزمية لتبديد الغموض وتوفير البنية، بما يهدّد بخفض احتمال الغموض وتقليص المجازفة التخيّلية، ويحوّل النشاط تدريجياً من التوليد والاستكشاف إلى الانتقاء والامتثال.
ومنهجياً، تعتمد الدراسة على مراجعة أدبية نقدية معمّقة تستعرض أربعة محاور: الإبداع والإدراك والفكر الأدبي؛ والذكاء الاصطناعي ونماذج اللغة والإنتاج الإبداعي؛ والمؤلفية والفاعلية والإبداع ما بعد الإنساني؛ والإدراك الإبداعي والتبعية والمقاومة. وتستدعي في ذلك جهازاً مفاهيمياً ثرياً؛ فتوظّف تصنيف بودن للإبداع (التوليفي والاستكشافي والتحويلي) لتبيّن أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تنجح غالباً في العمليات التوليفية والاستكشافية لكنها تعجز عن تحويل الفضاءات المفهومية المرتبطة بالخبرة المعيشة والتأمل المتروّي. كما تستند إلى أطروحة العقل الممتد لدى كلارك وتشالمرز التي ترى أن العمليات الإدراكية قد تمتدّ إلى الأدوات والبيئات، وإلى تشديد ساوير على أن الأصالة كثيراً ما تنبثق من الصراع والتعثّر المتكرّر لا من الطلاقة اللحظية.
وتعمّق الدراسة نقاشها الفلسفي باستدعاء اعتراض سيرل على «الذكاء الاصطناعي القوي»، القائل بأنّ التلاعب النحوي بالرموز لا يستتبع فهماً دلالياً، ومن ثمّ فإنّ أنظمة الذكاء الاصطناعي لا «تفكّر» ولا «تقصد» المعنى بل تعالج رموزاً مجرّدة من الوعي، وهو تمييز جوهري في الأدب حيث يتعذّر فصل المعنى عن القصد والانفعال والوعي بالسياق، فلا تُغني الطلاقة عن العمق التخيّلي. وفي المقابل تستحضر الدراسة موقف الإنسانيات الرقمية لدى مانوفيتش الذي يذكّر بأنّ الإبداع انطوى دائماً على إعادة التركيب والمحاكاة وتحويل النصوص السابقة، وأنّ استعمال الذكاء الاصطناعي للأدب السالف ليس إلا استمراراً لوظائف أدبية عريقة كالتناص والتلميح والمحاكاة الساخرة، وإن أذهل الإنسان حجمُ هذه العمليات وسرعتها. ويقود هذا التسارع إلى تحوّل شروط اتخاذ القرار الإبداعي، إذ يواجه الكاتب سيلاً من الخيارات اللغوية الجاهزة التي قد توجّه مسار السرد وأسلوبه وموضوعه.
وتحاور الدراسة كذلك تقاليد نظرية المؤلف، من إعلان بارت «موت المؤلف» وإعادة تعريف فوكو للمؤلفية بوصفها وظيفة داخل أنظمة خطابية، إلى الطرح ما بعد الإنساني لدى هايلز الذي يرى الإدراك موزّعاً تاريخياً عبر الأنظمة البيولوجية والتقنية والثقافية. غير أنها تُبقي على تحفّظ نقدي مستمدّ من ستيغلر الذي يحذّر من أن الإفراط في تفويض الوظائف الإدراكية للأنظمة التقنية يقوّض «التفرّد» وقدرة الذات على الحكم التأملي. وتستعين بتمييز مكّورماك ودينفيرنو بين المؤلفية التوليدية والمؤلفية «القيّمة/الانتقائية»، حيث ينتقل الحكم الجمالي من توليد الخيارات إلى الاختيار بينها، كما تستدعي أبحاث علم النفس الإدراكي حول «التفريغ الإدراكي» وأثر الاعتماد على الأنظمة الخارجية في إضعاف الذاكرة الداخلية وحلّ المشكلات والتركيز الممتدّ، مستندةً في ذلك إلى دراسة سبارو وزملائه حول «أثر غوغل في الذاكرة».
وتخصّص الدراسة اهتماماً خاصاً بسياق الأدب الهندي الإنجليزي، حيث يفاقم الوعي متعدّد اللغات والتفاوض ما بعد الكولونيالي على الصوت من مخاطر التنميط اللغوي. فالكتابة الهندية الإنجليزية تحمل آثار التعدّد اللغوي والتركيب المتأثّر إقليمياً والتفاوض على لغة المستعمِر عبر إيقاعات وتعابير وذاكرة ثقافية محلية، وهو فعل ليس أسلوبياً فحسب بل إدراكي يستلزم ترجمة متواصلة بين عوالم لغوية. وبما أن نماذج الذكاء الاصطناعي مدرَّبة غالباً على مدوّنات الإنجليزية العالمية المعيارية، فإنها قد تشجّع على التجانس اللغوي وتؤثّر لا في الخيارات الأسلوبية وحدها بل في أنماط التفكير المعتادة بالإنجليزية، فيتعايش في هذا السياق توسّعٌ إدراكي مع تسطيح ثقافي محتمل. وتستشهد الدراسة برأي ميشرا في أنّ الأدوات الرقمية قد تديمقرط المشاركة الإبداعية وتتيح لكتّاب من خارج الدوائر الأدبية المركزية وصولاً غير مسبوق إلى الأشكال والأساليب العالمية، بما يؤكّد الطبيعة المزدوجة لأثر الذكاء الاصطناعي.
تُبلور الدراسة نتائجها في جملة من المشاهدات المستخلصة من الأدبيات: أولاها أن الذكاء الاصطناعي يعمل محفّزاً للتفكير التداعي والاستكشافي، خصوصاً في مراحل التأليف الأولى، إذ يقترح تنويعات لغوية وتجاورات غير متوقّعة ومسارات سردية بديلة تنشّط مخيّلة الكاتب، فيؤدي دور «المنبّه الإدراكي» الذي يزعزع أنماط التفكير المعتادة ويدفع إلى إعادة النظر، شريطة أن يظلّ الحكم الإنساني نشطاً. وثانيتها خطر «الإزاحة الإدراكية» وتآكل الصراع الإبداعي، إذ إن تقديم الحلول قبل اكتشاف المشكلة قد يلغي المسافات المولّدة للعمق التخيّلي. وثالثتها إعادة تشكيل المؤلفية والفاعلية عبر الانتقال من التأليف التوليدي إلى التأليف القيّم، بحيث تتّجه طاقة الكاتب إلى تقييم التماسك والملاءمة الأسلوبية على حساب الاستكشاف الحدسي.
وتُبرز الدراسة أنّ المقاومة نفسها قد تكون استراتيجيةً منتِجة؛ فبعض الكتّاب يقاومون اقتراحات الآلة ويتّخذونها نقيضاً يشحذون في مواجهته أفكارهم، فتغدو الأداة «خصماً مثمراً» لا بديلاً، إذ تُجبر الكاتب على أن يعلن ما لا يريد قوله فيصون بذلك فاعليته الإدراكية وقصديته المؤلِّفة. غير أنّ هذا الموقف المقاوم لا يدوم عند الجميع، فقد تغلب أبحاثُ سياقات الكتابة الأكاديمية والمهنية جانبَ الراحة على التأمل النقدي، لا سيّما تحت ضغط المواعيد النهائية، فما دامت لغة الآلة تبدو «جيدة بما يكفي» فقد يستبطن الكاتب معاييرها الأسلوبية ويأخذ في التفكير على وقع توقّعاتها، بما يفضي مع الوقت إلى تجانس الصوت وتراجع المجازفة التخيّلية. وتذكّر الدراسة بأنّ الأدب الإنجليزي ازدهر تاريخياً على الانحراف والغرابة والتفرّد الأسلوبي، كإسهامات جويس وولف في تيار الوعي والتشظّي، وأنّ صون هذا التنوع يجعل مقاومة الأتمتة غير المتأمّلة موقفاً أخلاقياً دفاعاً عن تعقيد الأدب لا مجرد مسألة ذوق.
وبناءً على هذه المشاهدات، يقدّم الباحثان توصيات ذات طابع إدراكي وأخلاقي أكثر منه تقني: تشجيع الانخراط الموجّه نحو العملية لا نحو النتيجة، بإرجاء استدعاء الذكاء الاصطناعي إلى ما بعد بلورة الفكرة الأولى والصوت؛ وتطوير «الثقافة النقدية بالذكاء الاصطناعي» داخل التعليم والبحث الأدبي بحيث يعي الكتّاب اعتماد هذه النماذج على التنبؤ الاحتمالي وانحيازات بيانات التدريب؛ وإبراز قيمة الصراع الإبداعي في تدريس الكتابة بدل تمجيد الطلاقة والكفاءة؛ والانتباه إلى الخصوصية اللغوية والثقافية عبر تشجيع التفكير متعدّد اللغات والتناوب الشِّفري في السياق الهندي الإنجليزي؛ واعتبار الإفصاح الأخلاقي عن استخدام الذكاء الاصطناعي امتداداً للمسؤولية الإبداعية؛ ودعوة السياسات والمجلّات إلى تجاوز ثنائية القبول والمنع لصالح استقلالية تأملية.
وتخلص الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي لا ينفي الإبداع ولا يضمنه، بل يعيد تشكيل الشروط التي يتكشّف ضمنها التفكير الأدبي، وأن صون الإدراك الإبداعي رهين بالتفاوض الواعي والثقافة النقدية ومقاومة الأتمتة غير المتأمّلة. وبإعادة توجيه الاهتمام من مخرَج النص إلى العملية الإدراكية، تسهم الدراسة في نقاشات الدراسات الأدبية والإنسانيات الرقمية والنظرية الإدراكية، وتقدّم إطار «التفكير مع/عبر الآلات» عدسةً تحليلية مرنة قابلة للتطبيق عبر الأنواع الأدبية والبيئات التربوية والسياقات الثقافية، مع فتح آفاق لبحوث تجريبية لاحقة في التجربة الإدراكية للكتّاب وفي المقارنة عبر التقاليد اللغوية المختلفة. وتؤكّد أنّ موقع الكاتب على المتّصل بين النمطين ليس ثابتاً، إذ قد ينتقل بين «التفكير مع» و«التفكير عبر» تبعاً للمهمة والجنس الأدبي ومرحلة التأليف، وأنّ الفارق الحاسم بين التعزيز والاستبدال وبين التعاون والتبعية هو في نهاية المطاف مسألة اختيار ووعي وتأطير مؤسسي. وتكمن أهميتها في إسهامها في الأدبيات الهندية الناشئة حول الذكاء الاصطناعي والأدب، وفي نقلها الجدل من الذعر الأخلاقي أو الحماسة التقنية إلى تحليل الإبداع بوصفه ممارسة ديناميكية يحكمها الاختيار والوعي والمقاومة.
الدراسة (PDF)
المصدر: International Journal of Innovative Science and Research Technology، المجلد 10، العدد 12، كانون الأول/ديسمبر 2025، ص 2469–2479، DOI: 10.38124/ijisrt/25dec1283.