راقمون

مقالات ومراجعات

تعزيز التعبير الشعري الإنساني عبر النماذج اللغوية التفاعلية

8 يوليو، 2026
مصدر النشرPreprints.org (Preprint, Not Peer-Reviewed)
الرابط الأصليdoi.org
تاريخ النشر27 يونيو 2025

خلاصة الدراسة

تبحث هذه الدراسة في إمكانات النماذج اللغوية التفاعلية القائمة على معالجة اللغة الطبيعية (NLP) في تعزيز التعبير الشعري الإنساني. وتنطلق من ملاحظة أن تقاطع التقنية والفنون بات أرضاً خصبة للاستكشاف مع تطوّر الذكاء الاصطناعي، وأن ظهور تقنيات معالجة اللغة الطبيعية القادرة على فهم اللغة الإنسانية وتفسيرها وتوليدها فتح أمام الشعراء آفاقاً جديدة تتحدّى المفاهيم التقليدية للمؤلفية والإبداع. ويتمثّل السؤال المركزي في كيفية إسهام هذه النماذج بوصفها شريكاً تعاونياً في العملية الإبداعية للشاعر، بما يسهّل الكتابة ويحفظ في الوقت نفسه صوت الفنان الفردي المميّز. وتحدّد الدراسة فجوةً بحثية واضحة، إذ تلاحظ أنه رغم تعدّد الأبحاث في تطبيقات معالجة اللغة الطبيعية في الكتابة، تظلّ الدراسات التجريبية التي تعالج تحديداً تجارب الشعراء مع هذه الأدوات محدودة، فتسعى إلى سدّها بالتركيز على المنافع والتحديات معاً.

تحدّد الدراسة أربعة أهداف رئيسة: تحليل وظائف النماذج اللغوية التفاعلية في كتابة الشعر؛ واستكشاف ديناميات التعاون بين الشاعر والذكاء الاصطناعي في الزمن الحقيقي؛ وتقييم فاعلية النماذج في توليد اللغة الشعرية وصقلها؛ ومعالجة التبعات الأخلاقية لدمج الذكاء الاصطناعي في التعبير الفني، خصوصاً ما يتصل بالمؤلفية والأصالة وخطر تنميط الصوت الشعري. وتُصاغ هذه الأهداف في أسئلة بحثية حول أبرز خصائص هذه النماذج ووظائفها، وأثر التفاعل الآني في العملية الإبداعية، وأيّ النماذج أكثر فاعلية في توليد اللغة الشعرية وتحسينها، والاعتبارات الأخلاقية الناشئة عن دمج هذه التقنيات في الكتابة الإبداعية. وقد نُظِّم العمل في هيئة أطروحة من ستة فصول تتدرّج من المقدمة ومراجعة الأدبيات إلى المنهجية فالنتائج فالمناقشة فالخاتمة والتوصيات، بما يوفّر بناءً منهجياً متكاملاً لمعالجة الموضوع.

يقوم الإطار المفاهيمي على نظريات الإبداع واللغة، مستنداً إلى أعمال تشيكسنتميهاي ورونكو حول تفاعل الموهبة الفردية والمعرفة المتخصصة والسياق الثقافي، وإلى طرح فيغوتسكي بأن اللغة أساسية للتطور المعرفي وتشكيل الفكر، وهو ما يجعل النماذج التفاعلية—عبر التغذية الراجعة الآنية والاقتراحات—قادرةً على دفع حدود التعبير لدى الشاعر. كما تستعرض الدراسة السياق التاريخي لتطوّر معالجة اللغة الطبيعية منذ الأنظمة القائمة على القواعد في الخمسينيات، مروراً بالمناهج الإحصائية في التسعينيات، وصولاً إلى الشبكات العصبية ومعماريات المحوّلات ونماذج مثل GPT-3 وBERT، مع الإشارة إلى مشروعات مبكّرة في الشعر الخوارزمي كانت تفتقر إلى العمق العاطفي، ومشروعات لاحقة مثل «Bot or Not» التي تختبر قدرة الجمهور على التمييز بين الشعر الإنساني والآلي، فتبيّن تلاشي حدود المؤلفية.

وتستعرض مراجعة الأدبيات التطبيقات الراهنة لمعالجة اللغة الطبيعية في الكتابة الإبداعية، فتشير إلى النماذج التوليدية القائمة على معماريات المحوّلات التي تعين الشعراء بتوليد الأفكار والأسطر بل القصائد كاملةً، وإلى بحث هولتزمان وزملائه الذي بيّن قدرة هذه النماذج على محاكاة أشكال شعرية وأساليب متنوّعة. كما تُبرز أهمية آليات التغذية الراجعة الآنية، مستندةً إلى دراسة كيلوغ حول قدرة الاقتراحات الفورية على تخفيف العبء المعرفي وتعزيز الإبداع، وإلى أدوات مثل Grammarly وSmart Compose من غوغل التي بدأت تُدمج الاقتراحات الآنية وإن ظلّ تطبيقها في الشعر محدوداً غير مستكشَف بما يكفي. وفي جانب تجربة المستخدم تستحضر الدراسة بحوثاً نوعية (كأعمال لوبيز وزملائه) رأت أنّ أنظمة معالجة اللغة الطبيعية تعمل شريكاً في العصف الذهني يعين على تجاوز انسداد الكاتب واستكشاف موضوعات جديدة، مع ما يرافق ذلك من قلق على الأصالة وخفوت الصوت الشخصي، ودراسات حالة (كعمل بيكر) أظهرت تزايد التجريب بالشكل والأسلوب والاستعداد للمجازفة الإبداعية لدى مستخدمي المنصات المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بما يرجّح أنّ هذه الأنظمة تعزّز الإبداع البشري ولا تحلّ محلّه.

تعتمد الدراسة تصميماً بحثياً مختلط الأساليب يجمع بين المكوّن النوعي والكمّي. أما المكوّن النوعي فيقوم على مقابلات معمّقة شبه مبنيّة ومجموعات تركيز لاستكشاف تجارب الشعراء وتصوّراتهم واستجاباتهم العاطفية عند استخدام النماذج، وأما المكوّن الكمّي فيوظّف أساليب تجريبية لقياس أداء النماذج عبر مقاييس مثل زمن إنجاز المهام ودرجات رضا المستخدمين وتقييمات الإبداع. وقد اختير المشاركون وفق معايير تضمن تنوّع الخبرة (من المبتدئين إلى المخضرمين) وتنوّع الأنواع الشعرية (الشعر الحر والسوناتة والهايكو والشعر المنطوق) والتنوّع الثقافي والديموغرافي، فبلغ عددهم خمسين شاعراً جُنّدوا عبر ورش الشعر ومجتمعات الكتابة الإلكترونية ووسائل التواصل.

أما جمع البيانات فتمّ عبر مصادر متعدّدة لتثليث النتائج: مقابلات مع ثلاثين مشاركاً، وثلاث جلسات مجموعات تركيز شارك فيها عشرون شاعراً، ومهام كتابة تجريبية تلقّى فيها المشاركون تغذية راجعة واقتراحات آنية من الأدوات مع تسجيل أزمنة الإنجاز ومدى التفاعل وعدد الاقتراحات المدمجة، واستبانات لاحقة للمهام تضمّنت أسئلة بمقياس ليكرت وأسئلة مفتوحة. وحُلّلت البيانات النوعية بالتحليل الموضوعي عبر التفريغ الحرفي والترميز وتطوير الموضوعات، بينما حُلّلت البيانات الكمّية بالإحصاء الوصفي والاستدلالي باستخدام اختبارات (t) وتحليل التباين (ANOVA). وأولت الدراسة اعتباراً للأخلاقيات، فحصلت على موافقة مجلس المراجعة المؤسسية، وضمنت الموافقة المستنيرة والسرية وإخفاء هويات المشاركين.

تكشف النتائج النوعية عن موضوعات متكرّرة أبرزها قدرة النماذج على تجاوز الانسدادات الإبداعية، إذ عبّر شعراء عن أن الأداة تقترح أسطراً تعيد تحريك أذهانهم بوصفها «شريكاً في الكتابة يعرف أسلوبهم»، فضلاً عن كونها مصدر إلهام يقودهم إلى موضوعات ومقاربات أسلوبية جديدة، كاستعارة لم يكن الشاعر ليفكّر فيها فغيّرت وجهة قصيدته بالكامل. غير أن الاستجابات العاطفية تفاوتت، إذ أبدى بعضهم حماسة للإمكان التعاوني وأبدى آخرون قلقاً من أن تطغى الأداة على أصواتهم وأصالتهم، كما في قول أحدهم إنّه يحبّ ما تجلبه من إبداع لكنه يخشى أحياناً أن تطغى على صوته الخاص. وفي جانب الملاءمة السياقية، وجد المشاركون الاقتراحات منسجمةً غالباً مع نواياهم الشعرية وقادرةً على التكيّف مع أساليبهم، مع إقرارهم بأنها تبدو أحياناً عامّةً أو «آلية» تفتقر إلى العمق العاطفي المنشود، إذ لاحظ أحدهم أنّ الاقتراحات قد تكون ميكانيكيةً أكثر من اللازم فلا تلتقط دقائق ما يريد التعبير عنه.

وتؤكّد النتائج الكمّية هذه الانطباعات؛ فقد أنجز الشعراء المستعينون بالنماذج مهامهم بسرعة أكبر بنحو 35% مقارنةً بالكتابة دون مساعدة، وبلغ متوسط رضا المستخدمين 8.5 على مقياس من عشر درجات. وعند تقييم جودة النتاج الإبداعي وفق معيار يراعي الأصالة والعمق العاطفي والالتزام بالشكل الشعري، حصلت القصائد المكتوبة بمساعدة النماذج على متوسط 8.2 مقابل 6.7 للقصائد المكتوبة دون مساعدة، كما أظهر التحليل الموضوعي توسّعاً ملحوظاً في استكشاف موضوعات متنوّعة بفضل ما تتيحه الاقتراحات، حتى قال أحد الشعراء إنّه شرع يكتب في موضوعات لم يفكّر فيها من قبل بفضل الموجّهات وكأنّ الأداة فتحت له باباً إلى أفكار جديدة. وتخلص الدراسة في مناقشتها إلى أن هذه النماذج تعزّز الابتكار الشعري وتقيم علاقة تعاونية تشجّع على المجازفة الإبداعية، مع ضرورة الموازنة بين التقنية والأصالة والحفاظ على الصوت الفردي.

وتفصّل الدراسة في فصل المناقشة جملةً من المحاور: دور النماذج في تجاوز انسداد الكتابة عبر انسياب أيسر للأفكار بما يتّسق مع طرح بودن عن التقنية محفّزاً للإبداع؛ ودورها في الإلهام وتوليد الأفكار عبر ما تحمله من طابع «مفاجئ» يشعل مسارات موضوعية غير متوقّعة؛ وتشجيعها التجريب باللغة والشكل ودفع الشعراء إلى مغادرة مناطق راحتهم. كما تعالج ديناميات التعاون بين الإنسان والآلة بوصفها «شراكة» يحتفظ فيها الشاعر بالسيطرة النهائية على النص، بما يتحدّى المفاهيم التقليدية للمؤلفية ويقترح تعريفاً أكثر شمولاً يضمّ إسهام الإنسان والآلة معاً. وتفرد الدراسة حيّزاً لإعادة تعريف المؤلفية وصون الهوية الفردية، مشدّدةً على أن ينظر الشاعر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً تكمّل إبداعه وتعينه على استكشاف منظوره الخاص لا أن تذيب صوته، وأن يظلّ الفنان استباقياً في الحفاظ على هويته.

وتعالج الدراسة تبعات ذلك على المؤلفية والهوية، فتدعو إلى أطر جديدة تنصف طبيعة التعاون بين الإنسان والآلة وتنظّم نسبة الأعمال الإبداعية، وتحذّر من خطر تنميط الصوت الشعري وترسيخ الانحيازات الكامنة في بيانات التدريب، ومن إشكالات الملكية الفكرية. وتقدّم توصيات للممارسين والمعلّمين تتضمّن دمج أدوات معالجة اللغة الطبيعية في مناهج الكتابة الإبداعية وتدريب الطلبة على الاستخدام الأخلاقي، وتقترح لأبحاث المستقبل دراسات طولية تتتبّع أثر هذه الأدوات على المدى البعيد، ومقاربات متعدّدة التخصّصات تجمع علوم الإدراك واللسانيات ونظرية الفن، وتوسيع العيّنات لتشمل شعراء من خلفيات ممثَّلة تمثيلاً ناقصاً، واستكشاف أداء التقنية عبر أنواع شعرية مختلفة. وتُقرّ الدراسة بمحدوديّاتها المتصلة بحجم العيّنة وذاتية قياس الإبداع وتغيّر أداء النماذج بتحديثاتها. وتكمن أهميتها في تقديمها أدلّة تجريبية ضمن نقاش تقاطع التقنية والفنون، ودفاعها عن الدمج المتأنّي للنماذج اللغوية التفاعلية بوصفها معزِّزاً للإبداع الإنساني لا بديلاً عنه. ويُنبَّه إلى أن هذا العمل نُشر بوصفه مسوّدةً أوّلية (Preprint) غير محكَّمة على منصّة Preprints.org.

الدراسة (PDF)

تحميل / فتح الملف (PDF)

المصدر: مسوّدة أوّلية غير محكَّمة منشورة على Preprints.org بتاريخ 27 حزيران/يونيو 2025، DOI: 10.20944/preprints202506.2316.v1.

Scroll to Top