راقمون

دراسات وأوراق علمية

نظرية النشاط عدسةً لتبنّي المعلّمين تقنيات الذكاء الاصطناعي: نمذجة بالمعادلات البنائية

8 يوليو، 2026
اسم المجلةComputers and Education Open
المجلد10
الصفحات100349
تاريخ النشر22 مارس 2026

خلاصة الدراسة

تعالج هذه الدراسة سؤالًا لا يزال غامضًا في أدبيات دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم، وهو: ما الآليات الكامنة التي تفسّر لماذا يميل بعض المعلّمين إلى تبنّي أدوات الذكاء الاصطناعي بينما يُحجم آخرون؟ وللإجابة عن هذا السؤال، تستند الباحثتان جيهيون لي وهيلينا غرانزييرا من كلية التربية بجامعة نيو ساوث ويلز في سيدني الأسترالية إلى نظرية النشاط (Activity Theory)، المعروفة أيضًا بالنظرية الثقافية-التاريخية للنشاط (CHAT)، بوصفها أحد الأطر الرائدة في مجالي التفاعل بين الإنسان والحاسوب وتكنولوجيا التعليم. وتتألف النظرية من ستة مكوّنات رئيسة هي: الفرد/الذات، والأهداف/الموضوع، وتقسيم العمل، والمجتمع، والقواعد/اللوائح، والأدوات. وتسعى الدراسة نظريًا إلى تقويم جدوى هذه النظرية في تفسير نوايا المعلّمين لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وعمليًا إلى تقديم رؤى لقادة المدارس وصنّاع السياسات لتيسير الدمج الفعّال لهذه التقنيات في صفوف التعليم من الروضة إلى الثانوية (K-12).

صاغت الدراسة ست فرضيات تجسّد العلاقات المتشابكة بين مكوّنات النظرية. تفترض الفرضية الأولى أنّ إدراك المعلّمين لفائدة الأدوات في تحقيق الأهداف التربوية يرتبط بانخراطهم الفردي (الأهداف ← الفرد)، وتفترض الثانية أنّ إدراك تيسير تقسيم العمل يرتبط بالانخراط الفردي (تقسيم العمل ← الفرد)، وتفترض الثالثة أنّ الاستخدام الحالي الفردي يرتبط بالنية المستقبلية للتبنّي (الفرد ← النية). أمّا الفرضية الرابعة فتربط انخراط المجتمع بنية التبنّي (المجتمع ← النية)، والخامسة تفترض أنّ القواعد واللوائح تشجّع انخراط المجتمع (القواعد ← المجتمع)، بينما تختبر السادسة ما إذا كانت هذه العلاقات تختلف باختلاف المستوى التعليمي (ابتدائي مقابل ثانوي) والمرحلة المهنية (قبل الخدمة مقابل أثناءها).

جُمعت البيانات من معلّمين يعملون أو يقيمون في ولاية نيو ساوث ويلز بأستراليا، عبر استراتيجيات متعددة شملت الإعلان داخل كلية التربية، وأخذ العيّنات بكرة الثلج، والاستعانة بشركة الأبحاث Qualtrics. وقد بلغ إجمالي الاستجابات 630 استجابة، اكتملت منها 557 استجابة أُدرجت في التحليل النهائي، شملت معلّمين أثناء الخدمة (439) من بينهم ثانويون (226، أي 51٪) وابتدائيون (126، أي 29٪) ومعلّمو طفولة مبكرة (38) وفئة “تعليم آخر” (49)، إضافة إلى معلّمين قبل الخدمة (81). وأُجري المسح بين نوفمبر 2024 ويناير 2025. وتضمّن الاستبيان ابتداءً 46 عنصرًا تقيس سبعة بنى بمقياس ليكرت الخماسي، واستُقيت بنود مكوّنات النظرية من دراستَي هاجيماغسودي ومفتون وونغ وزملائه، مع تعديلها لتوسيع نطاقها من كتابة متعلّمي الإنجليزية كلغة أجنبية إلى الاستخدام التعليمي العام للذكاء الاصطناعي.

كشفت الدراسة الاستطلاعية للبنية عبر التحليل العاملي الاستكشافي عن ظهور ستة عوامل، لكنها لم تطابق التوقعات النظرية بالكامل: إذ التحمت بنود “الأهداف” و”الأدوات” في عامل واحد لصعوبة الفصل بينهما تجريبيًا ومفاهيميًا، بينما انقسمت “القواعد/اللوائح” إلى بُعدين: أحدهما يعكس الحاجة المُدرَكة للقواعد، والآخر يلتقط القلق النوعي إزاء تدخّل الحكومة. وهكذا أُبقي على ستة عوامل هي: الفرد، والأهداف، والمجتمع، والقواعد/اللوائح، وتقسيم العمل، والحكومة. وبعد الإبقاء على البنود القوية سيكومتريًا (بتشبّعات عاملية 0.40 فأعلى)، تكوّنت مجموعة نهائية من 24 بندًا، اختُبرت عبر التحليل العاملي التوكيدي على العيّنة الكاملة، فأظهرت مطابقة مُرضية (CFI = 0.944؛ TLI = 0.935؛ RMSEA = 0.055؛ SRMR = 0.042). واستُخدمت لاحقًا النمذجة بالمعادلات البنائية القائمة على التباين المشترك (CB-SEM) مع تقدير الأرجحية القصوى المتين (MLR) لمعالجة عدم الطبيعية متعددة المتغيرات.

في تحليل العيّنة الكاملة، تبيّن أنّ جميع المسارات المفترضة (من الأولى إلى الخامسة-ب) كانت دالّة إحصائيًا عند مستوى p أقل من 0.001. فقد ارتبط كلٌّ من الأهداف (β = 0.467) وتقسيم العمل (β = 0.398) ارتباطًا مباشرًا وموجبًا بالفرد. وارتبط كلٌّ من القواعد (β = 0.460) والحكومة (β = 0.882) بالمجتمع، إذ برز مسار الحكومة ← المجتمع بوصفه أقوى العلاقات البنائية على الإطلاق. وأخيرًا ارتبط الفرد (β = 0.660) والمجتمع (β = 0.298) ارتباطًا مباشرًا بنية استخدام الذكاء الاصطناعي، مع تأثير أقوى بكثير للفرد. وبذلك تبيّن أنّ الفرد والمجتمع هما المتنبّئان المباشران بالنية، في حين مارست الأهداف وتقسيم العمل والحكومة والقواعد تأثيرات غير مباشرة عبر التأثير في الفرد والمجتمع.

أمّا على مستوى المجموعات الفرعية، فقد ظهرت فروق لافتة. لدى معلّمي الثانوي (226)، كان الفرد والمجتمع متساويين تقريبًا في أهميتهما للنية (β = 0.463 و0.451 على التوالي)، وكان دور الأهداف ضئيلًا وغير دالّ، بينما كان تقسيم العمل أقوى (β = 0.486). أمّا لدى معلّمي الابتدائي (126)، فكان الفرد ← النية هو المسار المباشر الدالّ الوحيد (β = 0.741)، ولم يبلغ المجتمع ← النية الدلالة (β = 0.219)، فيما ارتبطت الأهداف بالفرد (β = 0.678) دون تقسيم العمل. وجاءت نتائج معلّمي ما قبل الخدمة (81) مشابهة للابتدائيين، مع أثر أقوى للفرد (β = 0.918) وغياب شبه تام لدور المجتمع (β = 0.045)، ودور دالّ لتقسيم العمل مباشرة وغير مباشرة.

تفسّر الباحثتان هذه الأنماط في ضوء بنية المدارس وديناميات الطاقم: فمعلّمو الثانوي يعملون غالبًا ضمن فرق قائمة على المواد التخصصية، ما يزيد تعرّضهم لتأثير الأقران والخطاب المهني وفرص تطوير استراتيجيات نوعية للتقنية؛ في حين يدير معلّمو الابتدائي صفًّا واحدًا طوال العام، ما قد يحدّ من فرص الاستكشاف التعاوني للذكاء الاصطناعي. وتشير النتائج إلى أنّ تبنّي الذكاء الاصطناعي لا يزال مقودًا فرديًا في المقام الأول، وأنّ التأييد على مستوى المجتمع لم يبلغ الكتلة الحرجة الكافية، وأنّ ثمة اختلالًا بين اهتمام المعلّمين بالذكاء الاصطناعي ومحدودية التطوير المهني المدعوم مؤسسيًا. كما تبرز مطالبة قوية من المعلّمين بتدخّل حكومي لضمان التعليم المتمركز حول الإنسان وتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي، ما يدفع الباحثتين إلى اقتراح توسيع نظرية النشاط لتشمل “الحكومة أو السلطة” مكوّنًا متميزًا في أنظمة النشاط المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وتستدعي هذه النتائج قراءةً نظرية دقيقة لموقع “تقسيم العمل”؛ إذ يتبيّن أنّه يُتصوَّر عمليًا على المستوى الفردي، أي بين المعلّم والأدوات الذكية، لا بوصفه وظيفة جماعية مشتركة كما اقترحت الصيغة الأصلية للجيل الثاني من نظرية النشاط. وقد يعكس ذلك بيئة السياسات الراهنة التي تظلّ فيها القواعد واللوائح المتعلقة بالذكاء الاصطناعي غامضة أو غائبة، فتتحقّق إعادة توزيع المهام المدعومة بالذكاء الاصطناعي غالبًا عبر المعلّمين الأفراد الذين يستخدمونها لتحسين المهام الإدارية وتمايز الدروس وتصميم التقويم. وتنبّه الباحثتان إلى احتمال ازدياد الاعتماد على الأدوات حين يجري إنجاز المهام في عزلة ودون تزويد المعلّمين بمحو أمية كافٍ بالذكاء الاصطناعي، ما يستدعي نقاشات تعاونية وممارسات مشتركة داخل المجتمعات المهنية. أمّا الدلالة النظرية الأبرز فهي أنّ متانة العلاقة بين الحكومة والمجتمع تشير إلى أنّ التنظيم الحكومي لا يفرض الامتثال فحسب، بل يشير إلى الشرعية المؤسسية، ويصوغ تصوّرات الاستخدام المقبول، ويدعم نشر التقنيات وتنفيذها الفعّال، وهو ما يجعل إدراج “الحكومة أو السلطة” مكوّنًا سابعًا في أنظمة النشاط المرتبطة بالذكاء الاصطناعي امتدادًا مسوَّغًا؛ فالقواعد جيدة التواصل التي تُوضّح الاستخدامات الملائمة للأعمار والأغراض التربوية من شأنها أن تعزّز ثقة المعلّمين وتدعم الدمج المستدام، بما يتّسق مع ما تؤكّده منظمات دولية كمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية واليونسكو من أهمية أطر الحوكمة لتمكين التبنّي الآمن والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في المدارس.

وتقرّ الدراسة بجملة من القيود، منها اقتصار العيّنة على معلّمين أستراليين، ما يحدّ من تعميم النتائج، وعدم اعتماد عيّنة احتمالية، والإبقاء على البنية النموذجية نفسها عبر المجموعات دون تحسينها لكل مجموعة على حدة لتيسير المقارنة، إضافةً إلى تأثّر مواقف المعلّمين بعوامل خارجية متقلّبة كالتغطية الإعلامية والأولويات الحكومية، واحتمال وجود علاقات تبادلية بين المكوّنات تستدعي دراسات طولية. وتخلص إلى أنّ فهم المعلّمين وتقييمهم وتطبيقهم للذكاء الاصطناعي على المستوى الفردي هو المحرّك الأساس للتبنّي، ما يبرز قيمة التطوير المهني الموجّه لتعزيز محو الأمية بالذكاء الاصطناعي، مع الحاجة إلى استراتيجيات مجتمعية أكثر فاعلية في الثانوي، وإلى إرشاد حكومي واضح، وإلى تطوير المدارس أدلة داخلية في غياب السياسات الوطنية.

الدراسة (PDF)

تحميل / فتح الملف (PDF)

المصدر: Computers and Education Open، المجلد 10 (2026)، رقم المقال 100349، الناشر Elsevier، DOI: 10.1016/j.caeo.2026.100349.

Scroll to Top