تقييم الجاهزية لمعرفة AI-TPACK في تكوين معلّمي الرياضيات: دور الكفاءة الذاتية والمعتقدات التدريسية

خلاصة الدراسة
تعالج هذه الدراسة قضية متنامية الأهمية في تكوين المعلّمين، مفادها أنّ طلبة تكوين معلّمي الرياضيات (Mathematics Teacher Education Students) صاروا مطالَبين بتطوير المعرفة التربوية بالمحتوى المدمجة بالذكاء الاصطناعي (AI-TPACK) لتوظيف الأدوات الذكية توظيفًا فعّالًا مع تزايد اندماج الذكاء الاصطناعي في الصفوف المعاصرة. وينبّه الباحثان مي جوان شيه وليلينغ لوه، من كلية الرياضيات والإحصاء بجامعة قوانغشي العادية في الصين، إلى أنّ تعليم الرياضيات يفرض تحديات معرفية وتربوية فريدة تستلزم بحثًا نوعيًا خاصًا بهذا الحقل؛ فهو يعتمد، خلافًا للمواد اللغوية، على أدوات قادرة على معالجة المنطق الرمزي المجرّد والتصوّر الهندسي الديناميكي والاستدلال الخوارزمي المعقّد. كما أنّ سياق الصين يتّسم بتقاليد تعليمية قائمة على التدريس بقيادة المعلّم والتركيز على الإتقان الإجرائي والاستنباط المنطقي، ما يوجِد توترًا بين الطبيعة الاستكشافية للذكاء الاصطناعي وبين الدقة التي يتطلبها المنهج الوطني ذو الرهانات العالية.
تسعى الدراسة إلى ثلاثة أهداف مترابطة: تطوير مقياس خاص بالحقل لقياس AI-TPACK لدى طلبة تكوين معلّمي الرياضيات والتحقّق من صدقه؛ وفحص الوضع الراهن لجاهزية هذه المعرفة عبر المستويات الدراسية؛ واستخدام النمذجة بالمعادلات البنائية (SEM) لاستكشاف التفاعل بين الكفاءة الذاتية والمعتقدات التدريسية ومجالات AI-TPACK. وقد صيغت ثلاثة أسئلة بحثية حول الوضع الراهن للجاهزية، ووجود فروق دالّة عبر المستويات، وكيفية تنبّؤ الكفاءة الذاتية والمعتقدات التدريسية بالجاهزية والعلاقة البنائية بين هذه البنى. ويميّز الباحثان بين AI-TPACK بوصفه المكوّنات المعرفية الساكنة، و”الجاهزية” بوصفها حالة أكثر فاعلية من التهيّؤ للدمج المستقبلي للتقنية، تشمل القدرة المُدرَكة والاستعداد النفسي لاستخدام هذه الأدوات ضمن القواعد المنطقية الصارمة لتعليم الرياضيات.
اعتمدت الدراسة تصميمًا كمّيًا مسحيًا متعدد المراحل ضمن نموذج ما بعد وضعي، يدمج التحقّق من الأداة بالنمذجة التنبّؤية. وقد وُلّد مجمّع أوّلي من 35 بندًا يغطّي ستة متغيرات كامنة هي: AI-TK، وAI-TCK، وAI-TPK، وAI-TPACK، والكفاءة الذاتية، والمعتقدات التدريسية، بمقياس ليكرت السباعي. وبعد تقييم لجنة من خمسة خبراء (ثلاثة أساتذة في تكنولوجيا التعليم واثنان في تعليم الرياضيات)، أُزيلت أو أُعيدت صياغة خمسة بنود غامضة. ثم أُجريت دراسة استطلاعية على 128 طالبًا من طلبة السنة الأخيرة في جامعة واحدة (بعد استبعاد من أكملوا في أقل من دقيقة)، بلغت فيها قيمة KMO مقدار 0.930 مع دلالة اختبار بارتليت. وفي المرحلة النهائية وُزّع المقياس على طلبة في سبع جامعات صينية متماثلة، فبلغت العيّنة النهائية 412 استجابة صالحة، تألفت من 262 طالبًا جامعيًا في السنة الأخيرة (63.6٪) و105 طلبة دراسات عليا في السنة الأولى (25.5٪) و45 في السنة الثانية (10.9٪)، مع نسبة إناث بلغت 70.1٪.
أظهر التحليل العاملي الاستكشافي، بعد إزالة البنود ذات التشبّعات المتدنية أو المتقاطعة، أنّ النسخة النهائية للمقياس تتكوّن من ستة عوامل و21 بندًا، بتشبّعات عاملية تراوحت بين 0.485 و0.863، وبتباين كلّي بلغ 84.62٪. وجاءت معاملات ألفا كرونباخ لجميع العوامل فوق عتبة 0.70 (AI-TK = 0.883؛ AI-TPK = 0.917؛ AI-TCK = 0.919؛ AI-TPACK = 0.930؛ الكفاءة الذاتية = 0.909؛ المعتقدات التدريسية = 0.894). وأكّد التحليل العاملي التوكيدي عبر AMOS 24 صدق البنية، بمؤشرات مطابقة مقبولة (χ²/df = 1.735؛ RMSEA = 0.076؛ NFI = 0.909؛ CFI = 0.958؛ TLI = 0.945).
على مستوى الوضع الراهن، تبيّن أنّ جميع أبعاد AI-TPACK لدى الطلبة عند المستوى المتوسط، إذ تراوحت المتوسطات بين 3.76 و5.33. غير أنّ المعتقدات التدريسية (المتوسط 5.24) والكفاءة الذاتية جاءتا أعلى من مكوّنات AI-TPACK، بينما كان AI-TK أدناها (المتوسط 4.23)، وكان AI-TCK أعلى مكوّنات AI-TPACK (المتوسط 4.53). ويستنتج الباحثان أنّ جاهزية الطلبة لا تزال في مرحلة أوّلية تتّسم بمقاربة “استهلاكية” للتقنية، إذ يستخدم أغلبهم الذكاء الاصطناعي التوليدي في مهام تحضيرية كالبحث عن الإجابات وتصميم أسئلة الامتحان وصياغة خطط دروس أساسية، بينما نادرًا ما تُستخدم التطبيقات المتقدّمة كالواقع الافتراضي للهندسة ثلاثية الأبعاد أو الأنظمة الذكية لملاحظة الطلبة.
وفيما يخصّ الفروق بين المستويات، أظهر تحليل التباين عدم وجود فروق دالّة في مكوّنات AI-TPACK عبر المستويات (AI-TK: F = 1.79، p = 0.170؛ AI-TCK: F = 2.14، p = 0.119؛ AI-TPK: F = 0.37، p = 0.708؛ AI-TPACK: F = 0.83، p = 0.435)، في حين ظهرت فروق دالّة في الكفاءة الذاتية (F = 4.68، p = 0.010) والمعتقدات التدريسية (F = 7.26، p أقل من 0.001). ويعني ذلك أنّ التعليم العالي رفع من الكفاءة الذاتية والمعتقدات التدريسية دون أن يحسّن قدرات AI-TPACK فعليًا، وهو أمر غير متوقّع لأنّ المرء يفترض عادةً أنّ طلبة الدراسات العليا يملكون مهارات تقنية أكثر تقدّمًا. ويُعزى هذا الجمود إلى الطابع المجزّأ وغير المنهجي للتعلّم الذاتي عبر الإنترنت، وإلى محدودية التعرّض لأدوات الذكاء الاصطناعي في التدريبات الميدانية بالمدارس الثانوية التي لا تزال تتمسّك بالطرائق التقليدية.
أمّا العلاقة البنائية، فقد كشف النموذج، بعد تشذيب مسارين غير دالّين (H2b وH3c) تحقيقًا لمبدأ الاقتصاد النموذجي، عن مطابقة مقبولة (χ²/df = 3.348؛ RMSEA = 0.078؛ NFI = 0.915؛ CFI = 0.938؛ TLI = 0.927). وارتبطت الكفاءة الذاتية ارتباطًا موجبًا ودالًّا بكلٍّ من AI-TK (β = 0.69) وAI-TCK (β = 0.78) وAI-TPK (β = 0.73)، ما يدعم الفرضيات H1a وH1b وH1c. وفي المقابل أظهرت المعتقدات التدريسية علاقات سلبية ضعيفة مع AI-TCK (β = −0.03) وAI-TPK (β = −0.15)، فجاءت الفرضيتان H2c وH2a بأدلّة معاكسة. كما تنبّأ AI-TK بكلٍّ من AI-TPK (β = 0.30) وAI-TCK (β = 0.35)، وتنبّأ AI-TPK (β = 0.59) وAI-TCK (β = 0.64) بكفاءة AI-TPACK الكلّية. والدلالة اللافتة هنا أنّ AI-TK لا يُسهم مباشرةً في الجاهزية الكلّية بل يجب أن يُوسَّط عبر AI-TPK وAI-TCK، ما يؤكّد أنّ الإتقان التقني وحده غير كافٍ ما لم يتحوّل عبر عدسة تربوية.
وتتّسق هذه النتائج البنائية مع تحليل ارتباط بيرسون الذي أظهر أنّ جميع المتغيّرات مرتبطة دلاليًا بدرجات متفاوتة؛ فقد لوحظ ارتباط متين بين العناصر المكوّنة لجاهزية AI-TPACK، وأنّ الارتباط المباشر المعتدل بين AI-TK والجاهزية الكلّية يتعزّز حين يُوسَّط عبر AI-TCK وAI-TPK، وأنّ الكفاءة الذاتية تُظهر ارتباطًا موجبًا قويًا بالجاهزية ما يوحي بتعزيز متبادل بين الثقة النفسية وتكامل المعرفة، بينما تُبدي المعتقدات التدريسية ارتباطًا أضعف دلاليًا بالعناصر الداخلية، خاصةً مع AI-TK وAI-TPK. ويؤصّل الباحثان تصوّرهما نظريًا في الانتقال من إطار TPACK الكلاسيكي، الذي يجمع المعرفة التقنية والتربوية والمحتوى، إلى إطار AI-TPACK الذي يحوّل مكوّن “التقنية” إلى مكوّن أكثر ديناميكية وتفاعلية بفعل قدرات الذكاء الاصطناعي المستقلة والتكيّفية؛ فلم تعد AI-TK مجرّد تشغيل للبرمجيات، بل صارت فهمًا للمنطق الخوارزمي وقدرته على سقلة الاستدلال الرياضي، بحيث يعمل الذكاء الاصطناعي بوصفه “شريكًا تربويًا” يُصوّر البُنى المجرّدة ويوفّر مسارات تعلّم مشخّصة. وينبّهان إلى أنّ هذا التحوّل حرِج على نحو خاص لطلبة تكوين معلّمي الرياضيات الذين يتعيّن عليهم التوفيق بين صرامة الرياضيات الجامدة والإمكانات المفتوحة للذكاء الاصطناعي التوليدي، وإلى أنّ المعتقدات التدريسية تعمل كمرشّح معرفي يحدّد ما إذا كان المعلّم يرى الذكاء الاصطناعي أداةً لتعزيز التعلّم التلقيني التقليدي أم وسيطًا لتنمية التفكير الأعلى رتبة، وهو ما يفسّر تفاوت جاهزية معلّمين يمتلكون معرفة تقنية متماثلة.
يفسّر الباحثان العلاقة السلبية للمعتقدات التدريسية التقليدية في ضوء مفهوم “الحواجز من الرتبة الثانية”، إذ قد تتعارض الفلسفات الراسخة حول الطبيعة المنظّمة والصارمة لتدريس الرياضيات مع ما يُدرَك من نقص الشفافية أو احتمال الخطأ في مُخرَجات الذكاء الاصطناعي، فيُبدي الطلبة الذين يعطون الأولوية للطرائق التقليدية بقيادة المعلّم مقاومةً مفاهيمية للأدوات الذكية. وتستخلص الدراسة جملة تضمينات لتكوين معلّمي الرياضيات: إعادة هيكلة المناهج لدمج أدوات ذكاء اصطناعي واقعية (كتوليد مجموعات المسائل آليًا، وتحليلات التعلّم، وتوليد الأشكال الهندسية من نصّ أو رمز)؛ وإعطاء الأولوية للجاهزية النفسية عبر تصميم دروس مصغّرة معزّزة بالذكاء الاصطناعي في بيئة داعمة لبناء الثقة؛ ومعالجة الحاجز المعرفي عبر ورش “تأمّل بيداغوجي” تناقش التوتر بين الإتقان الإجرائي التقليدي والاستكشاف المعزّز بالذكاء الاصطناعي؛ وجعل تطوير AI-TPACK خيطًا متصلًا عبر المنهج الرباعي بدل مقرّر اختياري واحد. ويقرّ الباحثان بقيود منها الطابع المقطعي للبيانات الذي يحدّ من الاستدلال السببي، واقتصار التعميم على السياق الصيني، والاعتماد على مقاييس التقرير الذاتي، والطابع الاستكشافي لتعديلات النموذج.
الدراسة (PDF)
المصدر: Computers and Education Open، المجلد 10 (2026)، رقم المقال 100375، الناشر Elsevier، DOI: 10.1016/j.caeo.2026.100375.