ما وراء الكفاية: الشروط الضرورية لنية الموظفين في استخدام أنظمة التعلم الشخصية

خلاصة الدراسة
تعالج هذه الدراسة إشكالية منهجية ونظرية مفادها أن الأبحاث السابقة في مجال تبنّي التقنية حدّدت محرّكات نية الموظفين لاستخدام أنظمة التعلم الشخصية من منظور “الكفاية” القائم على منطق احتمالي مؤداه أن “المتغير X يُنتج النتيجة Y”، بينما بقي ما هو معروف عن “الشروط الضرورية” محدودًا. وتوضح الباحثة أن أنظمة التعلم الشخصية تقدّم موارد تعليمية مصمّمة وفق المتعلم الفرد، وتَعِد بزيادة الكفاءة والانخراط في التعلم بمكان العمل، لا سيما مع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي التوليدي (GenAI) الذي يوسّع إمكانات التخصيص عبر توليد شروح سياقية وتغذية راجعة مصمّمة وتعديل مستوى صعوبة المهام واقتراح مسارات تعلم بناءً على مدخلات المستخدم الآنية.
ينطلق السؤال البحثي المحوري من الاستفسار عن مدى كون بُنى نموذج UTAUT2 شروطًا ضرورية لنية الموظفين في استخدام هذه الأنظمة، وهو سؤال يسلّط الضوء على السببية من منظور الضرورة (“X يُمكِّن Y”) بدلًا من منظور الكفاية. وتؤكد الباحثة أن استكمال النتائج المبنية على منطق الكفاية بأخرى مبنية على منطق الضرورة يساعد على تنقيح النظريات وتجنّب الاستنتاجات المتسرعة، إذ إن النتيجة لا يمكن أن توجد إذا غاب الشرط الضروري. وتستند الدراسة إلى تحليل الشرط الضروري (Necessary Condition Analysis أو NCA)، وهي طريقة صاعدة تجمع بين منطق سببي محدد وتقنية تحليل بيانات ملائمة، وتتيح فحص ما إذا كانت محدّدات UTAUT شروطًا مسبقة لا غنى عنها لتكوين نية السلوك.
تبني الدراسة على مجموعة بيانات منشورة سابقًا استخدمها Schlagheck وSchewe، اللذان حلّلا بيانات 331 موظفًا ألمانيًا من منظور الكفاية عبر نمذجة المعادلات البنائية وتحليلات المجموعات المتعددة. وقد أُعيد استخدام هذه العينة بإذن، لأنها تلائم هدف الدراسة تمامًا وتحسّن قابلية المقارنة مع النتائج المبنية على الكفاية. وجُمعت البيانات الأصلية في صيف 2020 مستهدفةً صناعات ومهنًا متنوعة، بمشاركة طوعية وموافقة مستنيرة، وسبق أن نُقّيت البيانات بمعايير مثل فشل فحص الانتباه ونقص التباين وأنماط الاستجابة المريبة. وتتوزع العينة بين 155 ذكرًا و176 أنثى، و169 مشاركًا دون سن 27 عامًا مقابل 162 في المجموعة الأكبر، و191 لديهم خبرة قليلة أو معدومة بأنظمة التعلم الشخصية مقابل 140 أكثر خبرة، مع مدى أعمار يمتد من 19 إلى 66 عامًا.
اعتمدت الباحثة نموذج Schlagheck وSchewe نفسه لكن مع إعادة تفسير أسهمه بوصفها علاقات “ضرورة” لا “كفاية”، وصاغت سبع فرضيات ضرورة. فتناولت الفرضية الأولى توقّع الأداء (Performance Expectancy)، والثانية توقّع الجهد (Effort Expectancy)، والثالثة التأثير الاجتماعي، والرابعة الظروف الميسِّرة، والخامسة الدافع المتعوي (Hedonic Motivation)، والسادسة موثوقية التقنية بوصفها ضرورية لنية السلوك، والسابعة موثوقية التقنية بوصفها ضرورية لتوقّع الأداء. واستُبعدت ثلاث بُنى من UTAUT2 (قيمة السعر والعادة وسلوك الاستخدام) لأن الدراسة الأصلية استبعدتها بمبرر ولعدم توافر بياناتها. وقيست المتغيرات الكامنة على مقاييس ليكرت من 1 (“إطلاقًا”) إلى 7 (“موافق تمامًا”) باستخدام مقاييس مُصادَق عليها.
أُجريت التحليلات في بيئة R (الإصدار 4.3.1) وحزمة NCA (الإصدار 4.0.2). وأظهرت الإحصاءات الوصفية أن معامل ألفا كرونباخ والموثوقية المركبة تجاوزا 0.70 دومًا، وأن الجذر المربع لمتوسط التباين المستخرج استوفى معيار فورنيل-لاركر، وبلغ نموذج القياس ملاءمة مقبولة (χ² = 420.764، df = 231، RMSEA = 0.050، SRMR = 0.059، CFI = 0.961، TLI = 0.953). وأُجري تحليل قوة مسبق أظهر قوة قدرها 0.87 لحجم عينة 331 وحجم أثر d = 0.10 وقيمة p = 0.05. واستُخدمت ثلاثة معايير لتقدير الضرورة “من حيث النوع”: التبرير النظري المستند إلى UTAUT2، والصلة العملية بحجم أثر لا يقل عن 0.10، والدلالة الإحصائية عبر اختبار التبديل، مع خطوط سقف مشتقة من انحدارات السقف بأسلوب free disposal hull (CR-FDH).
كشفت النتائج أن العاملين الأبرز في أبحاث تبنّي التقنية، أي توقّع الأداء (d = 0.12) وتوقّع الجهد (d = 0.17)، يشكّلان شرطين ضروريين لنية الاستخدام؛ فدعمت البيانات الفرضيتين الأولى والثانية بآثار متوسطة (0.10 ≤ d < 0.30) وقيمة p أقل من 0.001. كما تبيّن أن نقص الموثوقية يعيق توقّع الأداء (H7: d = 0.13)، ما يجعل توقّع الأداء "وسيطًا ضروريًا". في المقابل، لم يكن التأثير الاجتماعي (H3: d = 0.00) ضروريًا على الإطلاق، ولم تكن الظروف الميسِّرة (H4: d = 0.05) ولا الدافع المتعوي (H5: d = 0.03) ضروريَّين من حيث النوع. أما موثوقية التقنية بوصفها شرطًا مباشرًا لنية السلوك (H6: d = 0.09) فرُفضت لتدنّي أثرها العملي رغم دلالتها الإحصائية، كونها دون عتبة 0.10 بقليل. وأوضحت جداول "عنق الزجاجة" الضرورة "من حيث الدرجة"، إذ يلزم مثلًا 4.19 نقطة من توقّع الأداء و4.40 نقطة من توقّع الجهد لبلوغ الحد الأقصى (7.00) لنية السلوك.
أجرت الباحثة فحوص متانة عززت الاستنتاجات، إذ تبيّن أن تغيير تقنية السقف إلى CE-FDH أو اعتماد النطاق النظري (S = 36) أو حذف القيمة الشاذة الأكثر تأثيرًا كان سيؤدي إلى قبول الفرضية السادسة، ما يؤكد أن الإجراء المتبع كان محافظًا. كما أجرت تحليلات مجموعات فرعية استنادًا إلى معدِّلات UTAUT2 (الجنس والعمر والخبرة)، فوجدت أن توقّع الأداء ضروري لكل مجموعة لكن بأثر أكبر لدى النساء والفئة الأصغر سنًا والأقل خبرة (d بين 0.21 و0.24) مقابل الرجال والأكبر سنًا والأكثر خبرة (d بين 0.14 و0.16). في المقابل كان توقّع الجهد أكثر ضرورةً للرجال، وكان أثر الظروف الميسِّرة أكبر بكثير للرجال وللفئة الأكبر سنًا ومساويًا للصفر لدى ذوي الخبرة، بينما كان الدافع المتعوي ضروريًا فقط للرجال والأكبر سنًا. وباستثناء النساء، كانت موثوقية التقنية ضرورية دومًا لنية السلوك ولتوقّع الأداء.
على صعيد الإسهام النظري، تؤكد الدراسة أهمية دمج منطق الضرورة إلى جانب منطق الكفاية، إذ إن توقّع الجهد ظهر ضروريًا رغم أن التحليل المبني على الكفاية لدى Schlagheck وSchewe لم يكشف له أثرًا دالًا إحصائيًا، ما يوضح أن ما “يساعد” ليس دومًا ما “يُمكِّن”. وتوصي الباحثة بأن تميّز نماذج تبنّي التقنية المستقبلية صراحةً بين “المُنتِجات” (عدسة الكفاية) و”المُمكِّنات” (عدسة الضرورة)، وبإدراج موثوقية التقنية في أي نموذج يفسّر نية استخدام أنظمة التعلم الشخصية، مع الإشارة إلى أن التأثير الاجتماعي قد يكون مرشحًا للحذف من باب اقتصاد النموذج. كما تلاحظ أن هذه الدراسة تسدّ فجوة تتعلق بإهمال الأبحاث للمتعلمين البالغين العاملين، إذ إن مراجعة Xie وزملائه المنهجية لم تتضمن أي دراسة على العمّال بوصفهم متعلمين.
أما التطبيقات العملية فتبرز الدور الحاسم لتوقّع الأداء وتوقّع الجهد وموثوقية التقنية في تبنّي أنظمة التعلم الشخصية، إذ توفّر جداول عنق الزجاجة إرشادًا ملموسًا يفسّر إخفاق بعض عمليات التنفيذ حتى حين تبلغ مؤشرات مثل التأثير الاجتماعي والظروف الميسِّرة مستويات مرتفعة. وتوصي الباحثة بأن تولي المؤسسات عناية بإشارات موثوقية التقنية والتواصل بشأنها (مثل شهادات موظفين مصوّرة)، وبأن يراعي المطوّرون ومديرو الاتصال توقّع الجهد بوصفه شرطًا مسبقًا يقتضي تفاعلات سلسة وبديهية. وتنبّه إلى أن ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي كروبوتات الدردشة والمحتوى التكيفي والتغذية الراجعة الآنية قد ترفع توقعات الأداء ربما بشكل غير واقعي، وأن إخفاق تحقيقها قد يقوّض التبنّي، مع الإقرار بقيود الاعتماد على مجموعة بيانات واحدة وحاجة الحقل إلى مزيد من الأدلة التجريبية وإلى تطوير اختبار إحصائي لدلالة الفروق في حجم الأثر بين المجموعات.
وتكشف الإحصاءات الوصفية عن ملامح إضافية للعينة تعزز فهم النتائج، إذ بلغ متوسط توقّع الأداء 5.49 وتوقّع الجهد 5.62 ونية السلوك 5.38 على مقياس من سبع نقاط، بينما جاء التأثير الاجتماعي أدنى بمتوسط 3.97، وهو ما يتسق مع خروجه من دائرة الشروط الضرورية. كما ارتبطت نية السلوك أقوى ما ارتبطت بتوقّع الأداء (r = 0.63)، ما يدعم موقعه المحوري بوصفه “وسيطًا ضروريًا” يجمع بين الفرضيتين الأولى والسابعة. وتشدّد الباحثة على أن تحليل الشرط الضروري يفحص علاقات ثنائية المتغير حصرًا، لأن الشرط الضروري “لا يمكن تعويضه” ببقية محدّدات النتيجة، ومن ثمّ عُولج المساران المباشران (H6 وH7) بشكل منفصل لا متزامن. وتوضح أن غياب الضرورة “من حيث النوع” لبعض البُنى لا يلغي حضورها “من حيث الدرجة” عند مستويات عالية جدًا من النتيجة، كما في الدافع المتعوي الذي يصبح ضروريًا عند بلوغ أعلى مستويات النية. وتلفت إلى أن معيارية النطاق التجريبي عبر المجموعات الفرعية، إلى جانب صغر حجم بعض هذه المجموعات، قد يفسّران بعض الفروق في أحجام الأثر، مؤكدةً أن الجمع بين عدستي الكفاية والضرورة يبني فهمًا أكثر دقةً لتبنّي التقنية في عصر الذكاء الاصطناعي، وأن جداول عنق الزجاجة تقدّم لصانعي القرار خرائط ملموسة لما “يجب توافره” بلوغًا لمستوى مرغوب من النية.
الدراسة (PDF)
المصدر: Computers and Education Open، المجلد 10 (2026)، رقم المقال 100345، الناشر Elsevier، DOI: 10.1016/j.caeo.2026.100345.