ما وراء الضجيج: كيف يرى أصحاب المصلحة في التعليم العالي فوائد ومخاوف الذكاء الاصطناعي التوليدي في التدريس والبحث والإدارة

خلاصة الدراسة
تتناول هذه الدراسة إشكالية أن الذكاء الاصطناعي التوليدي (GAI) يعيد تشكيل التعليم العالي بسرعة، مقدّمًا فرصًا تحويلية وتحديات جوهرية على امتداد التدريس والبحث والإدارة في آنٍ واحد. فبينما يَعِد بفوائد كتعزيز الإنتاجية والتعلم الشخصي وأتمتة المهام الروتينية، فإنه يثير مخاوف بشأن النزاهة الأكاديمية والحوكمة الأخلاقية والجاهزية التنظيمية. وترى الدراسة أن فهم كيفية إدراك أصحاب المصلحة لهذه التحولات أمر جوهري لتطوير استراتيجيات توازن بين الابتكار والمسؤولية، لا سيما أن حقل الذكاء الاصطناعي في التعليم (AIED) قد ترسّخ بوصفه مجالًا بحثيًا ناشئًا بعدد متزايد من المنشورات، مع تحديات متكررة تشمل أثر الذكاء الاصطناعي في أنشطة المقررات والتقييم، والجوانب الأخلاقية كالنزاهة والمساءلة، وغياب الإرشادات ووثائق السياسات، والحاجة إلى التطوير المهني ورفع المهارات.
يتمثل هدف الدراسة في استكشاف نقاط القوة والضعف والفرص والتهديدات المُدرَكة لاستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في سياق التعليم العالي من منظور المعلمين والباحثين والإداريين. ويصوغ الباحثان سؤالًا بحثيًا موجِّهًا مؤداه: ما نقاط القوة والضعف والفرص والتهديدات التي يدركها المعلمون والباحثون والإداريون في استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي للتدريس والبحث والإدارة في التعليم العالي؟ وتشير الدراسة إلى أن تحليلات SWOT السابقة للذكاء الاصطناعي التوليدي، كتلك التي أجراها Choi وزملاؤه وFarrokhnia وزملاؤه، ركزت غالبًا على أدوات مفردة مثل ChatGPT، وأن قلة من الدراسات فحصت كيف يدرك المعلمون والإداريون والباحثون جماعيًا هذه التقنية، وهي الفجوة التي تسدّها هذه الدراسة عبر تحليل بيانات أصلية متعددة أصحاب المصلحة.
يستند الإطار النظري إلى أداتين. الأولى هي تحليل SWOT، وهو إطار طويل الاستخدام في دعم صنع القرار الاستراتيجي، يُصوَّر عادةً في مصفوفة ثنائية تميّز العوامل الداخلية (القوة والضعف) عن الخارجية (الفرص والتهديدات)، وتُرجع أصوله إلى نموذج SOFT في ستينيات القرن الماضي. والثانية هي بطاقة الأداء المتوازن (Balanced Scorecard أو BSC) التي قدّمها Kaplan وNorton، وتؤكد أربعة منظورات مترابطة هي منظور العميل (الطالب)، والعمليات الداخلية، والابتكار والتعلم، والمالي. ويوضح الباحثان أن SWOT، رغم شيوعه، انتُقد لكونه وصفيًا مفرطًا يفتقر إلى آليات ترجمة النتائج إلى استراتيجية، ومن ثمّ أُدمجت بطاقة الأداء المتوازن لتحويل نتائج SWOT إلى أهداف استراتيجية قابلة للتنفيذ، في نقلة من التحليل الوصفي إلى الرؤى الموجّهة نحو الاستراتيجية.
أُجريت الدراسة بوصفها تحليل SWOT، وجُمعت البيانات من ندوتين عبر الإنترنت (ويبينار) عُقدتا عبر نظام Zoom في جامعتين في وسط السويد خلال الفصل الربيعي من عام 2024 بهدف توفير تطوير مهني لكوادر التعليم العالي في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي. وحضر الندوتين ما مجموعه 152 من كوادر التعليم العالي، من بينهم باحثون وكوادر تدريس وموظفون إداريون ودعم وطلبة دكتوراه وكوادر إدارية. عُقدت الندوة الأولى في جامعة أصغر في شباط/فبراير 2024 وحضرها نحو 120 مشاركًا، والثانية في جامعة أكبر في أيار/مايو 2024 وحضرها 34 مشاركًا، واتّبعت كلتاهما بنية متشابهة تضمّنت مقدمة عامة عن الذكاء الاصطناعي التوليدي، ومناقشات جماعية في غرف فرعية، وعرض أمثلة لأدوات محددة، وتأملات شخصية.
جُمعت البيانات عبر استبانة نقاش مشتركة في أداة Padlet، وهي منصة تواصل تتيح مشاركة لوحات إعلانات افتراضية، هُيّئت وفق فئات SWOT مع فئة إضافية للتعليقات الأخرى، وضُبطت لتكون مجهولة الهوية بحيث لا يستطيع حتى الباحثان تحديد كاتب كل مساهمة. وشكّل هذا الاختيار مقايضة منهجية: فالتجهيل يشجّع المساهمات المفتوحة والصادقة ويقلّل الضغط الاجتماعي، لكنه يحدّ من ربط الاستجابات بأدوار المشاركين أو إجراء تحليلات فرعية. وبلغ إجمالي المساهمات 167 منشورًا غطّت جميع فئات SWOT، موزعةً بواقع 26 تحت القوة، و33 تحت الضعف، و28 تحت الفرص، و44 تحت التهديدات، و36 تحت التعليقات الأخرى. وبُرّر اختيار Padlet على بدائل كالمقابلات بأنه أتاح مساهمات آنية مجهولة من مجموعة كبيرة ومتنوعة، بما يناسب الهدف الاستكشافي الذي يتطلب اتساعًا لا عمقًا.
أُجري تحليل البيانات بوصفه تحليلًا موضوعيًا نظريًا (استنباطيًا-استقرائيًا) وفق البنية سداسية المراحل لدى Braun وClarke، مع تطوير مصفوفة تصنيف مسبقة قائمة على فئات SWOT. ورُمّزت البيانات أولًا بأسلوب الترميز الوصفي المستوحى من Saldaña، ثم أُعيد تنظيم الرموز داخل فئات SWOT بحثًا عن أنماط، فأسفر ذلك عن 41 موضوعًا أوليًا داخل فئات SWOT و5 في فئة “أخرى”، جُمّعت لاحقًا في 15 موضوعًا أكبر (14 ضمن SWOT وواحد للأخرى أُعيدت تسميته إلى “الطلبات”). ثم رُبطت مواضيع SWOT منهجيًا بمنظورات بطاقة الأداء المتوازن الأربعة وفق قواعد قرار محددة تحيل كل موضوع إلى المنظور الذي يعكس أثره الأكثر مباشرةً، مع دعم الموثوقية والصدق عبر تصميم Padlet المهيكل والتعليمات المعيارية والبنية سداسية المراحل الموثّقة في وثيقة جدولية.
كشفت النتائج أن نقاط القوة تضمّنت أربعة مواضيع: “الإنشاء” (توليد النصوص والصور بوصفه مصدر دعم وإلهام موفّر للوقت)، و”التجميع” (تنظيم كميات كبيرة من البيانات وإجراء مراجعات الأدبيات)، و”الترجمة” (إلى لغات مختلفة بأدوات كـ ChatGPT وDeepL)، و”النسخ” (تحويل الصوت إلى نص لتسريع تدوين الطلبة للملاحظات). أما نقاط الضعف فتمثلت في ثلاثة مواضيع: “الحقيقة” (عدم الدقة والهلوسات والمراجع الملفّقة وأرقام الصفحات الخاطئة التي تزعزع الثقة)، و”النظام” (غياب الشفافية وطبيعة “الصندوق الأسود” وقصوره مقارنةً بالبشر في الاستدلال واسترجاع المعلومات في مجالات ضيقة)، و”المستخدم” (اعتماد الأداة على معرفة المستخدم المسبقة للمجال وصعوبة صياغة المطالبات الفعّالة).
وفي فئة الفرص برزت ثلاثة مواضيع: “الدعم” (تبسيط المعلومات المعقّدة والعمل بوصفه معلمًا إضافيًا للطلبة)، و”إسناد المهام للخارج” (تولّي المهام الروتينية كالإجابة عن الأسئلة الشائعة وتقديم الملخصات والرسومات للعروض)، و”الشراكة” (استخدام النظام شريكًا للنقاش أو التدريب ولعب الأدوار، مع تشبيه إدماجه بإدخال الآلة الحاسبة سابقًا). أما التهديدات فشملت أربعة مواضيع: “زعزعة الاستقرار” (المعلومات المضلّلة والقرصنة وانتشار الغش والاعتماد المفرط وفقدان الإبداع والتفكير النقدي)، و”التعليم” (تعطيل التقييمات وإعادة النظر في مفهوم المعرفة وقيمة بعض المهارات)، و”المنظمة” (تهديد الوظائف وتغيّر القوى العاملة وفقدان التواصل الإنساني والإضرار بسمعة المؤسسة)، و”الأخلاقيات” (حقوق النشر وبيانات التدريب والنزاهة الشخصية وملكية المعلومات المُدخَلة). وأفضى موضوع “الطلبات” إلى أربعة مطالب من المشاركين هي: الإرشادات، والوقت والموارد، ورفع المهارات، والمنسّقون.
خلص الباحثان في المناقشة إلى بناء بطاقة أداء متوازن للذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم العالي تربط مواضيع SWOT بالمنظورات الأربعة واستراتيجياتها: فأُدرجت مواضيع النسخ والمستخدم والدعم وتهديد التعليم ضمن منظور العميل مع استراتيجية “تطوير الإرشادات”؛ ومواضيع الترجمة والنظام وزعزعة الاستقرار ضمن العمليات الداخلية مع استراتيجية “تعيين المنسّقين”؛ ومواضيع الإنشاء والحقيقة والشراكة والأخلاقيات ضمن الابتكار والتعلم مع استراتيجية “رفع المهارات”؛ ومواضيع التجميع وإسناد المهام وتهديد المنظمة ضمن المنظور المالي مع استراتيجية “الوقت والموارد”. وأكد الباحثان أن نتائج الدراسة سياقية خاصة بجامعتين سويديتين لا تمثيل عالمي لها، وأن قوّتها تكمن في استنادها إلى بيانات تجريبية أصلية من مجموعة كبيرة ومتنوعة ودمجها إطارًا تحليليًا راسخًا (SWOT) بأداة استراتيجية (BSC)، مع قيود أبرزها التجهيل الكامل لبيانات Padlet الذي يمنع التحليلات الفرعية، موصيَين بأبحاث مستقبلية تشمل سياقات مؤسسية وثقافية متنوعة للتحقق من النتائج وتوسيعها.
ويوسّع الباحثان مناقشتهما بمقارنة نتائجهما بأدبيات سابقة، مؤكدَين أن دراستهما تتمايز عن تحليلات SWOT السابقة في ثلاثة أوجه: اعتماد عدسة أوسع تتجاوز أداة مفردة كـ ChatGPT لتشمل التدريس والبحث والإدارة معًا من منظور متعدد أصحاب المصلحة، والاستناد إلى بيانات تجريبية أصلية لا إلى مراجعة أدبيات مفاهيمية، وتجاوز التصنيف الوصفي إلى تفعيل النتائج ضمن إطار بطاقة الأداء المتوازن. ويشيران إلى أن مواضيع الضعف الثلاثة (“الحقيقة” و”النظام” و”المستخدم”) يصعب العثور عليها مباشرةً في الأبحاث ذات الصلة، غير أن الهلوسات ومشكلات المساءلة والصندوق الأسود ومفهومي قابلية الاستخدام وسهولة الاستخدام تجد صدى في دراسات سابقة، وأن سهولة الاسترجاع تتوقف على معرفة المستخدم بالمجال بينما ترتبط سهولة الاستخدام بمفهوم “هندسة المطالبات”. ويربطان مواضيع التهديد بمخاطر أمنية واستخدام الطلبة للأدوات في الغش، ويستحضران دراسة Hughes وزملائه بشأن التهديد العام للدور الأكاديمي التقليدي وصلاحية شهادات التعليم العالي. ويخلصان إلى أنه رغم أن دراستهما تُبرز نقاط قوة وفرصًا أكثر، فإن نقاط الضعف والتهديدات هي ما ينبغي إعطاؤه الأولوية، وأن تجاهل تحديات مثل “عمل الذكاء الاصطناعي الرديء” (AI workslop) والكسل ما وراء المعرفي قد يحوّل الفرص إلى إخفاقات ويجعل الذكاء الاصطناعي التوليدي “مغيّرًا سلبيًا لقواعد اللعبة” ما لم تُعالَج عبر إرشادات واضحة وبناء قدرات وتخصيص استراتيجي للموارد.
الدراسة (PDF)
المصدر: Computers and Education Open، المجلد 10 (2026)، رقم المقال 100381، الناشر Elsevier، DOI: 10.1016/j.caeo.2026.100381.