التقييم الأصيل المعتمد على الحاسوب في الهندسة: حالة الممارسة الجماعية

خلاصة الدراسة
تنطلق هذه الدراسة النوعية من نقد مركزي لممارسات التقييم التقليدية التي تركّز على المهارات المعرفية الدنيا، والتي لم تعُد تنسجم مع المعارف والممارسات الاجتماعية التي سيحتاجها الطلبة بوصفهم مهنيين في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي. ويشير الباحثان إلى أن كثيراً من التقييمات المدرسية تضع الطلبة في مواقف مبسّطة وغير واقعية، إذ يُتوقّع منهم العمل منفردين واستخدام موارد محدودة وحلّ مشكلات ذات إجابة واحدة ومسار حل واضح، فضلاً عن الحكم عليهم بسرعة الإنجاز. وقد فاقمت أنظمة مثل ChatGPT هذه الإشكالات لقدرتها على حساب الإجابات الصحيحة للمسائل المقيّدة، ما يثير أسئلة النزاهة الأكاديمية. ومن ثمّ يدعو البحث إلى إعادة تفكير جذرية في غرض التقييم وتصميمه وتنفيذه عبر توظيف أداة حاسوبية تُتيح تجربة تقييم أصيلة.
يقوم الإطار النظري على مفهومين متكاملين هما «الممارسة الجماعية» و«العوالم المتخيَّلة». فبالاستناد إلى نظرية الممارسة الاجتماعية عند مدينا وستاهل، تُبرز الدراسة الممارسة الجماعية بوصفها تفكيراً على المستوى الجمعي متمايزاً عن الممارسة الفردية، إذ يتحقق العمل ذو المعنى عبر «مستويات متشابكة من العمليات الفردية والمجموعاتية الصغيرة والمجتمعية». وتشير إلى أن نجاح الطلبة في المهام الأصيلة يعتمد بشدة على الممارسات الاجتماعية لمجموعاتهم؛ فالمجموعات الأقوى تتفاعل بنشاط مع الأفكار المتنافسة، بينما تتجاهل المجموعات الأضعف أفكار بعضها بعضاً، وقد تلجأ إلى استراتيجيات «فرّق تسُد» التي تحدّ من التفاعل وبناء المعرفة المشترك. أما إطار العوالم المتخيَّلة فيميّز بين «عالم المدرسة» الذي يعني فيه التعلّم غالباً الحصول على الإجابات الصحيحة باتباع طرائق مُعطاة، و«عالم الهندسة» الذي يتمحور فيه النشاط حول حل المشكلات ضمن قيود واقعية، حيث تُبنى هذه العوالم وتُصان عبر المشاركة والأدوات والمصنوعات المادية.
يبني هذا العمل على دراسة سابقة للباحثين حلّلت كمياً 117 مجموعة (381 طالباً) ووجدت أن الامتحان الجماعي نقل التركيز من المعرفة الإجرائية والمفاهيمية إلى صنع القرار الهندسي، لكنها لم تكشف العمليات التي تُتخذ بها تلك القرارات. ولسدّ هذه الفجوة تعتمد الدراسة الحالية تحليل التفاعل، وهو منهج نوعي يدرس كيفية تفاعل الأفراد بعضهم مع بعض ومع الأدوات في مواقف طبيعية عبر تسجيلات الفيديو، مرتكزاً على النظرية الاجتماعية-الثقافية والإثنومنهجية وتحليل المحادثة. وطرح الباحثان ثلاثة أسئلة بحثية عن مسارات الحل والموارد المستخدمة، والأدوار الاجتماعية وتأثيرها في المشاركة، وكيفية تأثير تأطير الطلبة وديناميات المجموعة في صنع القرار التشاركي.
صُمّمت مهمة التقييم بوضع الطلبة بوصفهم مجموعة هندسية تُحسّن عملية إنتاج في مصنع حلوى افتراضي، ضمن محاكاة Unity 3D تعمل في متصفحات الويب ببرمجية WebGL وتوظّف نموذجاً حركياً لتوليد بيانات المفاعلات مع ضوضاء عشوائية مضافة تُتيح الاستدلال الإحصائي إلى جانب الاستدلال العلمي. وكُلّف الطلبة بتحديد ثابت المعدل (k) لتفاعل السكر من بيانات تجريبية، ثم التوصية بزمن تشغيل لمفاعلَي تحلّل مائي. وعمل الطلبة في مجموعات من ثلاثة إلى خمسة أفراد، يجمع كل عضو بيانات مختلفة قليلاً بفعل الضوضاء، وتحتاج المجموعة إلى مراعاة مصدرَي تباين: بين المفاعلين، وبين الأعضاء الجامعين للبيانات. وأُطّرت المهمة عبر مذكّرة من نائب رئيس الهندسة مع «دليل معدّات»، وتطلّبت قرارات عدة تشمل الصيغة الرياضية واستراتيجية الحل وتقدير ثابت المعدل وحساب الزمن والتحليل الإحصائي للفروق بين المفاعلين.
أُجري الامتحان الجماعي في مقرر هندسي إلزامي بجامعة عمومية في شمال غرب المحيط الهادئ بالولايات المتحدة، في الأسبوع السادس من الفصل، خلال ربيع 2020 في نمط التعليم عن بُعد الطارئ بسبب جائحة كوفيد-19. وسُجّلت أربع مجموعات بالفيديو عبر Zoom على مدى امتحان دام ساعتين، وقد اختيرت لتوفّر توزيعاً في الأداء والتركيبة الديموغرافية. ونُسخت التسجيلات نسخاً حرفياً شمل الوقفات واستخدام الأدوات المادية، وجُمعت بيانات ثانوية شملت إجابات الامتحان ودرجة الامتحان النصفي الفردي المكوّن من 20 سؤالاً متعدد الخيارات (أُدّي في اليوم السابق) والنسبة المئوية لصحة إجابات نظام الاستجابة الجمهورية (ARS). وأُجري الترميز ببرنامج ATLAS.ti عبر تقطيع النصوص إلى حلقات، ثم تسجيل المحتوى، فجولتين من الترميز المفتوح والمحوري بالمقارنة المستمرة، ضمن فئات القرار والاجتماعي والعالم المتخيَّل، على مدى تعاون امتد ثلاث سنوات بين المؤلفَين.
أظهرت نتائج السؤال الأول أن المجموعات الأكثر نجاحاً (A وC) اتخذت مقاربات هندسية أكثر تطوّراً، فيما كانت المجموعة D الأقل تطوّراً. وشاركت المجموعات A وB وC قراراتها في آنٍ واحد وتنقّلت بين الموارد على شاشة Zoom، ولا سيما المجموعة B التي كانت تنتقل سريعاً بين عدة موارد، بينما نحت المجموعة D نحو صنع قرار متسلسل وشاركت موارد قليلة، واستخدمت مستند GoogleDoc غير المُشارَك على الشاشة للتحقق من الإجابات فرادى بدل الممارسات الاجتماعية المشتركة، فبدت مرآة لممارسات «عالم المدرسة» المنزلية. وكان أكثر الموارد المعرفية استحضاراً هو الخبرة الصفّية السابقة، إلى جانب ملاحظة بيانات المختبر الافتراضي، مع تراوح تأطير الطلبة بين توقّع انتظارات المعلمين (عالم المدرسة) والسِّياق الهندسي (عالم الهندسة).
وفي السؤال الثاني عن الأدوار الاجتماعية، رُصد نمطان للقيادة: نمط القائد الواحد (المجموعتان A وC) ونمط القيادة المزدوجة (المجموعتان B وD). وقاد آرون في A (4731 كلمة، 45% من الكلام) وكاليب في C (3439 كلمة، 53%) بأسلوب تشاركي يطرح أسئلة تأكيدية تُشرك الآخرين، وقد ارتبط نمط القائد الواحد بعالم الهندسة والقيادة المزدوجة بعالم المدرسة. وبلغ متوسط ما تكلّم به كل طالب 2312 كلمة (انحراف معياري 1545) عبر 198 دوراً (انحراف 107). وأسهم أربعة عشر طالباً إسهاماً واضحاً في تقدّم مجموعتهم، فيما لم يُسهم طالبان إسهاماً جوهرياً: تشِنشي في المجموعة C التي تكلّمت 124 كلمة فقط (24 دوراً) وبدا أن حاجزاً لغوياً حدّ من مشاركتها رغم كفاءتها في الاختبارات الفردية، وداليا في المجموعة D التي لم تُسهم بأفكار أصيلة رغم حصولها على أعلى درجة في الامتحان النصفي الفردي.
وفي السؤال الثالث، قدّم الباحثان حالتَي صنع قرار متقابلتين. ففي المجموعة A، تبنّى الطلبة أدوار مهندسي «عالم الهندسة» في قرار الفروق بين المفاعلين، إذ استخدموا أساليب إحصائية (فترات ثقة واختبار «ت» للأزواج) لتقرير ما إذا كان المفاعلان مختلفين، بعد أن مالت أنجيلا في البداية نحو مراسلة الطاقم التعليمي بحثاً عن توجيه («عالم المدرسة»)، لكنها انتهت إلى إسهام إحصائي عميق قادها إليه تأطير المجموعة. أما المجموعة B فغلب عليها تأطير «عالم المدرسة» والانشغال بمتطلبات التقييم، غير أنها أبدت استدلالاً هندسياً حين اقترح بيتو مراعاة تباين المفاعل في اختيار زمن الإنتاج بدل الاكتفاء بالتقدير النقطي؛ إلا أن ضيق الوقت المتبقّي في الامتحان دفع المجموعة في النهاية إلى الإبلاغ عن متوسط k بدل الحد الأدنى الأنسب لفترة الثقة. وقد كانت بيانات المجموعة B مستمدة من قيمتَين مختلفتين لثابت المعدل (k1=0.28 وk2=0.32)، ما كان يستدعي تحليلاً منهجياً أدقّ.
ويُولي الباحثان في قسم الموقعية والموثوقية اهتماماً بأثر خلفيتهما في التأويل؛ فالمؤلف الأول كان المدرّس الرئيس للمقرر ويقود برنامجاً بحثياً يوظّف الأدوات التقنية لتطوير أنظمة تعلّم تتحدّى الطلبة لدمج معارفهم وتوسيعها نحو مشكلات أكثر تعقيداً وواقعية، بينما تناولت المؤلفة الثانية البحث من منظور الطالبة والمساعِدة التدريسية في مجال العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات، بما شكّل تصوّراتها حول ديناميات القوة الجندرية وبيئات التعلّم المنصفة. وقد عمل المؤلفان طوال جمع البيانات وتحليلها على تقليص التحيّز وضمان جودة البحث عبر اجتماعات منتظمة على مدى ثلاث سنوات لمراجعة تسجيلات الفيديو والنصوص الحرفية، والترميز التعاوني، وكتابة المذكّرات التحليلية، وحلّ الخلافات بالرجوع إلى الفيديو الأصلي لمراعاة النبرة ولغة الجسد. وعلى صعيد الدلالات العملية، يرى الباحثان أن الأداة الحاسوبية أتاحت مهمة أصيلة تعكس السمات الاجتماعية-التقنية لعمل المهندسين، وأن التصميم الذي يُدمج فيه التباين العملياتي وتباين القياس وتعدّد مسارات الحل وفرص الحكم الهندسي يجعل التقييم أكثر أصالة من الامتحانات التقليدية، لكنه في المقابل يستدعي تفكيراً دقيقاً في مسائل العدالة والمساءلة الفردية.
يخلص الباحثان إلى أن الطلبة الأفراد يصبحون «متشابكين» في مقاربة المجموعة، بما يعني أن المجموعة ينبغي أن تكون وحدة تحليل أساسية في التقييمات الهندسية إلى جانب الفرد. وقد وفّرت الأداة الحاسوبية في الحالات المدروسة مهمة أصيلة أتاحت للطلبة إظهار هذه الممارسات الجماعية. غير أن ظهور طالبين لم يُسهما جوهرياً يثير مخاوف بشأن استخدام مثل هذه الامتحانات لأغراض منح الشهادات، إذ إن العمل الجماعي كثيراً ما لا يتيح تقييم الأفراد على نحو منفصل، ويولّد شعوراً لدى الطلبة بأن هذه المهام لا تعكس إسهام كلٍّ منهم بعدالة، خاصة مع مشكلات المشاركة غير المتكافئة و«التطفّل الاجتماعي». وتُبرز الدراسة أن التقييم الأصيل قد يحتاج إلى تجاوز الإسهامات المعزولة لكل فرد نحو مراعاة وحدة المجموعة، مع وعي الباحثين بأثر موقعيتهما وخلفيتهما في تأويل التفاعلات الاجتماعية للطلبة.
الدراسة (PDF)
المصدر: Computers and Education Open، المجلد 10 (2026)، رقم المقال 100379، الناشر Elsevier، DOI: 10.1016/j.caeo.2026.100379.