بلورة استعداد المعلمين قيد الإعداد لدمج الذكاء الاصطناعي في الممارسات التعليمية: مقاربة قائمة على نموذج تيباك الذكي (Intelligent-TPACK)

خلاصة الدراسة
تنطلق هذه الدراسة من إشكالية محورية مفادها أنّ المعلمين قيد الإعداد (pre-service teachers) يمثّلون فئةً حاسمةً في دمج الأدوات القائمة على الذكاء الاصطناعي داخل المشهد التعليمي المتجدّد، غير أنّهم كثيرًا ما يُهمَلون عند تطوير الأدوات والأطر المخصّصة لدمج الذكاء الاصطناعي. ويرصد الباحثون ثغرةً واضحةً في الأدبيات تتمثّل في غياب أدوات قياس مُتحقَّق من صدقها لهذه الفئة، وقصور تطبيق التصوّرات الحديثة مثل نموذج تيباك الذكي (iTPACK)، وضعف معالجة القضايا الأخلاقية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في سياق تدريب المعلمين. ومن ثمّ تسعى الدراسة إلى تكييف أداة قياس كانت قد صُمّمت أصلًا للمعلمين الممارسين (in-service teachers) بحيث تصبح صالحةً لقياس دمج المعلمين قيد الإعداد للذكاء الاصطناعي ضمن سياق تكوينهم، مع التحقّق من خصائصها السيكومترية في اللغة الإسبانية وفي سياق ثقافي مغاير هو السياق التشيلي.
يستند الإطار المفاهيمي للدراسة إلى المسار التطوّري لمعرفة المعلم، بدءًا من تمييز شولمان (Shulman) بين المعرفة بالمحتوى (CK) والمعرفة البيداغوجية (PK) والمعرفة البيداغوجية بالمحتوى (PCK)، مرورًا بنموذج تيباك (TPACK) لميشرا وكوهلر (Mishra & Koehler) الذي أضاف بُعد المعرفة التكنولوجية (TK)، وصولًا إلى نموذج تيباك الذكي الذي طوّره تشيليك (Celik). ويعيد هذا النموذج الأخير تعريف أبعاد تيباك في ضوء الذكاء الاصطناعي عبر خمسة عوامل هي: المعرفة التكنولوجية الذكية (iTK)، والمعرفة التكنولوجية البيداغوجية الذكية (iTPK)، والمعرفة التكنولوجية بالمحتوى الذكية (iTCK)، وتيباك الذكي (iTPACK)، إضافةً إلى بُعدٍ جديد هو الأخلاقيات (ETHICS) الذي يقيس تقييم المعلم للقرارات المرتبطة بأدوات الذكاء الاصطناعي من حيث الشفافية والعدالة والمساءلة والشمول. وتؤكّد الدراسة أنّ البُعد الأخلاقي بات لا يقلّ أهميةً عن المعرفة التكنولوجية والبيداغوجية عند فحص كفايات المعلمين في بيئة تعليمية توسّطها الذكاء الاصطناعي.
اعتمد الباحثون تصميمًا كميًّا مقطعيًّا (cross-sectional) قائمًا على استبانة مسحية مع تحليل عاملي توكيدي (CFA). وقد كُيِّفت أداة تشيليك أولًا بإعادة صياغة البنود الموجّهة للمعلمين الممارسين لتلائم ظروف المعلمين قيد الإعداد؛ فمثلًا حُوِّل البند الذي ينصّ على «يمكنني تولّي دور قيادي بين زملائي» إلى «يمكنني تولّي دور قيادي بين زملائي المستقبليين». ثم تُرجمت الأداة إلى الإسبانية عبر إجراء تكييف عبر ثقافي (cross-cultural adaptation) استعان بمترجمَين معتمدَين مستقلَّين، وجرت مقارنة النسختين وحلّ الاختلافات الطفيفة بالتشاور مع فريق البحث مع مراعاة السياق الثقافي التشيلي. وتألّفت النسخة الإسبانية النهائية من سبعة وعشرين بندًا موزّعةً على الأبعاد الخمسة للأداة الأصلية.
جُمعت البيانات إلكترونيًّا عبر نماذج غوغل من طلبة برامج إعداد المعلمين في إحدى عشرة جامعةً تشيليّة، واستكملت الاستبانة عيّنةٌ بلغت 366 معلمًا قيد الإعداد. وأظهر التوصيف الديموغرافي أنّ أكثرية المشاركين تراوحت أعمارهم بين 23 و30 عامًا (47.27%)، وأنّ 117 منهم عرّفوا أنفسهم رجالًا (31.97%) و238 نساءً (65.03%)، وأنّ الغالبية من طلبة السنوات المتقدّمة (61.20%) المسجّلين في مؤسسات تعليم عالٍ عمومية (68.58%) وفي برامج مرتبطة بتعليم العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات STEM (41.80%). وقد أُخضعت البيانات لتقديرَي الاحتمال الأقصى (MLE) وأقلّ المربّعات الموزونة المعدّلة للوسط والتباين (WLSMV)، وهو الأنسب للبيانات الرتبية كمقاييس ليكرت، كما جرى ضبط توزيع العوامل باختبار شابيرو-ويلك الذي دلّ على عدم اعتدالية التوزيعات لجميع المتغيّرات، ما استدعى استخدام تحليل التغاير اللامعلمي عبر اختبار كواد (Quade) للتحكّم في متغيّرات مثل العمر ومستوى التقدّم الأكاديمي.
كشفت نتائج التحليل العاملي التوكيدي عن مطابقةٍ عاليةٍ لنموذج تيباك الذكي عند تطبيقه على المعلمين قيد الإعداد. وقد استلزم تحسين المطابقة حذف ثلاثة بنود (البندان 6 و7 من عامل iTPK والبند 26 من عامل ETHICS) مع الحرص على ألّا يقلّ أيّ عامل عن ثلاثة بنود. وبعد التعديل ارتفعت مؤشّرات المطابقة على نحوٍ ملحوظ؛ فبلغ مؤشّر المطابقة المقارن الحصين (CFI) ومؤشّر تاكر-لويس الحصين (TLI) قيمة 0.997، وهي قيمٌ تتجاوز بوضوح العتبة الموصى بها البالغة 0.90. كما بلغ جذر متوسّط مربّع خطأ التقريب الحصين (RMSEA) قيمة 0.028 بفاصل ثقة 90% يمتدّ من 0.024 إلى 0.033، وبلغ جذر متوسّط مربّع البواقي المعياري (SRMR) قيمة 0.038، وكلاهما دون العتبات الحرجة. وتراوحت التشبّعات العاملية المعيارية بين 0.760 و0.914 وكانت جميعها دالّةً إحصائيًّا، ما يعكس تمثيلًا قويًّا للبنى الكامنة عبر بنودها. وقد تفوّق مقدِّر WLSMV على مقدِّر MLE في جميع المؤشّرات، مؤكّدًا ملاءمته لطبيعة بيانات ليكرت الرتبية.
وفيما يخصّ العلاقات بين عوامل النموذج، أظهرت معاملات الارتباط ارتباطاتٍ موجبةً دالّةً عند مستوى p أقلّ من .001؛ فبلغ الارتباط بين iTPK وiTPACK قيمة 0.827، وبين iTCK وiTPACK قيمة 0.833، وهي ارتباطاتٌ مرتفعة تتّسق مع الطبيعة التكاملية للبناء دون أن تبلغ حدّ التكرار العاملي. ويقارن الباحثون هذه القيم بأدبياتٍ سابقةٍ سجّلت ارتباطاتٍ أعلى، إذ أورد بعضها معاملاتٍ بلغت 0.871 بين iTK وiTPK، و0.936 بين iTPK وiTCK، و0.930 بين iTPK وiTPACK، و0.950 بين iTPACK والأخلاقيات؛ كما يذكّرون بأنّ تشيليك في سياقه الأصلي وجد أنّ عامل iTPACK فسّر 69% من التوليفة بين iTPK وiTCK والأخلاقيات، وأنّ iTK كان له أثرٌ موجبٌ في iTPK وiTCK دون أثرٍ دالٍّ في iTPACK. في المقابل، سجّل عامل المعرفة التكنولوجية الذكية (iTK) في هذه الدراسة أضعف ارتباطاته مع بقية العوامل إذ لم يتجاوز أعلاها 0.678، وبلغ ارتباطه بـتيباك الذكي 0.639 وبالأخلاقيات 0.533. ويفسّر الباحثون ذلك بأنّ المعرفة التكنولوجية لدى المعلمين قيد الإعداد ما تزال منفصلةً نسبيًّا عن المعرفة البيداغوجية والمحتوائية والأخلاقية، وأنّها لا تُترجَم بعدُ إلى مهاراتٍ أخلاقية-بيداغوجية لأنّهم لا يزالون في طور بناء معرفتهم المهنية خلال سنوات التكوين الأولى. ويلاحظون أيضًا أنّ عامل الأخلاقيات سجّل أعلى ارتباطٍ له مع تيباك الذكي وأدنى ارتباطٍ مع المعرفة التكنولوجية، ما يوحي بأنّ صنع القرار المسؤول حول أدوات الذكاء الاصطناعي يُعزَّز حين تُدمج فعليًّا في التعليم والتعلّم لا حين يُكتفى بخصائصها التقنية.
أمّا تحليل الفروق بين المجموعات فقد قدّم نتائج دقيقة. فلم تُرصد فروقٌ دالّةٌ تُعزى إلى الجنس بعد ضبط العمر، وهو ما يتّسق مع دراساتٍ سابقة رأت أنّ الجنس لم يعد فارقًا في كفايات دمج التكنولوجيا. في المقابل، تفوّق طلبة السنوات المتقدّمة (Upperclassmen، ن = 255) على طلبة السنوات الأولى (Underclassmen، ن = 111) في المعرفة التكنولوجية الذكية iTK (F = 5.18؛ p = .023) والمعرفة التكنولوجية البيداغوجية iTPK (F = 4.26؛ p = .040) والأخلاقيات ETHICS (F = 10.70؛ p = .001)، فيما كانت الفروق في iTCK وiTPACK هامشيةً لصالح الطلبة المتقدّمين. وعند المقارنة بحسب نوع المؤسسة أظهرت المؤسسات العمومية قيمًا أعلى في جميع العوامل، وبرز ذلك خصوصًا في عاملَي الأخلاقيات وتيباك الذكي (بلغ F في الأخلاقيات 35.38 وفي iTPACK 16.88)، غير أنّ هذه الفروق تلاشت بعد ضبط العمر والمستوى الأكاديمي.
وبالمثل، أظهر التخصّص أثرًا عامًّا في iTK فحسب (F(2, 363) = 3.90؛ p = .021) لصالح تخصّصات STEM على تخصّصات التعليم الابتدائي والطفولة المبكرة، لكنّ هذا الأثر اختفى بدوره بعد ضبط العمر والمستوى. كما لم تُسجَّل فروقٌ دالّةٌ تُعزى إلى الموقع الجغرافي (العاصمة مقابل الأقاليم) بعد ضبط المتغيّرات المصاحِبة، رغم أنّ تشيلي بلدٌ عالي المركزية إذ يعيش نحو 40% من سكّانه في العاصمة سانتياغو. وتخلص الدراسة من ذلك إلى أنّ النضج التربوي ومسار التقدّم المنهجي هما الأكثر تأثيرًا في تشكيل كفايات تيباك الذكي خلال المراحل الأولى من إعداد المعلمين، أكثر من العوامل السياقية أو التخصّصية، وأنّ الفروق الظاهرة أوّلًا بين المؤسسات والتخصّصات تُعزى في جانبٍ كبيرٍ منها إلى توزّع الأعمار بين المجموعات.
تنطوي هذه النتائج على دلالاتٍ نظريةٍ وتطبيقية مهمّة. فهي تؤكّد أوّلًا صلاحية نموذج تيباك الذكي بأبعاده الخمسة لدى المعلمين قيد الإعداد، وتوفّر أداةً كميّةً مُتحقَّقًا من صدقها باللغة الإسبانية لتقييم الكفايات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في برامج إعداد المعلمين. وتلفت إلى أنّ تعميق التفكير الأخلاقي يتنامى مع تقدّم الطالب في مساره، ما يرجّح أنّ الاستخدام المسؤول والقابل للمساءلة لأدوات الذكاء الاصطناعي يُعزَّز حين تُدمَج هذه الأدوات فعليًّا في التعليم والتعلّم لا حين يُكتفى بخصائصها التقنية. وتوصي الدراسة بتطوير المناهج على نحوٍ يردم الفجوة بين المعرفة التكنولوجية وبقية أبعاد المعرفة المهنية، وبتوفير الدعم للمعلمين قيد الإعداد لدمج تربية الذكاء الاصطناعي، مع الإقرار بأنّ المقارنة السليمة عبر السياقات الثقافية تتطلّب شروطًا بحثيةً متماثلةً من حيث المناهج والأطر. وبذلك تسدّ الدراسة ثغراتٍ مفاهيميةً وإحصائيةً في آنٍ معًا في حقلٍ ما يزال ناشئًا.
الدراسة (PDF)
المصدر: Computers and Education Open، المجلد 10 (2026)، رقم المقال 100320، الناشر Elsevier، DOI: 10.1016/j.caeo.2025.100320.