راقمون

دراسات وأوراق علمية

كيف يُكوّن طلبة الجامعات خبرات التدفّق في بيئة تعلّم مدعومة بالمحاكاة الافتراضية القائمة على الواقع الافتراضي

8 يوليو، 2026
اسم المجلةComputers and Education Open
المجلد10
الصفحات100384
تاريخ النشر1 يونيو 2026

خلاصة الدراسة

تنطلق هذه الدراسة من إشكالية محورية في التحوّل الرقمي للتعليم العالي الصيني، وهي كيفية توظيف تقنية الواقع الافتراضي (VR) لتعزيز خبرات التدفّق (Flow Experiences) لدى طلبة الجامعات بوصفها حالة نفسية مثلى تُحسّن الانغماس والفهم والمخرجات التعليمية. ويشير الباحثون إلى أنّ الحكومة الصينية دعمت منذ عام 2013 إنشاء مراكز وطنية للتعليم التجريبي القائم على الواقع الافتراضي، ثمّ أكّدت في تقرير عام 2024 على ضرورة “التطوير القوي للتعليم الرقمي”، ما يجعل الاستفادة من مزايا الواقع الافتراضي مهمّة جوهرية في الإصلاح الرقمي للتعليم. وتهدف الدراسة إلى استكشاف الآلية المُحفِّزة وقواعد تشكّل خبرة التدفّق لدى الطلبة أثناء أنشطة التعلّم في بيئات الواقع الافتراضي، من خلال إعادة تصوّر مقدّمات التدفّق باعتبارها تفاعلات علائقية لا متغيّرات مستقلّة.

وتُبرز مراجعة الأدبيات في الدراسة أنّ دور التدفّق في التعليم بالواقع الافتراضي يتجاوز مجرّد جعل التعلّم مُمتعًا؛ إذ يُشكّل من خلال آليات نفسية معقّدة دافعية المتعلّمين وعملياتهم المعرفية ومخرجاتهم النهائية. فخبرة التدفّق تعزّز دافعية التعلّم والمشاركة وتقود إلى تحوّل من الحفظ السطحي إلى الفهم العميق، كما تُخفّض الحمل المعرفي وتُحسّن كفاءة التعلّم حين تكون بيئة الواقع الافتراضي مُصمَّمة جيّدًا، فتُتيح للمتعلّم تصفية المشتّتات وتركيز موارده المعرفية المحدودة على المهامّ الجوهرية. ويشير الباحثون إلى أنّ التدفّق يُصنَّف عمومًا في ثلاث مراحل هي مقدّمات التدفّق (كوضوح الأهداف والتغذية الراجعة الفورية والتحكّم الكامن واندماج الفعل والوعي)، وخبرة التدفّق (كالتركيز وفقدان الوعي بالذات وتشوّه الزمن والحضور عن بُعد)، ونتائج التدفّق (كالانفعالات الإيجابية والخبرات ذاتية الغاية). ويُعزى تنامي الاهتمام بمقدّمات التدفّق إلى أهمّيتها في تفسير مكوّنات الخبرة المثلى ودمجها في تصميم التفاعل بين الإنسان والحاسوب، وهو ما يجعل نموذج PAT الإطار النظري الأبرز لاستكشاف أسباب التدفّق في مجالات متنوّعة كالتصميم الصناعي والتعليم الطبّي.

يستند الإطار النظري للدراسة إلى نموذج الشخص–المُصنَع–المهمّة (Person–Artifact–Task) الذي طرحه فينيران وتشانغ عام 2003، والذي يفترض أنّ خبرة التدفّق تتأثّر بثلاثة عناصر هي الشخص والمُصنَع (الأداة) والمهمّة، وبالتفاعلات القائمة بينها. وعلى هذا الأساس اختار الباحثون ثلاث مقدّمات للتدفّق: الإعداد المعرفي التقني (TKP) الذي يمثّل التفاعل بين الشخص والأداة، والمنفعة المُدرَكة (PU) التي تمثّل التفاعل بين المهمّة والأداة استنادًا إلى نموذج ديفيس لتقبّل التقنية، والإحساس بالتحكّم في المهمّة (SoTC) الذي يمثّل التفاعل بين الشخص والمهمّة بوصفه تجليًا للكفاءة الذاتية. وصاغت الدراسة ثلاثة أسئلة بحثية وثلاث فرضيات تفترض جميعها أنّ كل مقدّمة من هذه المقدّمات تمارس تأثيرًا تنبّؤيًا إيجابيًا دالًّا في خبرة التدفّق.

اعتمدت الدراسة منهجًا كمّيًا قائمًا على مسح استبياني وُزّع على طلبة البكالوريوس في جامعة تطبيقية المنحى بمقاطعة شنشي، وهو ما يميّزها عن الدراسات الصينية السابقة التي ركّزت على جامعات مشروعَي 211 و985. وكان المشاركون طلبة تخصّص الوسائط الرقمية المسجّلين في مقرّر “إنتاج الرسوم المتحرّكة” الذي دُرّس بالاعتماد على الواقع الافتراضي المكتبي المطوَّر ببرمجية Unity3D، حيث نفّذوا مهامّ إنتاج رسوم متحرّكة موجّهة لتعلّم مبادئ حركة الرسوم المتحرّكة. وجُمعت 164 استجابة صالحة بعد الحصول على الموافقة المستنيرة من الطلبة ومن الإدارة التعليمية، مع الالتزام بالمعايير الأخلاقية. وكشفت الخصائص الديموغرافية أنّ العيّنة تكوّنت في أغلبها من الإناث بواقع 107 طالبات (65.2%) مقابل 57 طالبًا (34.8%)، وبتوزّع متوازن بين طلبة السنة الثانية (52) والثالثة (58) والرابعة (54)، فيما أفاد 93 طالبًا (56.7%) بامتلاكهم خبرة سابقة في استخدام برمجيات الواقع الافتراضي مقابل 71 (43.3%) بلا خبرة.

طوّر الباحثون مقياس PAT اعتمادًا على أعمال يوشيدا وميوتر، وتضمّن في صورته الأولية ثلاثة أبعاد بإجمالي 16 عبارة (TKP بستّ عبارات، PU بأربع، SoTC بستّ). وبعد إجراء التحليل العاملي الاستكشافي عبر SPSS 19.0 حُذفت ستّ عبارات ذات تشبّعات عاملية أقلّ من 0.5، فتبقّت 10 عبارات للتحليل. وأكّدت الحسابات قيم متوسّط التباين المستخلص (AVE) البالغة 0.614 و0.641 و0.629 لأبعاد PU وSoTC وTKP على التوالي، وقيم الثبات المركّب (CR) البالغة 0.864 و0.843 و0.836. كما أظهر التحليل العاملي التوكيدي عبر AMOS 21.0 مؤشّرات مطابقة جيّدة (CMIN/DF=1.062، RMSEA=0.019، CFI=0.997). أمّا مقياس خبرة التدفّق فقد جرى تبسيطه إلى ثلاث عبارات بعد استخلاص عامل واحد، بقيمتَي AVE 0.764 وCR 0.907، وقُيّست جميع العبارات على مقياس ليكرت الخماسي.

أظهرت نتائج الإحصاء الوصفي أنّ مستوى خبرة التدفّق لدى الطلبة كان دون المستوى الأمثل وبحاجة إلى تحسين، إذ بلغ متوسّط TKP نحو 3.86 وPU نحو 3.97، بينما سجّل SoTC أدنى المتوسّطات عند 3.28، وبلغت خبرة التدفّق FE نحو 3.71. وكشفت اختبارات (ت) للعيّنات المستقلّة فروقًا دالّة بين الجنسين لصالح الذكور في TKP (4.07 مقابل 3.75، ت=3.347) وSoTC (3.66 مقابل 3.08، ت=4.889) وFE (3.87 مقابل 3.63، ت=2.225)، في حين لم تظهر فروق دالّة في PU. ولم تُحدث الخبرة السابقة في استخدام برمجيات الواقع الافتراضي أثرًا دالًّا في أداء المتغيّرات، كما لم تُظهر نتائج تحليل التباين الأحادي فروقًا دالّة تُعزى إلى السنة الدراسية.

أمّا تحليل الفرضيات عبر نمذجة المعادلة البنائية فقد بيّن أنّ نموذج القياس تمتّع بمطابقة مُرضية (CMIN/DF=1.066، RMSEA=0.020، CFI=0.996). وأظهر تحليل المسارات أنّ التأثير الوحيد الدالّ إحصائيًا كان تأثير المنفعة المُدرَكة PU في خبرة التدفّق (التقدير=0.799، النسبة الحرجة=6.514، دالّ عند مستوى مرتفع)، ومن ثمّ قُبلت الفرضية الثانية. أمّا الإعداد المعرفي التقني TKP (التقدير=0.231، p=0.077) والإحساس بالتحكّم في المهمّة SoTC (التقدير=0.210، p=0.049) فقد مارسا تأثيرًا إيجابيًا لم يبلغ عتبة الدلالة المطلوبة، فرُفضت الفرضيتان الأولى والثالثة. وبلغ معامل التحديد R² قيمة 0.693، أي أنّ نحو 30.7% من تباين التدفّق ظلّ غير مفسَّر.

وأضاف تحليل المجموعات المتعدّدة أبعادًا دقيقة؛ فقد تبيّن أنّ الإعداد المعرفي التقني TKP مارس تأثيرًا تنبّؤيًا إيجابيًا دالًّا في خبرة التدفّق لدى مجموعة الطلبة ذوي الخبرة السابقة في استخدام الواقع الافتراضي (التقدير=0.362) رغم انعدام دلالته في العيّنة الكلّية. كما كشف التحليل أنّ الإحساس بالتحكّم في المهمّة لدى الذكور مارس أثرًا سلبيًا ضعيفًا غير دالّ في خبرة التدفّق، في حين مارس أثرًا إيجابيًا دالًّا لدى الإناث، وهو ما فسّره الباحثون في ضوء رؤية تشيكسنتميهاي القائلة إنّ ارتفاع المهارة مع انخفاض صعوبة المهمّة قد يولّد الملل. وأشار الباحثون كذلك إلى وجود تحيّز الطريقة المشتركة، إذ فسّر العامل الأوّل 41.36% من التباين متجاوزًا العتبة التجريبية البالغة 40%، مع نسبة تباين تراكمية بلغت 68.54% في مقياس PAT.

خلص الباحثون إلى أنّ المنفعة المُدرَكة هي المقدّمة الرئيسة المؤثّرة في تشكّل خبرة التدفّق لدى طلبة الجامعات المحلّية في سياقات الواقع الافتراضي، وأنّ الطلبة يُعنون بالمنفعة أكثر من عنايتهم بالإحساس بالتحكّم، وأنّ الدمج العميق بين تقنية المعلومات ومحتوى المقرّر أهمّ لتشكّل التدفّق من مجرّد الموازنة بين صعوبة المهمّة وقدرة المتعلّم. وقدّموا توصيات عملية أبرزها تعزيز المنفعة المُدرَكة عبر خفض تعقيد بيئات الواقع الافتراضي وتصميم واجهات واضحة ومنطق تفاعل بديهي، وتحقيق “الأصالة الموقفية” التي تحاكي بيئات العمل الواقعية بدل الواقعية الرسومية المحضة، ودمج خوارزمية التعديل الديناميكي للصعوبة (DDA)، وتقوية المعرفة التقنية لدى الإناث. كما دعوا إلى التوظيف الرشيد للألعاب القائمة على الواقع الافتراضي مع ربطها بأهداف المنهج وتوفير تغذية راجعة فورية ومستويات محاكاة مناسبة.

وأقرّ الباحثون بجملة من المحدّدات، منها اقتصار العيّنة على مؤسّسة واحدة ومنطقة محدّدة وصغر حجمها نسبيًا ما يقلّل من إمكانية التعميم والقدرة الإحصائية، واعتماد الدراسة على الواقع الافتراضي المكتبي دون الغامر، والاعتماد على الاستبيانات ذاتية التقرير مع احتمال التحيّز نحو الإجابات المرغوبة اجتماعيًا، واستخدام العيّنة نفسها في التحليلين الاستكشافي والتوكيدي ما قد يضخّم المطابقة، وتبسيط مقياس التدفّق إلى ثلاث عبارات لا تعكس تمامًا طبيعته متعدّدة الأبعاد، إضافةً إلى التصميم المقطعي العرضي الذي يحدّ من استنتاج العلاقات السببية. واقترحوا لأبحاث المستقبل توسيع العيّنة لتشمل مقاطعات متعدّدة، والجمع بين المقابلات النوعية والمسوح الكمّية، وتعزيز تحليل الأثر غير الخطّي، ودمج نظريات السلوك التنظيمي وتقرير الذات لبناء إطار نظري أكثر شمولًا.

الدراسة (PDF)

تحميل / فتح الملف (PDF)

المصدر: Computers and Education Open، المجلد 10 (2026)، رقم المقال 100384، الناشر Elsevier، DOI: 10.1016/j.caeo.2026.100384.

Scroll to Top