الدافعية لتشكيل مستقبل التعليم بالذكاء الاصطناعي: مقارنة دولية بين سويسرا والصين

خلاصة الدراسة
تتناول هذه الدراسة دافعية اختيار مهنة التدريس في زمن التحول الرقمي، منطلقةً من أن التقنيات الرقمية والتقدّم الأخير في الذكاء الاصطناعي (AI) يُعيدان تشكيل بيئات التعليم، ما يجعل فهم دوافع الطلاب المعلمين أمرًا حاسمًا لتطوير برامج إعداد المعلمين. وتسعى الدراسة إلى تحقيق التحقق عبر الثقافي من مقياس (D)FIT-Choice، أي “العوامل الرقمية المؤثرة في اختيار التدريس”، وفحص الفروق الدافعية بين الطلاب المعلمين في سويسرا والصين. وينبني هذا المقياس على نظرية التوقّع-القيمة (Expectancy Value Theory)، ويوسّع نموذج FIT-Choice التقليدي بإضافة بنود تتصل باستخدام التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي في التعليم، بهدف تقييم مدى مراعاة الطلاب المعلمين للتحولات الرقمية حين يقرّرون الالتحاق بالمهنة.
خلافًا للدراسات التي تركّز على نظريات الدافعية العامة كنظرية تقرير الذات، تركّز هذه الدراسة على دافعية اختيار المهنة تحديدًا، وتقارن بين سياقين متباينين بوضوح: سويسرا والصين، اللذين يختلفان في التوجهات القيمية الثقافية (كالفردية-الجماعية ومسافة السلطة)، وفي بنية أنظمتهما التعليمية وحوكمتها، وفي وتيرة رقمنة التعليم ودمج الذكاء الاصطناعي وسياساته. واستعانت الدراسة بأبعاد هوفستيد الثقافية لتأطير المقارنة؛ إذ تسجّل سويسرا انخفاضًا في مسافة السلطة وارتفاعًا في الفردية، بينما تعكس الصين مسافة سلطة عالية وفردية منخفضة تشير إلى مجتمع أكثر هرمية وجماعية. وصيغ سؤالان بحثيان: هل مقياس (D)FIT-Choice أداة صالحة وموثوقة عبر السياقات الثقافية المختلفة؟ وهل توجد فروق بين الطلاب المعلمين الصينيين والسويسريين استنادًا إلى المقياس؟
تكوّنت العيّنة من 416 طالبًا معلّمًا، بواقع 183 من سويسرا (44%) و233 من الصين (56%)، وبلغ معدّل الاستجابة 65% في سويسرا و71% في الصين. وجُمعت البيانات بين عامي 2023 و2024 في مؤسّستين بكل بلد، وكانت المشاركة طوعية وغير مدفوعة الأجر. وبسبب تعذّر وصول الطلاب الصينيين إلى منصّة LimeSurvey المستخدمة في سويسرا، استُضيفت الاستبانة الصينية على منصّة التعلّم الخاصة بدراستهم. وقد طُوّر المقياس أصلًا بالألمانية ثم تُرجم إلى الإنجليزية عبر ترجمة أمامية أجراها باحث ثنائي اللغة، تلتها مراجعة خبراء في إعداد المعلمين بالصين لتقييم التكافؤ الدلالي والاصطلاحي والخبراتي والمفاهيمي، دون إجراء ترجمة عكسية رسمية، اعتمادًا على التحقق الخبراتي التكراري.
أُجري التحليل باستخدام برنامجَي jamovi (الإصدار 2.3.28) وR (الإصدار 4.3.2). فحُسبت الموثوقية عبر ألفا كرونباخ وأوميغا مكدونالد بعتبة 0.7، وأُجري التحليل العاملي التوكيدي (CFA) واختبارات ثبات القياس (التكويني configural، والمتري metric، والقياسي scalar) بمعيار فرق CFI أقل من أو يساوي 0.01، باستخدام مكتبة lavaan وطريقة الأرجحية القصوى. وعوملت بنود التمايز الدلالي السباعية بوصفها مؤشرات متصلة. ثم أُجريت مقارنات عبر اختبارات t للعيّنات المستقلة (مع استخدام اختبار ويلش عند انتهاك تجانس التباين وفق اختبار ليفين)، وحُسبت أحجام الأثر عبر d كوهين بعتبات 0.2 للصغير و0.5 للمتوسط و0.8 للكبير.
أظهرت نتائج الموثوقية اتساقًا داخليًا جيدًا إلى ممتاز لمعظم العوامل، إذ حقّق كثير منها قيم ألفا وأوميغا أعلى من 0.80، ومنها الخبرات التعليمية السابقة والكفاءة الرقمية التعليمية المُدرَكة والذكاء الاصطناعي والرضا. غير أن بعض العوامل أظهرت موثوقية أدنى، كالمهنة البديلة (FC) وقابلية نقل الوظيفة (JT) لدى الصينيين، والقيمة الجوهرية للتدريس (IVT) والقيمة الجوهرية للمادة (IVS) والإثناء الاجتماعي (SD) لدى السويسريين. أما اختبارات ثبات القياس فكشفت أن القيمة الجوهرية (Intrinsic Value) هي العامل الوحيد الذي حقّق الثبات المتري الكامل (ΔCFI = -0.002) لكنه أخفق في الثبات القياسي (ΔCFI = -0.046)، ما حال دون مقارنات t تامة الصلاحية؛ بينما أخفقت عوامل مثل التأثيرات التنشئوية والقيمة النفعية الشخصية وعائد المهمة على المستوى التكويني، وأسهمت العيّنة الصينية باستمرار في سوء المطابقة، ما يشير إلى فروق ثقافية في إدراك هذه البنى.
كشفت اختبارات t عن فروق معنوية بين المجموعتين في 19 عاملًا من أصل 23. فعلى صعيد القيمة النفعية الاجتماعية، سجّل الطلاب السويسريون درجات أعلى بأحجام أثر كبيرة في تعزيز العدالة الاجتماعية (d = 1.234)، والإسهام الاجتماعي (d = 1.478)، وتشكيل مستقبل الأطفال والمراهقين (d = 1.747)، والعمل مع الأطفال والمراهقين (d = 1.229). كما تفوّق السويسريون في القيمة الجوهرية للتدريس (IVT: متوسط 6.48 مقابل 5.77، d = 0.944) والقيمة الجوهرية للمادة (IVS: d = 0.937)، وفي إدراك المهنة عالية الطلب (HD: d = 0.992) والمهنة الخبيرة (EC: d = 0.550). وكان الرضا عن اختيار المهنة أعلى بوضوح لدى السويسريين (متوسط 6.18 مقابل 3.94، d = 1.795).
في المقابل، سجّل الطلاب الصينيون درجات أعلى بدلالة معنوية في الكفاءة الرقمية التعليمية المُدرَكة (PDTC: متوسط 4.19 للسويسريين مقابل 5.26 للصينيين، d = -0.820) بحجم أثر كبير، مع عدم وجود فرق معنوي في القدرات التعليمية العامة المُدرَكة (PTA: p = 0.186). كما أبدى الصينيون حماسًا أكبر لدمج الذكاء الاصطناعي في التعليم (AI: متوسط 4.03 للسويسريين مقابل 4.47 للصينيين، d = -0.279) وإن بحجم أثر صغير، بينما لم يظهر فرق معنوي في عامل الإسهام في التحول الرقمي (CDT: p = 0.328). ويفسّر الباحثون التفوّق الصيني في الكفاءة الرقمية بالتعرّض المكثّف للتقنية عبر مبادرات وطنية، مثل “خطة العشر سنوات لتطوير معلوماتية التعليم” المطبَّقة منذ 2011، مقارنةً بمنهج Lehrplan21 السويسري الذي بدأ تطبيقه عام 2017، فضلًا عن الانتشار الواسع للمنتجات عالية التقنية كأنظمة الدفع عبر الهاتف في الصين.
يوضّح البحث اختلاف دخول التقنيات الرقمية إلى الصف بين البلدين؛ فسويسرا تتبع نظامًا اتحاديًا شديد اللامركزية تختلف فيه المناهج بين الكانتونات، وقد تبنّت زيورخ منهج Lehrplan 21 الذي يجعل الإعلام وعلوم الحاسب مادةً عابرة للمنهج دون أن يفرد منهجًا خاصًا بالذكاء الاصطناعي بعد. أما الصين فتتبع بنية أكثر مركزية مع فوارق بين البرّ الرئيس وهونغ كونغ بحكم سياسة “بلد واحد ونظامان”، وقد تصدّرت مشهد تعليم الذكاء الاصطناعي في مراحل التعليم العام؛ إذ أصدر مكتب التعليم في هونغ كونغ مناهج للتفكير الحوسبي والذكاء الاصطناعي لطلاب الابتدائي والثانوي منذ يوليو 2023، وأصدرت وزارة التعليم في فبراير 2024 توجيهًا لتعزيز محو أمية الذكاء الاصطناعي يتدرّج من الاستكشاف في المرحلة الابتدائية الأولى إلى الفهم والتطبيق ثم إنشاء المشاريع في الثانوية. وتذكّر الدراسة بمؤشرات معبّرة، كتصدّر سويسرا مؤشر الابتكار العالمي أربعة عشر عامًا متتاليًا بدرجة 67.5 مقابل حلول الصين في المرتبة الحادية عشرة بدرجة 56.3.
وتضع الدراسة نتائجها في سياق دراسات مقارنة سابقة أظهرت تشابه الدوافع بين بلدان أوروبية مثل سويسرا وألمانيا، وبروز فروق أكبر عند مقارنة سياقات شديدة الاختلاف؛ فقد أبلغ الطلاب المعلمون في الولايات المتحدة عن دوافع أعلى من القيم النفعية الاجتماعية والقدرات التعليمية والقيمة الجوهرية مقارنةً بنظرائهم الصينيين الذين أبلغوا عن مستويات أعلى من “المهنة البديلة”. وفي الحالة الصينية تحديدًا، تبرز العوامل الاجتماعية-الثقافية بوصفها مؤثرات خارجية رئيسة؛ إذ شجّعت التقاليد الأبوية وسياسات التقسيم الطبقي الأفراد على التدريس، فيما أسهمت التوقعات الأبوية أحيانًا في إضعاف الدافعية. كما يفسّر الباحثون تدنّي إدراك الطلاب الصينيين لطلب المهمة (HD) وحاجتها إلى خبرة (EC) بسهولة الحصول على شهادة التدريس في البرّ الرئيس عبر اختبار ومقابلة دون خبرة سابقة أو تدريب، وبارتفاع عائد المهمة في مدن كشنجن وهونغ كونغ حيث تبلغ رواتب المعلمين ثلاثة إلى أربعة أضعاف متوسط الدخل المحلي مع استقرار وظيفي مرتفع.
تخلص الدراسة إلى أنها تقدّم تحققًا جزئيًا من مقياس (D)FIT-Choice؛ فبعض العوامل عالية الرتبة أظهرت اتساقًا داخليًا مقبولًا إلى قوي، لكن بقيت محدودية في مطابقة النموذج لبعض العوامل، ما يستدعي مزيدًا من التنقيح لضمان القابلية للتطبيق عبر الثقافات. وتشير إلى أن تركيز الطلاب السويسريين على التحقق الذاتي والإسهام الاجتماعي قد يرتبط بثقافة فردية تُعلي قيم النمو الشخصي والانخراط المدني، بينما ترتبط الكفاءة الرقمية العالية والحماس للذكاء الاصطناعي لدى الصينيين بالاستراتيجيات التعليمية الوطنية والبنى التحتية التقنية طويلة الأمد. وتؤكّد الدراسة، مع دعوتها إلى تفسير النتائج بحذر بسبب حدود ثبات القياس واحتمال تحيّز الاختيار الذاتي، أهمية تكييف برامج إعداد المعلمين مع السياقات المحلية لتهيئة معلمي المستقبل للمشاركة الفاعلة في التحول الرقمي للتعليم.
الدراسة (PDF)
المصدر: Computers and Education Open، المجلد 10 (2026)، رقم المقال 100327، الناشر Elsevier، DOI: 10.1016/j.caeo.2025.100327.