راقمون

دراسات وأوراق علمية

إعادة تصوّر المواطنة الرقمية عبر النُظُم البيئية لما بعد الرقمية: حوار متعدد الأصوات عبر السياقات

8 يوليو، 2026
اسم المجلةComputers and Education Open
المجلد10
الصفحات100380
تاريخ النشر19 مايو 2026

خلاصة الدراسة

تنطلق هذه الدراسة من إشكالية محورية مفادها أنّ المفاهيم التقليدية للمواطنة الرقمية، التي طالما ركّزت على الكفايات الفردية والاستخدام الآمن والأخلاقي والمسؤول للتكنولوجيا، لم تعد كافية لفهم كيفية عيش المواطنة وممارستها وتعليمها في عالم تتداخل فيه الفضاءات الرقمية والمادية والاجتماعية تداخلاً لا انفصام له. وتنبثق الدراسة من عمل مجموعة العمل الموضوعية التاسعة ضمن ملتقى EDUSummIT 2025 الذي عُقد في دبلن، وقد جمع باحثين ومعلّمين وصانعي سياسات من سياقات أكاديمية وثقافية وجغرافية-سياسية متنوّعة لاستكشاف المواطنة الرقمية. أمّا السؤال البحثي المركزي الذي يوجّه العمل فهو: كيف يدعونا التفكير في النُظُم البيئية لما بعد الرقمية إلى إعادة تصوّر المواطنة عبر التعليم؟ ولا يسعى البحث إلى تقديم نموذج موحّد للمواطنة الرقمية في التعليم، بل إلى استخلاص رؤى نابعة من تعدّدية الوقائع في حقبة ما بعد الرقمية، لصالح المعلّمين والمتعلّمين والطلبة على حدّ سواء، بحيث يُعاد تأطير المواطنة بوصفها ممارسة ديناميّة متفاوَضًا عليها ضمن تشابكات ما بعد الرقمية.

ويقوم الإطار المفاهيمي للدراسة على مفهوم النُظُم البيئية لما بعد الرقمية، وهي بيئات سوسيوتقنية متشابكة تتشارك فيها الفضاءات المتصلة وغير المتصلة والمصنوعات والبُنى التحتية في تشكيل الحياة الاجتماعية والتعلّم وصناعة المعنى وعلاقات القوة. ويرى الباحثون أنّ هذه النُظُم تُعيد تكوين الطريقة التي تُختبَر بها المواطنة وتُمارَس، طارحةً أسئلة نقدية حول الفاعلية والمشاركة والموقعية والعدالة. وتتّكئ الدراسة على منظور ما بعد الرقمية الذي يرفض الفهم الأداتي والحتمي للتكنولوجيا، ويُبرز دورها التكويني المشترك في تشكيل السلوكات والقيم والفاعلية الإنسانية في البيئات المادية والرقمية معًا، كما يستجوب بُنى القوة الخفية الكامنة وراء المنصنة والمراقبة والتحويل إلى بيانات. ومن هذا المنظور، تُفهَم المواطنة الرقمية بوصفها ممارسة موقعية تقع عند تقاطع الفاعلية الفردية والحياة المجتمعية والعوامل السياقية والموقعية التاريخية، وهي ممارسة مُتوسَّطة ثقافيًّا وسياسيًّا لا مُعرَّفة تعريفًا كونيًّا واحدًا.

اعتمد الباحثون منهجيّة الحوار متعدد الأصوات (polylogue) بوصفها شكلاً وطريقةً في آن، بالاقتران مع أنطولوجيا ما بعد رقمية وإبستمولوجيا بنائيّة تُبنى فيها المعرفة تشاركيًّا عبر التفاعل الحواري في سياقات مُتوسَّطة رقميًّا. ولم يكن الهدف من الحوار بلوغ إجماع، بل تنمية التعدّدية ومعاملة الاختلاف والتناقض والجدل بوصفها موارد معرفيّة مُنتِجة. اتّبع اختيار المشاركين مقاربة تجمع بين العيّنة الميسّرة والقصدية من شبكة المجموعة الدولية، وقد تنوّع المشاركون عبر التخصّصات والسياقات الثقافية والأنظمة التعليمية. وتوزّعت الأدوار المنهجيّة بين مؤلِّف منسّق، ومؤلِّف مُراجِع، وأربعة أعضاء في فريق التأطير، وخمسة مُجيبين. وقد تولّى المؤلّف المنسّق تيسير التواصل وضمان الاتّساق المنهجي والإشراف على تركيب البيانات، فيما راقب المؤلّف المُراجِع شفافية العملية في كل مرحلة، وصاغ فريق التأطير السقالة المفاهيمية وحسّن أسئلة البحث الموجِّهة.

على صعيد جمع البيانات، وزّع المؤلّف المنسّق أربعة أسئلة مفتوحة على المُجيبين الذين كتبوا إجاباتهم بصورة فردية دون الاطّلاع على نصوص الآخرين، منعًا للتقارب المبكّر ودعمًا لصناعة المعنى المستقلّة. وتناولت الأسئلة كيفية تشكيل السياقات المحلية لتعليم مواطنة ما بعد الرقمية، والتوتّرات القائمة بين النُظُم الرقمية وهذا التعليم، وكيفية دعوة النُظُم الرقمية إلى إعادة تصوّر المواطنة، ومعنى إعداد المواطنين في عالم ما بعد رقمي. وبعد التسليمات الأولية، جرى إخفاء هويّة الإجابات ومراجعتها مُعمّاةً من فريق التأطير والمؤلّف المُراجِع من أجل الوضوح والاتّساق والانسجام المفاهيمي، ثم نقّح المُجيبون نصوصهم قبل أن يُعيد المنسّق كشف الهويّات للتحليل الجماعي. واتّبع التحليل مبادئ التحليل الموضوعي التأمّلي بمزج الاستراتيجيّات الاستنباطية والاستقرائية، إذ استُخدمت أربعة رموز عليا مشتركة (المواطنة الرقمية، ما بعد الرقمية، مواطنة ما بعد الرقمية، النظام البيئي التعليمي لما بعد الرقمية)، فيما انبثق أحد عشر رمزًا إضافيًّا عبر الترميز المفتوح، ثم تبيّن أنّ جميعها ينتظم ضمن ثلاث عدسات تحليلية كبرى: التوتّرات، والفرص، وسُبُل المضيّ قدمًا. وضمانًا للموثوقية، أُجري التحقّق مع الأعضاء، وأُرشِفت القرارات ونسخ الوثائق في مساحة عمل رقمية مشتركة، ووُثِّقت المذكّرات التأمّلية.

كشفت النتائج ضمن عدسة التوتّرات عن جملة من الاحتكاكات البنيوية. فقد لاحظ المُجيبون أنّ السياسات المنظّمة لتعليم المواطنة الرقمية كثيرًا ما لا تعكس الظروف السوسيوتقنية التي تُشكّل الحياة المدنية الفعلية للطلبة، وأنّ الاستجابات السياسية التفاعلية مثل حظر الهواتف المحمولة تتجاوز السؤال الجوهري عن كيفية تعليم الشباب استخدام هذه الأجهزة من أجل المشاركة الأخلاقية وبناء المجتمع والانخراط المدني. كما برزت توتّرات مرتبطة بضعف الوضع المنهجي للمواطنة الرقمية في المناهج، إذ أشار المُجيب إيمون إلى أنّها ليست مادة أساسية في أيرلندا وتوجد ضمن نظام يعطي الأولوية للمواد المرتبطة بالامتحانات النهائية عالية المخاطر. وأبرزت المُجيبة ميغان الفجوة بين تأطيرات المناهج والوقائع المعيشة للشباب في بيئات تحرّكها المنصّات. وأضيفت توتّرات القدرة المهنية والمؤسسية، إذ نادرًا ما تُواكب هياكل التعلّم المهني وتيرة التغيّر في النُظُم الرقمية، مع أعباء عمل ثقيلة للمعلّمين. وامتدّت التوتّرات إلى الفاعلية والمشاركة والتعلّم مدى الحياة، وإلى الإنصاف والفوارق الرقمية التي عمّقتها جائحة كوفيد-19، وإلى مفارقة التكنولوجيا واستدامتها البيئية بما في ذلك النفايات الإلكترونية وانبعاثات الكربون واستهلاك الطاقة المرتبط بالذكاء الاصطناعي.

أمّا عدسة الفرص فقد أظهرت أنّ داخل المفارقات وعدم اليقين تكمن مساحات خصبة للممارسة الأخلاقية والمشاركة المدنية والتجديد التربوي. فقد برزت فرص في الفضاءات المتشابكة للفعل، سواء داخل التكنولوجيا نفسها بوصفها فضاءً للتوتّر الأخلاقي والتفاوض، أو عند الحدود بين المدرسة والحياة خارج المنهج. وأكّد المُجيب توشينوري أنّ تعليم مواطنة ما بعد الرقمية يمكن أن يُوضَع بوصفه محاولة مستمرّة لالتماس إمكان الحوار في مجتمع تتعايش فيه قيم متباينة. وأشارت ميغان إلى أنّ الطلبة يعبّرون عن فهوم دقيقة للحياة الرقمية كثيرًا ما يغفلها الكبار، وأنّ الأخلاقية على الإنترنت تتجاوز السلوك لتشمل تنمية استعدادات كالاحترام والتعاطف والأصالة. وشدّدت النتائج على البناء على الممارسات اليومية للشباب، مثل وعيهم بمنطق المنصّات، وعلى الممارسات الأصيلة للمنصّات كالفيديوهات القصيرة والميمات والسرد التشاركي بوصفها بوّابات للصوت المدني وحلّ المشكلات الجماعي. كما برزت فرص عبر الانخراط الواسع والبناء المشترك للمعنى، مع تأكيد الإنصاف نقطةَ انطلاق ضرورية والفاعلية بوصفها علاقيّة وموقعية.

وفي عدسة سُبُل المضيّ قدمًا، دعت الدراسة إلى إعادة مواءمة عميقة لفلسفة التعليم تتجاوز الامتثال التقني نحو النقد المنظومي والممارسة العلاقية وصناعة المعنى المشتركة. وتمثّلت هذه السُبُل في تحويل المناهج نحو محو أمّية رقمي نقدي يُركّز الحقوق والمسؤوليات والخصوصية والعدالة والنقد السوسيوتقني، وفي التعلّم مدى الحياة والعلاقي عبر متّصل «المدرسة من أجل الحياة»، وفي التصميم والوصول المتمحورين حول الإنصاف مع الاستثمار في البنية البشرية بقدر الاستثمار في البنية التقنية وإصلاح أعباء العمل، وفي تطوير السياسة التعليمية الأوسع بما يعكس المستويات الإيكولوجية الكلية والوسطى والجزئية على غرار منظور برونفنبرينر. وقد أدرج المُجيب يوشي مقاربة شاملة تقرن البنية التحتية الكونية باستراتيجيّات الإنصاف، وتوسّع تقاليد الأمان لتصبح أخلاقيّات موجّهة نحو الحقوق والمشاركة، وتُخفّض حواجز اللغة، وتُثمّن الممارسات التماثلية، وتُديم الشبكات المهنية.

يستنتج البحث في مناقشته أنّ التوتّرات ليست مشكلات ينبغي القضاء عليها بل مؤشّرات على شروط بنيوية وعلائقية تُشكّل كيفية ممارسة المواطنة، وأنّ الفرص تنبثق بأقوى صورها داخل تعقيدات الحياة لما بعد الرقمية لا خارجها، حيث تُتيح البيئات الهجينة بين المتصل وغير المتصل للطلبة استكشاف الهوية والحضور والانتماء. ويقدّم الباحثون مفهوم «الإيكوبيداغوجيا» بوصفه ممارسات تعليمية منفتحة على العلاقات التشاركية المبدعة والسياقات المحلية التي تُغذّيها، ممارسات تُعزّز الحوار والتأمّل النقدي والأخلاق العلاقية، وتقاوم تسارع نماذج التعليم المدفوعة بالذكاء الاصطناعي لصالح ممارسات أبطأ وأكثر رعايةً وتجذّرًا في المجتمع. ومن حيث الإسهام، تُقدّم الدراسة تصوّرًا لما بعد الرقمية يُبرز العلائقية والتشابك السوسيوتقني والاعتماد على السياق على حساب الكفايات الفردية الثابتة، وتعرض دلالات لصانعي السياسات والمعلّمين والباحثين تشمل دعم الوصول المنصف، وضمان الشفافية والمساءلة في أنظمة البيانات والذكاء الاصطناعي، وتعزيز الثقافات التشاركية. غير أنّ البحث يُقرّ بمحدوديّاته، إذ يعمل جميع المساهمين ضمن حقل التعليم، ولم يُصوَّت على وجهات نظر إلّا من ثلاثة بلدان هي كندا واليابان وأيرلندا، ما يحدّ من مدى التجارب المعيشة الممثَّلة، فيما تبقى المنهجية الحوارية إطارًا مُنتِجًا لدراسة الموضوعات المركّبة ونمذجة ممارسات المواطنة ذاتها من حوار وتفاوض واعتراف متبادل عبر الحدود الثقافية والتقنية.

الدراسة (PDF)

تحميل / فتح الملف (PDF)

المصدر: Computers and Education Open، المجلد 10 (2026)، رقم المقال 100380، الناشر Elsevier، DOI: 10.1016/j.caeo.2026.100380.

Scroll to Top