استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي وفائدته في التعليم العالي: تجربة الطلبة ووجهات نظرهم

خلاصة الدراسة
تنطلق هذه الدراسة الواسعة، التي شارك في إعدادها فريق بحثي كبير بقيادة Jennifer Chung وMichael Henderson من عدد من الجامعات الأسترالية، من إشكالية مؤدّاها أنّ مؤسسات التعليم العالي تواجه ضرورة دعم وصول المتعلّمين إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي واستخدامه بطرائق ملائمة وفعّالة، غير أنّ النموّ السريع لهذه التقنية جعل السياسات والممارسات تتطوّر في ظلّ بيانات تجريبية محدودة عن تجربة الطلبة ومواقفهم ودوافعهم. فمنذ الإطلاق العام لأداة ChatGPT في تشرين الثاني/نوفمبر 2022، ساد قلق كثير من المؤسسات من استخدام الطلبة هذه الأدوات للغشّ في مهام التقويم، غير أنّه لم تُجمع أدلّة كافية لفهم دقائق استخدام الطلبة وقيمهم ومعتقداتهم، ما قد يؤدّي إلى سياسات ردّ فعلية وممارسات قاصرة. ولذلك تهدف الدراسة إلى فهم أفضل لكيفية انخراط طلبة الجامعات مع الذكاء التوليدي في دراستهم، بما يشمل أنماط الاستخدام، ومصادر التعلّم، وإدراك الكفاية والثقة، والتطبيقات الأكاديمية والفائدة، وسلوكيات النزاهة الأكاديمية، والعوامل التي تحفّز التبنّي أو تثبّطه.
راجعت الدراسة الأدبيات المبكّرة التي أعقبت إطلاق ChatGPT فوجدتها تكشف مشهدًا سريع التحوّل من الوعي والاستخدام؛ إذ وجدت بعض الدراسات المبكّرة عام 2023 وعيًا ضعيفًا نسبيًا، بينما رصدت دراسات لاحقة استخدامًا متناميًا. ولاحظ الفريق ثيمة متكرّرة مفادها أنّ الطلبة يكتشفون الذكاء التوليدي ويتعلّمونه عبر قنوات غير رسمية وغير مؤسسية كوسائل التواصل والأقران والإنترنت، بينما تسهم القنوات التعليمية الرسمية إسهامًا هامشيًا. كما كشفت الأدبيات ديناميّات دقيقة ومتناقضة أحيانًا حول الكفاية والثقة، وبدأت في رسم التطبيقات الأكاديمية مثل استرجاع المعلومات والعصف الذهني والتلخيص والكتابة الأكاديمية، مع بقاء مخاوف النزاهة الأكاديمية مركزية. وحدّد الفريق ثماني دلالات تنظّم فهم استخدام الطلبة تشمل ما يستخدمونه فيه، والشعور بالفائدة، وتواتر الاستخدام، والشعور بالكفاية، ومدى الثقة، وكيفية التعلّم، واستخدامه للغشّ، وما يحفّز الاستخدام أو يثبّطه، مشيرًا إلى أنّ الدراسات السابقة كانت مجتزأة عبر هذه الأبعاد وتعتمد على عيّنات محدودة من مؤسسة واحدة.
اعتمدت الدراسة مسحًا مقطعيًا واسع النطاق عبر أربع جامعات أسترالية، بوصفه تصميمًا سريعًا وميسورًا يضمن نتائج آنية وذات صلة. وفي أواخر 2023 تشكّل تحالف من الباحثين لهذه المؤسسات للتركيز على وجهات نظر الطلبة التي كانت مهدّدة بالإغفال، وفي وقت المسح لم تكن أيّ من الجامعات تحظر الذكاء التوليدي حظرًا تامًّا، لكنها لم تكن قد طوّرت سياسات مؤسسية بعد، تاركةً القرار لمستوى المقرّرات. وقد دُعي نحو 192,000 طالب للمشاركة، تطوّع منهم 5% (10,132)، أكمل المسح الكامل منهم 79% (8,021)، مع 8% إضافيين (826) أكملوا جزءًا منه. وتوزّعت الاستجابات المكتملة بين جامعة ديكن (583) وجامعة موناش (3,859) وجامعة كوينزلاند (2,582) وجامعة التكنولوجيا في سيدني (997). وطُوِّرت أداة المسح عبر مراجعة مسوح وموازين قائمة، ثم أُثريت عبر جولات تشاور مع 19 خبيرًا في التعليم العالي، وخضعت للتجريب مع 5 من أعضاء هيئة التدريس و21 طالبًا لتعزيز صدق المحتوى وقابلية الاستخدام. وجُمعت البيانات بين آب/أغسطس وتشرين الأول/أكتوبر 2024، بعد الحصول على موافقات لجان أخلاقيات البحث في الجامعات الأربع، وحُلِّلت باستخدام برنامج SPSS الإصدار 29 بالاعتماد على الإحصاء الوصفي وارتباطات سبيرمان.
كشفت النتائج أنّ 83.2% من الطلبة استخدموا أدوات الذكاء التوليدي لأغراض الدراسة الجامعية، وأنّ 44.5% منهم يستخدمونها أسبوعيًا أو يوميًا، بينما لم يستخدمها قطّ 16.8%. غير أنّ أنماط الاستخدام تباينت عبر المجموعات الديموغرافية؛ فالرجال يستخدمون الأداة أكثر من النساء وهم أقرب إلى ضعف احتمال استخدامها يوميًا (18.5% مقابل 10.3%)، بينما سجّل الطلبة غير الثنائيين ومن فضّلوا عدم الإفصاح أدنى مستويات الانخراط. كما ظهر تباين حادّ بين الطلبة المحلّيين والدوليين لصالح الأخيرين، إذ لم يستخدم الأداة قطّ سوى 6.9% من الدوليين مقابل 22.6% من المحلّيين، وكان الطلبة الناطقون بلغة غير الإنجليزية في المنزل أكثر استخدامًا، ما يشير إلى فائدة خاصة للطلبة متعدّدي اللغات. وأبلغ الطلبة ذوو الإعاقات أو الحالات الصحية أو النمائية العصبية عن انخراط أدنى، ما يبرز فجوة محتملة في إمكانية الوصول أو الوعي أو الملاءمة.
أظهرت النتائج بشأن مصادر التعلّم أنّ الطلبة يعتمدون في الأساس على التعلّم الذاتي غير الرسمي؛ فالطريقة الأكثر شيوعًا كانت التجربة والخطأ بنسبة 65.7%، تلتها عمليات البحث في الإنترنت (52.3%)، والأصدقاء وسائر الطلبة (55.7%)، والذكاء التوليدي نفسه (43.1%). وفي المقابل، استخدم الموارد الجامعية الرسمية أقلّية ضئيلة فقط، إذ لم تتجاوز نسبة استخدام ورش العمل الجامعية 12.5% والموارد الجامعية على الإنترنت 9.5%، أي نحو واحد من كل عشرة طلبة، على الرغم من أنّ 79.3% ممّن حضروا الورش وصفوها بالمفيدة، ما يثير تساؤلات جدّية حول مدى ملاءمة الإرشادات المؤسسية وحداثتها وإتاحتها.
فيما يتعلق بالكفاية والثقة، بيّنت النتائج أنّ الطلبة أكثر إيجابية إزاء كفايتهم في استخدام الأداة (66.6% إيجابيون)، لكنهم حذرون تجاه ما تولّده؛ إذ لم يثق بمخرجاتها سوى 27.3%، ولم يعبّر عن ثقة قوية سوى 3.2%، بينما أعرب نحو 20% عن انعدام ثقة شديد. ورُصد ارتباط معتدل دالّ بين تواتر الاستخدام والثقة (r = 0.429)، غير أنّ الثقة لم تكن محدِّدًا للاستخدام، ما يتحدّى الافتراض الخطّي السائد بأنّ الثقة تقود التبنّي، ويشير إلى أنّ الطلبة يتّخذون قرارات براغماتية استراتيجية، مستخدمين الأداة بوصفها أداة تُدار وتُختبر وتُتحقّق منها لا مصدرًا للمعرفة الموثوقة. وعن التطبيقات، كانت أكثر الاستخدامات شيوعًا تحرير الكتابة وتحسينها (67.3%)، وتوليد الأفكار والأمثلة (64.4%)، وتلخيص المواد (54.3%)، وتعلّم كيفية القيام بشيء ما (50.8%)، والحصول على تغذية راجعة (49.7%)، مع تقديرات فائدة مرتفعة تجاوزت متوسّطاتها 4 من 5 في معظم الفئات. أما أقلّ الاستخدامات شيوعًا فكانت نسخ المحاضرات والنقاشات (17.5%)، وترجمة النصوص أو الصوت إلى لغة أخرى (16.1%)، وتوليد الأعمال الفنّية والصور والرسوم (14.0%)، وإنشاء الألعاب والبرمجيات والتطبيقات (4.4%)، وهي مهام يرجّح ارتباطها بتخصّصات بعينها، غير أنّ من استخدمها منهم وجدها مفيدة.
كما بيّن تحليل الاستخدام تباينات ديموغرافية أعمق تتقاطع مع العمر والتخصّص وسنوات الدراسة؛ إذ انخفض الاستخدام مع تقدّم العمر، فبلغت نسبة من لم يستخدموا الأداة قطّ 36.6% لدى الفئة الأكبر من 45 عامًا مقابل نسب أدنى بكثير لدى الفئات الأصغر. وعلى مستوى التخصّصات، كان طلبة العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات وطلبة الأعمال والقانون أكثر انخراطًا يوميًا من طلبة الصحة والعلوم الإنسانية والاجتماعية. وقد فسّر الباحثون هذه الفروق بوصفها مؤشّرات محتملة على فجوات إنصاف في الوصول والتبنّي تستحقّ استقصاءً مستقبليًا، لا سيما في ما يخصّ النساء والطلبة غير الثنائيين وذوي الإعاقات والحالات الصحية والنمائية العصبية الذين أبلغوا عن أدنى مستويات الانخراط.
أما بشأن النزاهة الأكاديمية، فقد أفاد معظم الطلبة (59.6%) بأنّهم لم يستخدموا الذكاء التوليدي قطّ للغشّ في التقويم، غير أنّ 13.4% يفعلون ذلك بانتظام (نصف الوقت أو أكثر)، فيما أفاد 27% إضافيون بفعل ذلك “أحيانًا”، ما يعني أنّ نسبةً إجماليّة بلغت نحو 40.4% أبلغت عن استخدام يخالف سياسات التقويم. ويبدو هذا في توتّر ظاهري مع النسبة المنخفضة (12.7%) للطلبة الذين استخدموا الأداة لإنجاز جزء من مهمة أو كلّها، غير أنّ الباحثين فسّروا ذلك بأنّ الطلبة يميّزون بين استخدام الذكاء في إعداد التقويم وتحسينه واستخدامه لإنجاز التقويم بالكامل، ما يطرح سؤالًا أوسع حول تفسير الطلبة للأعراف المتطوّرة في غياب إرشادات واضحة. وأكّد الفريق أنّ الإنفاذ وحده لن يكفل النزاهة، وأنّ على الجامعات تعزيز فهم أعمق لأسباب عدم ملاءمة استخدامات بعينها ودعم الانخراط الأخلاقي عبر سياسات أوضح وتصميم تربوي وتثقيف للطلبة.
وفيما يخصّ الدوافع والمثبّطات، تبيّن أنّ أقوى الدوافع تتعلق بالإنتاجية، إذ يساعد الذكاء التوليدي الطلبة على تجاوز العوائق الذهنية (المتوسّط 3.15) وجعل المهام أسرع (3.10) وأسهل (2.92)، بينما كان استخدامه لأداء ما يتجاوز قدراتهم أقلّ شيوعًا (2.50). وارتبطت جميع عوامل التحفيز ارتباطًا دالًّا بزيادة التواتر بعلاقات معتدلة إلى قوية. أما أقوى المثبّطات فكانت القلق من عدم الدقّة (3.91) والقلق من مخالفة قواعد الجامعة (3.71)، تلاهما تفضيل الاستقلالية “أريد أن أفعلها بنفسي” (3.58) والمخاوف الأخلاقية (3.22)، غير أنّ عاملَي الاستقلالية (r = −0.408) والمخاوف الأخلاقية (r = −0.358) وحدهما ارتبطا ارتباطًا معتدلًا نسبيًا بتقليل الاستخدام. وخلص الفريق إلى أنّ الطلبة يتبنّون الذكاء التوليدي بصورة براغماتية تقودها الفائدة لا الثقة العمياء ولا الامتثال للقواعد، مع فجوات إنصاف واضحة في الوصول والاستخدام، ومع اعتماد غالب على التعلّم الذاتي غير الرسمي، ما يستدعي مقاربات أكثر دقّةً ووعيًا بالسياق في النزاهة الأكاديمية والإرشاد المؤسسي، ويقدّم رؤى نقدية جوهرية للاستجابات المؤسسية في بيئة تعليمية تتوسّط فيها تقنيات الذكاء بصورة متزايدة.
الدراسة (PDF)
المصدر: Computers and Education Open، المجلد 10 (2026)، رقم المقال 100347، الناشر Elsevier، DOI: 10.1016/j.caeo.2026.100347.