الأدب الرقمي: بين وهم التعدد وأحادية النموذج

خلاصة الورقة
يعالج هذا المقال المحكم للباحث الجزائري الدكتور عمر حاتم من جامعة البليدة 2، المنشور في مجلة جسور المعرفة الصادرة عن جامعة حسيبة بن بوعلي بالشلف، إشكالية مركزية تتعلق بكيفية نشأة العنصر الأدبي وتشكله ونموه داخل الوسيط الإلكتروني، وانتقاله من الكاووس والتشتت إلى اللملمة والنمذجة في شيء من المد والجزر التواصليين اللذين يكادان لا يعرفان التوقف. وينطلق الباحث من ملاحظة أن حركية عالم اليوم تحاول أن تجد لها توازنا بين حضارة الأيقونة وحضارة الكتابة، بين الرسوم والعوالم الافتراضية وعالم الكتب والصحف، بين السطح والانسياب والعمق والتوتر، وذلك على المستويين الإبداعي والتحليلي معا. ويرى أن الأدب مقرونا بالوسيط الإلكتروني يمنح عينة مثالية للتنظير، فمادة الأدب الرقمي دسمة طازجة بحكم جدتها، وهي متعددة متشعبة بقدر تشظي العوالم الافتراضية التي تحيا منها وفيها ومن خلالها، فضلا عن أنها تستعين بكل ما هو موجود في التراث الأدبي لتزيد عليه ما توفره الشبكة المعلوماتية من طيات وأرضيات بقدرة غير محدودة على الشحن والتداول في كل وقت. أما رجاء الباحث المعلن في مستهل مقاله فهو الوصول إلى اكتشاف النموذج الذي يسير وفقه الأدب الرقمي من خلال ما يفرضه عليه الوسيط الإلكتروني وما يفرضه الأدب ذاته على الوسيط، أي البحث في آليات التواصل على مستوى النصوص الأدبية الرقمية من منظور المؤلفين والنصوص والمتلقين والوسائط الإلكترونية على السواء، داخل رحم سلطة التواصل ذاته في زمن ومكان ترسمهما الشبكة الحاسوبية ومواقعها.
يمهد الباحث لمقاربته بضبط جهاز مفاهيمي ثلاثي؛ فيعرض أولا لمفهوم التكنولوجيا بوصفها ظاهرة قديمة قدم الإنسان والحديث فيها هو اللفظ فقط، متتبعا تعريفاتها من الموسوعة الفلسفية السوفيتية التي حصرتها في مجموع الآلات والآليات والأنظمة ووسائل السيطرة والتخزين ونقل الطاقة والمعلومات، إلى تعريف يعقوب فهد العبيد الذي يجعلها تطبيقا للمعرفة أي معرفة الوسيلة في مقابل العلم بوصفه معرفة العلة والسبب، وصولا إلى الأبعاد السوسيولوجية التي تربطها بالنظام الاقتصادي والاجتماعي، والأبعاد الأنثروبولوجية التي تجعلها مساقا ثقافيا رئيسيا في حياة الناس كالفلسفة والدين والتنظيم الاجتماعي. ثم ينتقل إلى مفهوم الاتصال متتبعا أصله اللاتيني الدال على المشترك والعام، ومستعرضا تعريفات كارل هوفلاند وجورج لندبرج التي تتفق على اعتبار الاتصال عملية دينامية تشتمل على تأثير وتأثر متبادلين بين مرسل ومستقبل ضمن دورة التخاطب. وينتهي التمهيد إلى مفهوم الوسائط الجديدة أو الوسائط المتعددة التي ظهرت وسط الثورة المعرفية والتقنية، فيعرفها بأنها منتج تكنولوجي يعرض ويتفاعل معه من خلال الحواسيب، ويعمل على التكامل بين عناصر النص والصوت والرسوم والصور ولقطات الفيديو، ويحدد خصائصها الست التي تضمن سيرورتها ونجاحها: التنوع، والتكاملية، والتفاعلية بوصفها قدرة المستخدم على التحكم في المكونات المختلفة تحكما نشطا وإيجابيا، والمرونة القابلة لإعادة التشكيل بحسب حاجات كل مستخدم، والتزامن بين المثيرات المختلفة التي تظهر على شاشة الحاسوب، وتقديم التغذية الرجعية التي تعد عاملا رئيسيا في زيادة دافعية الفرد للاتصال.
وفي محور الأدب الرقمي بين الأصول والآفاق، يقدم الباحث تعريفه الخاص قبل استعراض تعريفات أهل الاختصاص؛ فالأدب الرقمي عنده هو كل منجز إبداعي يستخدم الحاسوب والشبكة لإنتاج الأشكال الأدبية على اختلافها، دخولا وخروجا وروابط من عالم الأدب إلى عوالم أخرى عبر الوسيط الإلكتروني، في مقابل الأشكال الأدبية الكلاسيكية التي لا يمكن ربطها ببعضها أو الزيادة والتعديل فيها على أرضيتها الورقية الأصلية. ثم يستدعي تعريف سعيد يقطين للأدب الرقمي بوصفه مجموع الإبداعات التي تولدت مع توظيف الحاسوب ولم تكن موجودة قبل ذلك أو تطورت من أشكال قديمة فاتخذت مع الحاسوب صورا جديدة في الإنتاج والتلقي، وتعريف فاطمة البريكي الذي يشترط ألا يتأتى هذا الأدب لمتلقيه إلا عبر الوسيط الإلكتروني وألا يكون تفاعليا إلا إذا أعطى المتلقي مساحة تعادل أو تزيد عن مساحة المبدع الأصلي للنص. ويستخلص من هذه التعريفات عناصر النظام المعلوماتي الرقمي: الوسيط الإلكتروني والمبدع والمتلقي والنص مطعما بمجموع العوالم الافتراضية. ثم يحلل بنية الأدب الرقمي وخصائصه فيصف النص الرقمي بأنه نص شجري متشعب متفرع مترابط يمكن قراءته قراءة هرمية أو بطريقة التوازي عبر الروابط والكلمات المفاتيح والعناوين التي تشكل بؤر نشاط تسمح بالانتقال من صفحة إلى أخرى، وبأنه نص تشاركي يستطيع المتصفح الإلكتروني فيه، على عكس المتصفح الورقي، إدخال ما شاء من المعلومات والتعليقات ضمن المواقع والمنتديات لتتوالى عملية الأخذ والعطاء التي تتناسل منها العملية الإبداعية التفاعلية، راصدا التحول التاريخي للثقافة والمعرفة من الأنساق الشفهية إلى المدونات الورقية ثم إلى المدونات الرقمية وما أحدثه ذلك من تحول كبير على مستوى الكتابة والتلقي، منتهيا إلى تعريف جامع للأدب الرقمي يقوم على توظيف معطيات الإعلام الآلي ووسائط التواصل الإلكترونية من خلال ما يتيحه نظام النص المتفرع أو المتعالق (Hypertexte).
ويتعمق المقال بعد ذلك في مفهومي المؤلف الرقمي والقارئ الرقمي؛ فالمؤلف الرقمي يضطلع بإذكاء التجربة الأدبية بما يتملكه من ثقافة معلوماتية وتقنية رقمية يوظفها مع اللغة والصوت والصورة والوثائق ولغة البرامج المعلوماتية ليبتدع جوا نصيا مرصعا بالتخييل والتحويل يبلغ ذروته في تفاعلات تأويلية مع قراء من مختلف الطبقات والتخصصات، وقد أدى هذا المنوال ببعض المنظرين إلى اعتبار النص الرقمي أفضل أنموذج لفهم نظريات ما بعد الحداثة القائلة بموت المؤلف كما بسطها رولان بارت في كتابه هسهسة اللغة، وكما قال بها جورج لاندو في سياق النص المترابط، مع تمييز الباحث الدقيق بين هدفيهما: فبارت أراد الإعلاء من شأن النص وتفجيره من الداخل دون مقصدية المؤلف وحضوره المتسلط كما في النص المطبوع، ولاندو توسل إضعاف الحضور الرقابي للمؤلف الرقمي وفتح الحرية للقراء لتكون فاعليتهم خالقة في صناعة نص غني بالدلالات، وما يجمعهما هو تقويض مركزية المؤلف بوصفه صاحب الحقيقة المطلقة والراعي الرسمي للمعنى وإنتاجه. أما القارئ الرقمي فيتمتع بحرية المرور في النص الرقمي من أي طريق شاء، ويلجه من أبواب شتى ومنافذ عدة ويخترقه من بدايات متغايرة باعتباره مؤلفا مشاركا في عملية خلق النص، مما يجعل القراءة مغامرة تجديد مستمرة تفتق النص على دلالات لم تطرأ حتى على مخيلة المؤلف الأول. وفي المحور الأكثر أصالة في المقال، وهو الأدب الرقمي بين تعدد الاستعمال وأحادية النموذج المعلوماتي، يوظف الباحث مفاهيم بول ريكور في التناوب بين الخيال المنتج والخيال المعيد للإنتاج ومستويي الترميز الموافقين لليوتوبيا والإيديولوجيا، ومقولة ميشيل فوكو إن الواقع من إنتاج السلطة، ليقرر أن اليوتوبي في الأدب الرقمي هو أنساق التواصل التي تشكلها النصوص والأزرار والخطوط والألوان ومجموع التعليقات والفيديوهات والرسوم المتناثرة هنا وهناك، أما الإيديولوجي فهو استراتيجيات التأويل التي تحيك تاريخا على المقاس مستندة إلى ما تنتقيه أو تطمسه من الواقع داخل النموذج الذي يفرضه النظام الرقمي الثنائي القائم على الواحد والصفر وخوارزمياته المعتمدة في برمجة الوسائط الإلكترونية، محذرا من أن عوالم الشبكة الافتراضية تفترض في معظمها قارئا متوهما للتفاعل قد يقدم أحكاما وانطباعات دون تحليل أو تمحيص، ومن أن تكرار طرائق التواصل قد يفرض عرفا منمذجا سلفا يؤدي إلى تقوقع الأدب الرقمي في قوالب جاهزة، وإلى الاستقطاب في التوجه والرأي ثم الطغيان وتضخم الأنوات وتصارع النرجسيات.
وينتهي المقال إلى خلاصة نقدية بالغة الدلالة مفادها أن العملية التواصلية تبقى رغم تشظيها مؤطرة داخل الأدب الرقمي من خلال النظام الحاسوبي والوسائط الإلكترونية والأنساق المعلوماتية المعمول بها، وأن الأدب الرقمي رغم ما يتميز به من خصائص يبقى مقيدا بثنائية أنطولوجية هي النظام المحدد سلفا من جهة، والتفلت الذي تمنحه فسحة النظام ذاته من جهة أخرى، لكنه يبقى تفلتا داخل أطر النظام إلا أن يصنع التفلت نظاما آخر خارج النظام الأول؛ وبهذا يجيب المقال عن سؤال عنوانه: فالتعدد الظاهر في الأدب الرقمي قد لا يعدو أن يكون وهما تخفيه أحادية النموذج المعلوماتي. وتكمن الأهمية العلمية للمقال في أنه يتجاوز الوصف التقني المألوف في أدبيات الأدب الرقمي العربية إلى مساءلة فلسفية عميقة تستدعي مرجعيات متنوعة من بارت ولاندو إلى ريكور وفوكو وعبد السلام بنعبد العالي وعبد الله العروي، ويربط الظاهرة الأدبية الرقمية بمفاهيم السلطة والتواصل والواقع واليوتوبيا والإيديولوجيا، مقترحا اتخاذ المقارنة منهجا للتقليل من النزوع الإيديولوجي نحو الصراع على الحقيقة المطلقة. كما يقدم المقال إضافة نظرية مهمة للنقاش العربي حول حدود حرية المبدع والمتلقي في الفضاء الرقمي، إذ يذكر بأن ما يبدو انفتاحا لا نهائيا للدلالات وانفلاتا للمعاني في النص المترابط يجري كله داخل قوالب يحددها الوسيط وخوارزمياته، وهي أطروحة تحتفظ براهنيتها في ضوء تصاعد سلطة المنصات والخوارزميات على الإبداع والتلقي، وتفتح الباب أمام دراسات لاحقة تختبر هذه الثنائية بين تعدد الاستعمال وأحادية النموذج في نصوص رقمية عربية ملموسة.
الورقة (PDF)
المصدر: حاتم، عمر. (2021). الأدب الرقمي: بين وهم التعدد وأحادية النموذج. مجلة جسور المعرفة (Djoussour El-maaréfa)، المجلد 07، العدد 02، جوان 2021، ص 92-104.