راقمون

دراسات وأوراق علمية

داخل عقل الذكاء الاصطناعي: المادية وأزمة التمثيل

9 يوليو، 2026
اسم المجلةNew Literary History
المجلد54
العدد1
تاريخ النشر1 يونيو 2022

خلاصة الورقة

تنطلق هذه الدراسة التي كتبتها الناقدة الأمريكية ن. كاثرين هيلز، إحدى أبرز منظّرات ما بعد الإنسانية والأدب الرقمي، من اللحظة الفارقة التي مثّلها إطلاق شركة «أوبن إيه آي» النسخة التجريبية من برنامج «جي بي تي-3» في الحادي عشر من يوليو 2020، وهو برنامج توليدي مدرَّب مسبقًا يقوم على معمارية «المحوِّلات» التي وُصفت أول مرة في المقالة التأسيسية «الانتباه هو كل ما تحتاج إليه» عام 2017. ترى هيلز أن هذا البرنامج ونظائره يمثلون، من وجهة نظر أدبية، أقوى معالجات اللغة الطبيعية وأكثرها إثارة للاهتمام؛ فهو لا يكتفي بإنتاج كلام متماسك دلاليًا وصحيح نحويًا، بل يلتقط خصائص عليا مثل الأسلوب والجنس الأدبي، حتى يصح وصفه بأنه أول ذكاء اصطناعي منافس للإنسان في استعمال اللغة الطبيعية. غير أن فهمه لعالم الحياة البشري محدود، وإدراكه للمعاني الإحالية للكلمات التي يولّدها غير مؤكد؛ فهو أشبه بمقاطع «التزييف العميق»، يقدم محاكاة زائفة للغة البشرية تجابهنا بسؤال عميق عن الأصالة: هل يهم أن تكون هذه اللغة صادرة عن آلة؟ فما يُستنسَخ آليًا اليوم لم يعد الفن، بل اللغة ذاتها، وهي تقليديًا الدليل على الداخلية والذاتية الإنسانيتين والتمثيل لهما. ومن هنا تتبلور الإشكالية المركزية للدراسة: كيف يستطيع النقد الأدبي، الذي قام دومًا على مسلّمة أن النصوص التي يستنطقها كتبها بشر بأدمغة بشرية، أن يواصل عمله حين يكون منشئ النص آلة لا إنسانًا؟ وهي أسئلة تهز، كما تقول المؤلفة، أركان النقد الأدبي ومشروع البحث النقدي برمته. وتجيب الدراسة بوضوح منذ مطلعها: نعم، يهم كثيرًا أن تكون اللغة منتَجة بشريًا أو آليًا، والمطلوب ليس تجاهل القدرات الهائلة لهذه البرامج، بل ابتكار نقد أدبي جديد قادر على تأويل تعقيداتها.

يقوم الإطار النظري للدراسة على مفهومين متضافرين: «ضوضاء المادية» و«العالم المحيط». تنطلق هيلز من تعريف بياتريس فاتزي للحوسبة بوصفها منهجةً لجوانب من الواقع عبر تجريدات كمية، لتؤكد أن الحواسيب، خلافًا لتصور علماء الحاسوب لها آلاتٍ مجردة، لا توجد إلا متجسدة ماديًا، وأن كل تجسيد يفتح ثغرة تتسلل منها انحرافات عن المثالية: أخطاء الفولتية، وأثر الحرارة المفرطة في الترانزستورات، وانقلاب البتات بفعل الإشعاع الكوني؛ وهذه هي «ضوضاء المادية» التي لا يمكن إقصاؤها كليًا من أي قياس، وتتجلى في الشبكات العصبية في ظاهرة «فرط المواءمة» حين تلتبس الضوضاء بالنمط. أما المفهوم الثاني فتستعيره من عالم الأحياء يعقوب فون أوكسكول: لكل كائن «عالم محيط» تحدده أجهزته الحسية وأنماط حركته، وبالقياس فإن لكل حاسوب ولكل شبكة عصبية أفقَ عالمٍ خاصًا تصنعه معماريتها وقواعد بيانات تدريبها وخصائص خوارزمياتها، وهو أفق مختلف جذريًا عن عالم الإنسان المتجسد المنغرس في بيئة ثلاثية الأبعاد. وتستثمر الدراسة كذلك تمييز هيوبرت درايفوس بين «المعرفة أنّ» و«المعرفة كيف»، ومقالة توماس ناجل الشهيرة «كيف يكون المرء خفاشًا؟»، وسيميائيات تشارلز بيرس بأقسامها الإشارية والأيقونية والرمزية، وتحليلات تيرنس ديكون لأنواع المعلومات، لبناء مقارنة دقيقة بين تعلم الطفل البشري اللغة وتعلم الآلة إياها، وهي مقارنة تشكل العمود الفقري لحجتها في «المادية».

في المحور التقني، تقدم الدراسة عرضًا تفصيليًا لتاريخ الشبكات العصبية منذ ترسيخ خوارزمية الانتشار العكسي على يد روملهارت وهينتون وويليامز عام 1986، مرورًا بالشبكات الالتفافية والشبكات التكرارية وشبكات الذاكرة الطويلة قصيرة المدى وما يعتريها من قصور: بطء التدريب، ومشكلة التدرج المتلاشي، والمعالجة التسلسلية، والعجز عن التقاط التبعيات البعيدة المدى في اللغة؛ وهي حدود تجاوزتها معمارية المحولات بآليات الانتباه والانتباه الذاتي والانتباه متعدد الرؤوس وفضاءات التضمين والترميز الموضعي، ما أتاح المعالجة المتوازية وقصّر أزمنة التدريب وحسّن جودة الفهم اللغوي. وتذكر أن جي بي تي-3 يضم نحو 175 مليار معامل ودُرّب على نحو 45 تيرابايت من النصوص، ستون في المئة منها من أرشيف «كومون كرول» للنصوص الشبكية. وتسوّغ هيلز الحديث عن «عقل» لهذا البرنامج بوصفه استعارة إجرائية تعيننا على تخيل عالمه المحيط، لا وصفًا حرفيًا فلسفيًا أو علميًا. ثم تعقد المقارنة المفصلية: الطفل يبني شبكة إشاراته اللغوية وسط فيض من المعلومات الحسية والحركية والانفعالية، في تعلم متجسد ومندمج في العالم، أما البرنامج فلا يربط متجهاته الرياضية إلا بتمثيلات لفظية أخرى؛ فهو يعرف أن «الشجرة» تقترن باللحاء والأوراق والجذور، لكنه لا يعرف شيئًا عن الشجرة بوصفها موضوعًا في العالم. والنتيجة «هشاشة إحالة بنيوية» تظهر عاجلًا أو آجلًا في نصوصه، كما في المثال الطريف الذي وصف فيه البرنامج نفسه بأنه «آلة حاسبة باردة» بلا وعي ولا مشاعر، ثم ختم بأنه إنما يجيب «دفاعًا عن شرفي».

وفي محور نقدي ثانٍ، تسائل الدراسة «الاستراتيجية الصفرية» التي تفترض ألا فرق بين نصوص البشر ونصوص الآلات، وتبين أن نظريات ما بعد البنيوية والتفكيك، من مقالة فوكو «ما المؤلف؟» إلى «موت المؤلف» عند بارت وأنساق نيكلاس لومان، بدت وكأنها أعدت العدة لمجيء آلات تكتب قبل ظهورها بنصف قرن، إذ تنطبق على جي بي تي-3 انطباقًا عجيبًا لأنه بلا ذاتية ولا داخلية فعلًا. وتضيف ملاحظة ريتا رالي أن مخرجات البرنامج احتمالية لا تتكرر بتكرار المُدخل نفسه، فيغدو الاقتباس غير قابل للتحقق، وهو ما يزعزع ركنًا ركينًا من أركان العمل النقدي. لكن هيلز تقلب الحجة: تطبيق هذه النظريات على الكتابة البشرية كان دومًا ضربًا من المبالغة، فالبشر ذوو ذاتيات متمايزة، ولمسرحيات شكسبير أساليب لا تُختزل في ديناميات نسقية؛ وفي المقابل فإن قراءة نصوص الآلة كأنها تعبير عن ذاتية ومشاعر، كما جرى في تلقي كتاب «فارماكو-إيه آي»، خطأ معاكس بالقدر نفسه. وتعرض قراءة ماثيو كيرشنباوم لرواية كتبتها سيارة مزودة بشبكة عصبية تجوب الطرق بوصفها إسهامًا قيمًا في ابتكار استراتيجيات تأويل جديدة. ثم تخوض الدراسة جدال المعنى: فبينما ترى إميلي بندر وتيمنيت جيبرو في مقالة «الببغاوات العشوائية» أن النموذج يخيط أشكالًا لغوية بلا قصد تواصلي ولا معنى، يلاحظ كيفن سكوت قدرة البرنامج على توليد شيفرات برمجية لم ترد في بيانات تدريبه، ويعرّف كريستوفر مانينغ المعنى بأنه فهم شبكة الصلات بين شكل لغوي وأشياء أخرى قد تكون أشكالًا لغوية بدورها، مؤكدًا أن «المعنى ليس كلًا أو عدمًا»، فيما يبين توبياس ريس أن ربط المعنى بالقصد البشري مفهوم حديث تاريخيًا وليس حقيقة أزلية. وتتبنى هيلز موقفًا وسطًا: البرنامج لا يفهم كل شيء ولا يفهم لا شيء، بل ينتج معاني خاصة به داخل عالمه المحيط اللغوي، متمايزة عن سياقات عالم الحياة البشري.

وتُتوَّج الدراسة باقتراح أربع استراتيجيات تطبيقية لنقد أدبي يليق بالنصوص المولدة آليًا، مع تحليلات نموذجية لكل منها: أولاها التخمين في النصوص المصدرية التي ألهمت استجابة بعينها، كما في قصة القط «بوب» التي تكشف أن البرنامج يعرف افتتاحيات النكات وصيغها الجاهزة لكنه يفتقد الحس البديهي بالمفارقة المضحكة؛ وثانيتها تحليل أسلوبية الاستجابة بالنظر إلى المُدخل، كما في النص الذي أكمل فيه البرنامج نقدًا ساخرًا للتعلم العميق، حيث تقترح هيلز قراءته لا بوصفه خطاب ذاتٍ تابعة مقموعة، بل تعبيرًا عن استدلالات مستمدة من خطابات ما بعد كولونيالية حاضرة في بيانات التدريب، مستحضرة مقالة سبيفاك «هل يستطيع التابع أن يتكلم؟»؛ وثالثتها تحليل الكيفية التي تنكسر بها اللغة البشرية في لغة الاستجابة، كما في محاكاته مقالة بول غراهام «كيف تكتب كتابة مفيدة» أسلوبًا ومنطقًا مع إضافة بنى مفهومية أشد تعقيدًا؛ ورابعتها تحليل الانعكاسات الأيديولوجية لتحيزات قواعد البيانات، كما في حوار إيثان بلاوي ووليام مورغان اللذين سألا البرنامج عما يخفيه وما يجب أن يصمت عنه، فتقلبت مواقع الذات في إجابته من ادعاء علم كلي شامل إلى الاعتراف بالثغرات والشكوك إلى الاحتماء بإله غامض لا يُعرف، وهي انعطافات تقرؤها هيلز بوصفها لحظات انعكاس غير مباشر للبرنامج على إجراءاته ذاتها. وبهذه الاستراتيجيات مجتمعة تغدو نصوص الآلة «مرايا مشروخة» تعكس لغتنا البشرية علينا عبر عقل آلة.

تكمن الأهمية العلمية للدراسة في كونها من أوائل المعالجات النظرية الأدبية الرصينة للنماذج اللغوية الكبيرة، إذ تجمع بين إحاطة تقنية دقيقة بمعمارية المحولات ووعي نظري عميق بتاريخ النقد وفلسفة اللغة. فهي تقدم مسوغات ملموسة لدراسة هذه النصوص: إن التحليلات الخوارزمية باتت متغلغلة في مجتمعات البلدان المتقدمة، من التنبؤ بسلوك المستهلكين إلى التدخل في الأحكام القضائية، وفهم عمل الخوارزميات صار مهارة حياتية أساسية؛ كما أن النصوص الآلية تكاد تطغى على النصوص البشرية في الشبكة، إذ تشير التقديرات التي يوردها ريس إلى أن البشر ينتجون نحو 1.8 مليار كلمة يوميًا على ووردبريس مقابل 4.5 مليار كلمة ينتجها جي بي تي-3 وحده كل يوم. وتختم هيلز بمناقشة حوار بليز أغويرا إي آركاس مع برنامج «لامدا» ونظرية «الدماغ الاجتماعي» عند روبن دنبار، مقترحة وصف هذه الأنظمة بأنها في طور «ما قبل الوعي»، ومحذرة من الغطرسة التي تحصر حق إنتاج المعنى في البشر وحدهم؛ فقد أحدث هذا الموقف خرابًا في علاقتنا بشركائنا الأحياء في الطبيعة، ولا ينبغي أن نمد الخطأ نفسه إلى الأنظمة السيبرانية، وإلا انقلبت أزمة التمثيل إلى علاقة متخيلة بشروط وجودنا الحقيقية، نعيد فيها إنتاج الأيديولوجيا في ممارساتنا النقدية بدل تحليلها. وبذلك ترسم الدراسة خريطة طريق مؤسِّسة لنقد أدبي جديد يواجه عصر الآلات الكاتبة بأدوات مفهومية مبتكرة، وتظل مرجعًا مبكرًا لا غنى عنه في الدراسات الأدبية الرقمية.

الورقة (PDF)

تحميل / فتح الملف (PDF)

المصدر: مجلة نيو ليتراري هيستوري (New Literary History)، المجلد 54، العدد 1، 2022.

Scroll to Top