راقمون

دراسات وأوراق علمية

شعْرنة المرئي والمسموع: قراءة سيميوثقافية في قصيدة بصيرة الأمل الرقمية التفاعلية

9 يوليو، 2026
اسم المجلةمجلة علوم اللغات وآدابها (جامعة أم القرى)
العدد28
الصفحات253-302
تاريخ النشر9 أغسطس 2021

خلاصة الورقة

يتصدى هذا البحث المحكم، الذي أعده الدكتور وصفي ياسين عباس، أستاذ الأدب والنقد الحديث المساعد بقسم اللغة العربية في كلية العلوم والآداب بمحايل عسير بجامعة الملك خالد، والمنشور في مجلة علوم اللغات وآدابها الصادرة عن جامعة أم القرى في عددها الثامن والعشرين، محرم 1443 الموافق أغسطس 2021، لإشكالية نقدية جوهرية تتمثل في اجتراح منهج نقدي لمقاربة الشعر الوسائطي، يستجيب لما فرضته الحركة التاريخية للتطور الحضاري بعد بروز الحاجة إلى منهج يتناسب وطبيعة الظاهرة الرقمية في الأدب العربي دون قطيعة مع النقد الكلاسيكي، بما يقرب هذه الظاهرة من المتلقي ويساعدها في الوقت نفسه على الاستقرار الاصطلاحي. ويتخذ البحث من قصيدة "بصيرة الأمل" الرقمية التفاعلية، التي أنتجها الشاعر السعودي محمد حبيبي عام 2017، مادة تطبيقية لهذه المقاربة، ساعيًا إلى الكشف عن علاقات النص الداخلية والخارجية من خلال تفكيك مكوناته، والتعرف على نوع البلاغة التي أضفتها الحركة الواعية للصورة والتنوع الثري للأصوات، والوقوف على البعد الثقافي لتشييء الإنسان. ويطرح الباحث جملة من الأسئلة حول كيفية استفادة النصوص الشعرية من حركية النصوص المسموعة والمرئية وحيويتها، ومدى تشعرن هذه النصوص غير اللفظية بخصائص الشعر، وحضور العنصر الأنثوي في النصوص، والشروط الواجب توافرها في المسموع والمرئي لدعم الملفوظ تقنيًا، منطلقًا من فرضية مفادها أن تجربة محمد حبيبي في الشعر الرقمي التفاعلي واعدة وتتطور.
يتبنى البحث منهج "السيميوثقافة الرقمية" الذي سبق للباحث نفسه أن اقترحه في دراسته النظرية المنشورة بمجلة فصول المصرية شتاء 2018 بالمجلد السادس والعشرين، العدد 102، ثم اختبره تطبيقيًا في دراسته المنشورة بمجلة آداب جامعة ذي قار عام 2019 حول عمل مشتاق عباس معن. وهو منهج إجرائي ينهض على توليف ثلاث آليات نقدية مستقلة في عملها متكاملة في أدائها: أولاها "البنية الرقمية للنص" التي تفتت البنية وتقف على المكونات والمسارات القرائية عبر ستة مقاييس هي وصف المكونات العامة والتجنيس والطبيعة الغالبة والمسارات القرائية والروابط التشعبية والنصوص الموازية؛ وثانيتها "سيميائية النص" التي تفك شيفرة العلامة التي يختزنها الحرف والرابط والعقدة والحركة والصوت والصورة عبر أربعة مقاييس هي الحرف والصورة والصوت والتوليف التقني؛ وثالثتها "نسقية النص" التي تعتمد قراءة الأعماق لا السطوح وتخضع لمقياسي النسق الثقافي والقراءة الثقافية، ناظرة إلى النص الرقمي التفاعلي بوصفه حادثة ثقافية لا نصًا أدبيًا فحسب. وقد مهد الباحث لمنهجه باستعراض نقدي لثماني دراسات تطبيقية سابقة قاربت الشعر الرقمي التفاعلي، لفاطمة البريكي وأمجد التميمي ورحمن غركان وإياد الباوي وحافظ الشمري وإيمان يونس وإبراهيم ملحم وفطيمة ميحي ومها جرجور، ملاحظًا أن معظمها انصب على قصيدة "تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق" لمشتاق عباس معن، وأن عرض النص على أكثر من منهج نقدي هو ما سيعول عليه منهجه المقترح في تكوين رؤية كلية عن النص.
في محور البنية الرقمية، يقدم البحث بطاقة تعريف بالقصيدة المتاحة عبر يوتيوب، فيصف بنيتها القائمة على مقدمة وسبع مقطوعات شعرية وخاتمة، وينهض المدخل والخاتمة بعمليات التوثيق والتمهيد أو التلخيص باللغتين العربية والإنجليزية، مع إشارة الشاعر إلى صدور نسخة تجريبية ببعض لوحات العمل عام 2007 تأكيدًا لأسبقيته الرقمية داخل السعودية. ويسجل الباحث خلو القصيدة تمامًا من تقنية الروابط والعقد والتشعب القرائي، إذ يجري الإبحار فيها أفقيًا من نافذة واحدة، فهي بسيطة تقنيًا لكنها غنية بعلاماتها ودلالاتها وأنساقها، ويرى أن الخاتمة كررت ما قامت به المقدمة فأفقدها التكرار قيمتها. وفي مسألة التجنيس، يناقش وسم الشاعر عمله باللوحات، فينتهي إلى أن نجاح التوليف التقني بين الملفوظ وغير الملفوظ يسوغ تجنيس العمل بالقصيدة الرقمية التفاعلية. ثم يبسط الباحث مفهوم "الشعرنة" الذي يمنح العنوان مشروعيته؛ فقد توسل النص الشعري بطرق عرض مبتكرة ابتكرها الشاعر، إذ كتب نصه على البالونات الحمراء بخط يده، وسجله على جذع شجرة منزوعة اللحاء، وخطه بعود خشبي على الطين الناتج عن سقوط المطر، وطبعه على ورقة بيضاء تحترق تحت وهج القداحة، وعرضه على الشاشة بتقنية تحريك الكلمات، فيما زاحمت النصوص السمعية والمرئية النص اللفظي حتى بدت النصوص في امتزاجها الجديد نصًا واحدًا مشعرنًا. ويحصي البحث النصوص الموازية في ثلاثة أنواع: ملفوظ ورد بالعربية والإنجليزية، ومرئي اتخذ من الصور والفيديو وسيلة، ومسموع جمع بين ثلاث أغنيات هي "اذكريني" لفيروز و"عطشان اسمع يا نهر" لعبادي الجوهر و"خبرني يا طير" لوديع الصافي، وثلاث معزوفات لنصير شمة هي "حب العصافير" و"حدث في العامرية" و"قصة كردية".
وفي محور سيميائية النص، يقرأ الباحث العنوان بوصفه خيطًا جامعًا بين المقطوعات السبع، إذ يشكل الأمل والفطنة قاسمًا مشتركًا يلمس في قدرة الشعر على إنقاذ العالم من ماديته المقيتة، وفي أمل العودة بعد الغياب، وفي الارتواء العاطفي. ويتتبع التحليل المقطوعات واحدة واحدة: ففي الأولى يرصد اجتماع ثلاث نساء لمشهد واحد، هن فتاة النافذة في نص حبيبي، وفتاة القصيدة المترجمة التي توقفت عندها الكاميرا في كتاب "ألحان الوجود" لمختارات الشاعرة التشيلية جابرييلا ميسترال إلى جوار "حليب مراق" للشاعرة البريطانية سارة ماجواير ومختارات من الشعر الروسي، وفيروز بصوتها الحالم في أغنية "اذكريني"، وقد كشفت كل منهن بوسيلتها: الكلمة أو الصورة أو الصوت، فيما نهضت حركة الكاميرا المقتصدة بما يسميه الباحث بلاغة الحركة والتكثيف البلاغي. وفي الثانية يتقاطع اعتراف الشاعر بالعجز عن الوصل مع شكوى عبادي الجوهر من العطش رغم وجود النهر، فينسحب العطش على الحرمان العاطفي في زمن أدار ظهره للرومانسية. وتعالج الثالثة حلم العودة عبر أغنية وديع الصافي ومشهد الطريق الليلي الموحش، والرابعة مفارقة الحطاب السوداء الذي أشفق على الغصن اليتيم ثم جعل منه فأسًا تضرب جذع الشجرة الأم، والخامسة الوفاء المنزوع في مشهد الخوف من العاصفة، والسادسة أغلال الحب في حكاية الحمام الذي هرب من مربيه فاكتشف أنه كان قفصًا، والسابعة المشاعر المهربة في خطابات العشق المكتوبة بالحبر السري أو بالحروف المعكوسة التي لا يكشفها إلا كي النار، وصولًا إلى عبارة "أحبك فاطمة".
أما محور نسقية النص فيقف عند نسقين ثقافيين بارزين: أولهما تشييء الإنسان، إذ نزع النص اللفظي الصفة الإنسانية عن بعض الشخصيات فصارت الفتاة نافذة والابن فأسًا والرجل قفصًا، وهو تحول سلبي في ظاهره لكن قيمته قد تكون إيجابية كما في نافذة البيت التي غدت سر حياته؛ وثانيهما مخاتلة المسموع، حيث يسجل الباحث على الشاعر انسياقه خلف إعجابه بجمال معزوفات نصير شمة دون التحقق من قضاياها، فمعزوفة "حدث في العامرية" توثق مأساة ملجأ العامرية الذي قصفته الطائرات الأمريكية في فبراير 1991 فلقي فيه أربعمائة وثمانية أشخاص حتفهم، ومعزوفة "قصة كردية" تعالج قضية قومية سياسية، وكلتاهما خارجة عن سياقي الملفوظ والمرئي في المقطوعتين اللتين ألحقتا بهما، بينما كانت "حب العصافير" أنسب لمقطوعة الحمام. ويختبر الباحث فرضيته بمقارنة "بصيرة الأمل" بعملي الشاعر السابقين "غواية المكان" 2006 و"حدقة تسرد" 2007، فيثبت اشتراكها في التوثيق وبساطة التقنية وغياب الرابط والتشعب، وتميز "بصيرة الأمل" بتنوع نصوصها المختلفة أجناسيًا والمتآلفة تقنيًا والاستفادة الواضحة من تقنية تحريك الكلمات، خالصًا إلى أن التجربة واعدة وتتطور وتحتاج الدعم المناسب لاستمرارها وإثرائها. وتتجلى الأهمية العلمية للبحث في كونه تطبيقًا ناضجًا لمنهج نقدي عربي المنشأ على نص سعودي رائد، يسهم في معالجة أزمة المصطلح والتجنيس في النقد الرقمي العربي، ويقدم أنموذجًا للقراءة التي تجمع بين حساسية التقنية وعمق التأويل الثقافي، ويؤسس لنقد رقمي لا يكتفي بالاحتفاء بالوسائط بل يحاسب توظيفها، كما في نقده الصريح لعشوائية الاستعانة بالموسيقى، وهو بذلك إضافة نوعية للمكتبة النقدية العربية في حقل الأدب الرقمي التفاعلي الذي ما يزال في طور التشكل. وقد قدم البحث للنشر في مطلع رمضان عام 1441 للهجرة، وقبل للنشر في الثامن من ذي القعدة من العام نفسه، ونشر في التاسع من أغسطس 2021، واختتم بستة ملاحق مصورة توثق مشاهد القصيدة ولقطاتها الدالة، وبقائمة مراجع عربية وأجنبية تعكس اطلاعًا واسعًا على أدبيات النقد الثقافي والأدب الرقمي، من الغذامي وعبد المطلب إلى دراسات الشعرية المقارنة، بما يجعله مرجعًا لازمًا لدارسي القصيدة العربية الرقمية التفاعلية وقضايا التلقي في بيئة الوسائط المتعددة.

الورقة (PDF)

تحميل / فتح الملف (PDF)

المصدر: وصفي ياسين عباس، شعْرنة المرئي والمسموع: قراءة سيميوثقافية في قصيدة بصيرة الأمل الرقمية التفاعلية، مجلة علوم اللغات وآدابها، جامعة أم القرى، العدد (28)، محرم 1443هـ / أغسطس 2021م، ص ص 253-302.

Scroll to Top