راقمون

دراسات وأوراق علمية

ترجمة مصطلحات الأدب الرقمي وأدب الذكاء الاصطناعي: دراسة تحليلية

15 يوليو، 2026
اسم المجلةمجلة الدراسات اللغوية والأدبية (الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا)
المجلد14
العدد2
الصفحات5-20
تاريخ النشر23 ديسمبر 2023

خلاصة الورقة

يعالج هذا البحث للناقد السعودي عادل خميس الزهراني، أستاذ النقد الحديث بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة، والمنشور في مجلة الدراسات اللغوية والأدبية الصادرة عن الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا (المجلد 14، العدد 2، ديسمبر 2023، ص5-20)، ظاهرة ترجمة المصطلحات والمفاهيم المركزية في أدب الذكاء الاصطناعي والأدب الرقمي بالدرس والتحليل؛ حيث ينظر في حال الترجمة وآلياتها ومنهجياتها المتبعة، ومدى تأثير التخصص العلمي للمترجم في مخرجات الترجمة. وينطلق البحث من أن أدب الذكاء الاصطناعي يمثل جنسا أدبيا جديدا في الثقافة العربية، وأن البحث في هذا الحقل بدأ غربيا منذ أكثر من نصف قرن، غير أن الاهتمام به إبداعا ونقدا في العالم العربي لم يبدأ فعليا إلا مع انطلاقة الألفية الثالثة متكئا على المنجز الغربي عبر ترجمة المصطلحات والأجناس الأدبية وتقنيات الكتابة الرقمية؛ فمنذ تسعينيات القرن الميلادي المنصرم بدأت الأعمال العربية التي تقارب علاقة الأدب بالتكنولوجيا بالظهور تباعا مبشرة ببروز أشكال كتابية وأجناس أدبية جديدة، وعمدت هذه الأعمال إلى ترجمة المصطلحات التي تواجهها إلى العربية بمنهجيات متفاوتة، فظهرت على السطح قضية التباين في ترجمة وتعريب المصطلحات والمفاهيم المتصلة بالحقل، وما أدى إليه ذلك من إشكاليات حول الاتساق ومستوى الإدراك والفهم، ومن اختلاف ترجمة المصطلح الواحد أحيانا والخلط بين المفاهيم أحيانا أخرى. ويهدف البحث إلى حصر المصطلحات والمفاهيم الأساسية في الأدب الرقمي وأدب الذكاء الاصطناعي، وتحليل آليات ترجمة هذه المصطلحات والكشف عن منهجياتها، ودراسة قضية التباين في الترجمة وتوضيح أسبابها، معتمدا لتحقيق أهدافه على المنهج الوصفي وموظفا التحليل أداة لدراسة منهجية المترجمين والمترجمات عند ترجمة المصطلح أو تعريبه، مع حصر المصطلحات المعربة وتعريفها انطلاقا من مصادرها الأصلية في اللغة المصدر والمقارنة بين المقترحات وترجيح الأنسب بينها، والإشارة إلى أن معظم المصطلحات مترجمة من اللغتين الإنجليزية والفرنسية.

يتخذ الباحث من مصطلح الهايبرتكست (Hypertext) نموذجا مثاليا على مشكلة الترجمة التي تفرض نفسها على واقع الثقافة العربية، فلا يكاد يبرز الاختلاف حول ترجمة مصطلح أكثر من بروزه حوله؛ وهو مفهوم ظهر على يد تيد نيلسون عام 1965، وتعود صعوبة ترجمته في الأساس إلى تركيبه من السابقة (Hyper) التي قد تشير إلى الفائق والتعدد والضخامة والتشتت، مضافة إلى كلمة النص (text). ويستعرض البحث أبرز الترجمات المتداولة: فسعيد يقطين يقترح (النص المترابط) الذي حمله عنوانا لكتابيه: من النص إلى النص المترابط، والنص المترابط ومستقبل الثقافة العربية، انطلاقا من أن الترابط هو السمة الجوهرية المحددة للمفهوم، ويعد هذا أكثر المقترحات رواجا بين الباحثين إذ اعتمده لاحقون مثل مهى جرجور وعبدالقادر شيباني؛ وإيمان يونس تترجمه بـ(النص المرتبط) متأثرة بيقطين، ويسجل الباحث على اختيارها أن كلمة المرتبط توحي بدلالات لا علاقة لها بسمات التشعب واللاخطية والتفاعلية التي يحملها المصطلح؛ ونبيل علي يترجمه بـ(النص الفائق) في كتابه العرب وعصر المعلومات، وهي ترجمة تراها يونس غير موفقة بالمرة لأن نقادا آخرين استخدموها لمصطلح (Hypermedia)؛ وحسام الخطيب يقترح (النص المفرّع/المتفرع) وذهبت معه فاطمة البريكي اعتمادا على سمة التفرع وتأثرا بمفهوم الفرع في علم الشروح والحواشي العربية، فيما يترجم الخطيب (Hypermedia) بـ(النص المرفّل) متكئا على مفهوم الترفيل الذي يحيل على معنى الزيادة في علم العروض لغنى هذا النص بالوسائل السمعية والبصرية والحركية؛ ويورد البحث كذلك مقترح المناصرة (العنكبوتي) الذي لا يخلو من ظرافة ووجاهة. ويلاحظ الباحث صعوبة ترجمة المصطلح لصعوبة وجود بديل كاف وشامل للمفهوم الأساسي، فيعمد المترجمون في اقتراحاتهم إلى السمة الأقرب التي تميز هذا النص (الترابط، التشعب، التفرع، التمنهل، الارتباط)، ثم يرجح في النهاية اعتماد تعريب (الهايبرتكست) لعدم وجود البديل العربي الدقيق، ولأنه أصبح دارجا على اللسان العربي وبين الباحثين المتخصصين، ولأنه لا يتسبب كما يفعل غيره في أي لبس.

وينتقل البحث إلى مصطلح (الأدب الرقمي) بوصفه واحدا من المصطلحات المركزية في المجال وترجمة حرفية لـ(digital literature) أو (numerical literature)، فيعدها ترجمة موفقة إلى حد بعيد، ليس لمناسبتها ودقتها وسهولتها على اللسان وحسب، بل لانتشارها وقبولها حتى أصبحت بديلا لكل ما سبق وصارت مظلة أو جنسا شاملا يضم كل ما ينتج عن العلاقة بين الكلمة والتكنولوجيا من فنون أدبية، ولتماشيها مع موجة التسمية العصرية التي تنسب كثيرا من الأمور إلى الرقمية كالتجارة الرقمية والهوية الرقمية والحكومة الرقمية، مع وقوفه عند تفريق جميل حمداوي بين (الأدب الديجيتالي أو أدب الصورة) ترجمة لـ(Littérature digitale) و(الأدب الرقمي) ترجمة لـ(Littérature numérique)، وعند مصطلح (الرقمنة) ترجمة لـ(digitalisation) بمعنى نقل الأدب من أوعية نشره التقليدية إلى صيغ إلكترونية قابلة للتداول والمعالجة والفهرسة. كما يعرض لانقسام الباحثين حول ماهية الأدب الرقمي بين من يعد كل نص كتب على الحاسوب نصا رقميا لأن لغة البرمجة لا تعترف إلا بالأرقام، ومن يقصره على النصوص التي تستفيد من صفة الرقمية وتبنى عليها بحيث يستحيل وجودها خارج إطار الشبكة العنكبوتية. وفي محور (الأدب الاصطناعي) يعرض لمقترح أحمد الرحاحلة في مشروعه المهم (نظرية الأدب الرقمي) حيث طرح المصطلح ترجمة لـ(Artificial Intelligence Literature) الذي يختصر عادة إلى (AI Literature)، ويعني به فرعا من فروع تطبيقات الذكاء الاصطناعي مجاله تلك الأنواع والأجناس الأدبية التي تقوم بإنتاجها الآلات والبرمجيات المستندة إلى ذكاء اصطناعي، وغايته أعمال أدبية قائمة على المحاكاة والتقليد للسلوك الأدبي البشري من خلال تحليل أشهر الأساليب الأدبية الإنسانية وتخزينها ومعالجتها واسترجاعها آليا، ويرى الزهراني أن اعتماد الرحاحلة على الترجمة الدارجة للذكاء الاصطناعي اعتماد موفق. ويشير البحث إلى أن أدب الذكاء الاصطناعي ينتمي في طبيعته لجنس سابق يعد مرحلة تالية ومتطورة له هو (الأدب التوليدي) ترجمة لـ(Generative literature)، ومن أنواعه الشعر التوليدي والسرد التوليدي.

ويتتبع البحث كذلك عائلة المصطلحات السيبرانية؛ فيعرض لتعريب الناقد المغربي محمد أسليم لمصطلح (cybernetic) الذي ابتكره عالم الرياضيات الأمريكي نوربرت وينر إلى (السيبرنطيقا) في ترجمته للكتاب المرجعي الأدب الرقمي، واقتراحه أيضا (السيبرانية) التي ارتبطت بالجزء الأول من المفهوم (cyber) وانتشرت ترجمة له كما في الأمن السيبراني؛ ولمصطلح (cybertext) الذي ظهر عام 1997 على يد إسبن أرسث ليشير إلى نص تقني تفاعلي في جوهره تتقدم فيه أهمية الوسيلة أو الوعاء، ويترجمه يقطين إلى (السيبرنص) و(الأدب الشبكي)، وتعتمد البريكي (الأدب الشبكي) مشيرة إلى أن أرسث قصد به النص المتاهة الذي يحتاج إلى متلق فعال؛ ولمصطلح (ergodic literature) الذي تترجمه البريكي إلى (الأدب الصعب) ويعربه حمداوي بـ(الأدب الإيركودي)؛ ولمصطلح (Cyberpunk) الذي يترجمه عبدالله الغذامي إلى (الرواية التكنولوجية) اعتمادا على تفسير دوغلاس كلنر، بينما تختار نوافل الحمداني تعريب اللفظ (رواية السايبربنك) رافضة ترجمة الغذامي لأنها لا تكشف عن خصائص المصطلح ولأن السايبربنك فرع من رواية الخيال العلمي. ويقف البحث مطولا عند (الأدب التفاعلي) بوصفه ترجمة حرفية معتمدة ومقبولة ومستخدمة بشكل واسع رسخها كتاب فاطمة البريكي (مدخل إلى الأدب التفاعلي) الصادر عام 2006، مسجلا اختلاف الباحثين حول مفهوم التفاعلية بين فريق يقصرها على مشاركة المتلقي الفعلية في إنتاج النص والتعديل عليه، وفريق يوسعها لتشمل تفاعل العناصر البنيوية داخل النص ذاته، وينتصر الباحث للرأي الثاني بحيث تأخذ التفاعلية شكلين: التفاعل النصي بين مكونات النص، والتفاعل مع المتلقي. ويعرض لمشتقات هذا الحقل: الرواية التفاعلية ترجمة لـ(Hyperfiction) أو (interactive novel)، والمسرحية التفاعلية، والقصيدة التفاعلية، منبها على عدم دقة جعل (Hyperfiction) مرادفا للرواية التفاعلية لأنه يشير إلى كل الأنواع السردية الحديثة التي ولدت عبر الكمبيوتر. وينتقد البحث ترجمة (Flash poetry) بـ(قصيدة الومضة) عند البريكي لأنها تعتمد مصطلحا معروفا لمفهوم مؤسس في النقد العربي ليكون ترجمة لمصطلح جديد مرتبط ببرنامج الفلاش التكنولوجي، ما يسهم في الخلط والتشتت، ومثله (الشعر البصري) ترجمة لـ(visual poetry) وهو مصطلح مستخدم من قبل عند صبحي حديدي وعبدالرحمن المحسني للدلالة على استثمار الأشكال والأبعاد الهندسية في بناء القصيدة الحديثة، ويعرض جدولين لترجمات أشجان هندي في كتابها تجليات القصيدة الرقمية في المملكة العربية السعودية، ولما يدعوه حمداوي (فوضى المصطلحات) التي يردها إلى التباين بين الثقافتين الفرانكفونية والأنجلوسكسونية في استخدام المفاهيم وتفضيل مصطلحات دون أخرى.

وينتهي البحث إلى نتائج مهمة، منها: أن الحقل المدروس حقل جديد متسارع التطورات لم تكتمل ملامحه ولم تستقر مصطلحاته وحدوده، فيتعامل المترجمون مع أنواع وأفكار وتقنيات تظهر باستمرار؛ وأن الاختلاف يقع في ترجمة المصطلح الواحد أحيانا كما في ترجمات الهايبرتكست، ويلحق المفاهيم أيضا حين يستخدم بعض الباحثين ترجمة مصطلح معين لمفهوم مختلف كما في النص الفائق، ما يؤدي إلى زيادة الخلط؛ وأن المترجمين غالبا نقاد وباحثون في الدراسات الأدبية والرقمية وليسوا متخصصين في الترجمة، وهو أحد العوامل خلف حالة فوضى المصطلحات، لكن العامل الأكثر تأثيرا يتلخص في عدم وجود المقابل العربي الدقيق للمصطلح الغربي، ولعل ذلك يعود إلى أننا لا نزال عربيا مستهلكين للرقمية وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي ولم ندخل المنافسة بعد بوصفنا مصنعين ومنتجين لها، فلسنا في مكان يسمح بتصدير المصطلحات وتوليدها؛ وأن الاعتماد على الترجمة الحرفية طغى على غيره من أساليب الترجمة وأوقع أحيانا في اللبس، وعمد بعض المترجمين بدرجة أقل إلى البحث عن الصفة الطاغية في المصطلح الأجنبي، فيما مال آخرون إلى تعريب المصطلح الغربي وتكييفه كما في السيبرنطيقا وسايبربنك والأدب الإيركودي، وحاول يقطين نحت مصطلح يجمع بين الترجمة والتعريب في (سيبرنص)؛ وأن بعض المترجمين يورد أكثر من ترجمة للمصطلح في الوقت نفسه مع إثبات المصطلح الأصلي باللغة المصدر طلبا للدقة والتثبت، ما يعكس شيئا من القلق تجاه قضية الترجمة ذاتها؛ وأن بعض الباحثين لا يعتمد على ترجمة السابقين للمصطلح ذاته بل يميل لاقتراح ترجمات أخرى اعتمادا على قدراته اللغوية، وهي ممارسة تسهم في تعميق الفجوة وزيادة حالة الشتات والفرقة المعرفية. وتتجلى الأهمية العلمية للبحث في كونه من الدراسات العربية القليلة التي تجمع بين الدرس المصطلحي ودراسات الترجمة والنقد الرقمي في حقل ما زال قيد التشكل، وفي تقديمه مسحا نقديا مقارنا لجهود أبرز الباحثين العرب من يقطين والبريكي وحمداوي والخطيب إلى كرام والرحاحلة وهندي والحمداني، بما يؤسس لمعالجة علمية منهجية لقضية توحيد المصطلح النقدي الرقمي العربي.

الورقة (PDF)

تحميل / فتح الملف (PDF)

المصدر: عادل خميس الزهراني، ترجمة مصطلحات الأدب الرقمي وأدب الذكاء الاصطناعي: دراسة تحليلية، مجلة الدراسات اللغوية والأدبية، الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، مج14، ع2، ديسمبر 2023، ص5-20.

Scroll to Top