راقمون

دراسات وأوراق علمية

الذكاء الاصطناعي وإنتاج الشعر العربي في ضوء ضوابط علمي العروض والنحو

15 يوليو، 2026
اسم المجلةمجلة الآداب للدراسات اللغوية والأدبية (جامعة ذمار)
المجلد5
العدد3
الصفحات118-147
تاريخ النشر1 سبتمبر 2023

خلاصة الورقة

يهدف هذا البحث للدكتور فكري عبدالمنعم السيد النجار، أستاذ النحو والصرف والعروض المساعد بقسم اللغة العربية وآدابها في كلية الآداب بجامعة الشارقة بالإمارات، والمنشور في مجلة الآداب للدراسات اللغوية والأدبية الصادرة عن كلية الآداب بجامعة ذمار باليمن (المجلد 5، العدد 3، سبتمبر 2023، ص118-147)، إلى بيان كيفية إنتاج قصائد الشعر العربي باستخدام إمكانات الذكاء الاصطناعي كما نطلب منه إنتاج النصوص النثرية والكتابات الإبداعية، ومن ثم عرض هذا الإنتاج على الضوابط العروضية والنحوية العربية. وقد تمثلت مشكلة البحث في ظهور مصطلح الذكاء الاصطناعي على مسرح الحياة والبحث العلمي بكثرة، وتردده على ألسنة الباحثين، وقدرته على إنتاج الكتابات الإبداعية من قصة وشعر ومقالات والإجابة عن الأسئلة والتعلم التفاعلي، خاصة بعد ظهور روبوت الدردشة (ChatGPT)؛ ومن هنا تبلورت إشكالية البحث في التساؤل الرئيس: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن ينتج نصا شعريا صحيحا نحويا وعروضيا ودلاليا؟ وتفرعت عنه تساؤلات فرعية حول مدى قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج الشعر العربي وعلى التخييل في النص الشعري، ومدى مطابقة الشعر المنتج به لضوابط العروض والنحو العربيين، ومدى توافقه مع الشعر العربي الذي أنتجه الشعراء. واعتمد البحث على المنهج الأسلوبي مستعينا بوصف النصوص المنتجة بالذكاء الاصطناعي وتحليلها، واقتضت طبيعة الدراسة تقسيمها إلى مقدمة وثلاثة مباحث وخاتمة: جاء المبحث الأول تحت عنوان الحاسوب وإنتاج الشعر الآلي، ودرس المبحث الثاني مطابقة الشعر المنتج بالذكاء الاصطناعي لضوابط العروض والنحو العربيين، وقارن المبحث الثالث بين شعر الشعراء والنصوص الشعرية المنتجة بالذكاء الاصطناعي، وقد صرح الباحث بأنه لم يعثر على دراسات سابقة علمية منهجية جادة يشبه عنوانها عنوان بحثه إلا مقالات ومحاولات قليلة متناثرة في الشبكة الدولية للمعلومات، وما ذاك إلا لحداثة الموضوع.

يمهد الباحث بجهاز مصطلحي يعرف فيه الذكاء الاصطناعي بأنه علم صنع الآلات التي تقوم بأشياء تتطلب ذكاء إذا قام بها الإنسان، أو طريقة لصنع حاسوب أو روبوت أو برنامج يفكر بذكاء بالطريقة نفسها التي يفكر بها البشر الأذكياء، وهو علم تعددي يشارك فيه علماء الحاسب الآلي والرياضيات وعلماء النفس والأحياء واللغة والفلسفة، ويرتبط ارتباطا وثيقا بالخوارزميات التي هي إجراءات مرتبة منطقيا للوصول إلى نتائج معينة، فكما أن الدماغ الواعي لا يعمل بدون الحمض النووي فإن الذكاء الاصطناعي لا يعمل بدون الخوارزميات. ويميز بين نوعيه: القوي (Strong AI) وهو ذكاء عام يحاكي السلوك البشري الحقيقي ويتخذ القرارات ويحل المشكلات بشكل عام، والضعيف (Weak AI) وهو ذكاء خاص محدد يحاكي جانبا من جوانب العقل البشري ويطبق على مشكلة محددة في منطقة محدودة للغاية. ويعرف روبوت المحادثة (ChatGPT) بأنه تطبيق تفاعلي ومشغل حوار ذكي يعتمد على نظام عصبي اصطناعي دُرب على مجموعات نصية كبيرة لتقديم ردود تلقائية والإجابة عن الأسئلة، أنشأته شركة (OpenAI) المتخصصة في أبحاث الذكاء الاصطناعي باستخدام تقنية (GPT-3) في نوفمبر 2022، وجُهز بما يزيد عن ثمانية ملايين ملف وعشرة بلايين كلمة، مشيرا إلى أنه على قوته مصدرا للمعلومات يقدم معلومات خاطئة أحيانا وتفتقر نصوصه إلى الدقة النحوية في أحيان أخرى. ويعرض في المبحث الأول لتطبيقات معالجة اللغة من التعرف إلى الكلام والترجمة الآلية وتحليل المعلومات واسترجاعها، معتبرا نظرية تشومسكي لقواعد النحو المدخلة الحاسوبية نموذجا مرجعيا في هذا المجال على الرغم من الانتقادات الموجهة إليها، ويتتبع تطور تقنيات (GPT) من الجيل الأول إلى الثالث الذي يمكنه ابتكار الكلام بكفاءة عالية بدلا من تقليده لأن المحتوى الذي يمده بالمعلومات أصبح 45 تيرابايت، ثم يثير قضية التخييل في النص الشعري متسائلا: هل يعي الحاسوب عند إنتاجه الشعر البعدين الأساسيين لفن الشعر وهما الدلالة والموسيقى؟ مستندا إلى التراث النقدي العربي في تعريف قدامة بن جعفر للشعر بأنه قول موزون مقفى يدل على معنى، ونص حازم القرطاجني في التخييل والمحاكاة وحسن هيئة تأليف الكلام، مميزا بينهما بأن المحاكاة وسيلة إلى التخييل والتخييل أثر للمحاكاة.

وفي الجانب التطبيقي أجرى الباحث تجارب مباشرة على (ChatGPT)؛ فطلب منه شعرا يتعلق بالحب فأنتج نصا يبدأ بقوله: في غابة من الحب تتفتح الورود، ولاحظ أن الحاسوب بإمكانات الذكاء الاصطناعي استطاع أن يرصف كلاما جميلا مرتبا منسجما متجانسا عذبا له إيقاعه وجرسه ونسيجه الموسيقي الخاص ويناسب الموضوع المطلوب، لكنه يجنح إلى العمومية كما تشير إلى ذلك جموع الكثرة في بداية النص، وتنقصه النية وقصدية الحدث أو دلالة المقام التي تعمل على تماسك النص مع محيطه الاجتماعي، ويخلو من ضوابط العروض الخليلي العربي وموسيقى الشعر، ويمكن بسهولة نسبته إلى ما يسمى قصيدة النثر، كما تنقصه النية القولية للشعر؛ فهو جهاز مأمور لا عاطفة له ولا وجدان، وإن تحقق فيه جزء من التخييل عبر التشبيهات مثل: أنت نبض قلبي وأنت نور عيني، والاستعارات مثل: تنساب الأشواق وترقص الأحلام، التي رسمت صورة ذهنية للحبيب وأحدثت هزة طربية أو انفعالا حينيا في المتلقي، مع أخطاء نحوية واضحة من قبيل: وفي قبلة تنثرها شفتيك، ولا تحيد عني يا حبيبي. ثم طلب قصيدة شعرية عن الربيع فأنتج نصا مكونا من عدة مقاطع، وبتطبيق ضوابط العروض والقافية على النصين وجدهما خارج النطاق الشعري تماما وخارج الإبداع الشعري الحقيقي، فلا وزن ولا قافية، وإن كان كلاما جميلا ألفاظه موحية ومفرداته تتسم بالشعرية وربما كان فيه روح الشعر أو نفسه، لكن هذه الروح وحدها لا تصنع قصيدة؛ وأما تراكيبه النحوية فصحيحة طغى فيها استعمال الجملة الفعلية في مقابل الجملة الاسمية، وهو ما يراه الباحث شائعا في إنتاج النصوص بالحاسب الآلي بما يتوافق مع رأي علي الجارم في أن الجملة الفعلية أساس التعبير باللغة العربية. ويؤصل الباحث في المبحث الثاني لعلاقة عروض الشعر ببنائه النحوي بوصفها علاقة قوية متبادلة؛ فإقامة البناء العروضي توجه البناء النحوي توجيها خاصا لتحقيق وزن معين يتناسب مع عاطفة الشاعر ودلالة النص، والبناء النحوي بناء مطواع لتحقيق متطلبات الوزن عبر الحذف والتقديم والتأخير والنسخ والتوكيد والإقحام ووسائل الربط وتنوع حركة الضمائر وضرورات البناء. وحين طلب من الروبوت قصيدة عمودية عن الربيع مكونة من شطرين أنتج نصا آخر مكونا من فقرات مثل سابقه تماما، فعمد الباحث بنفسه إلى تحويل الأسطر الأربعة الأولى من النص الأول إلى شطرين ليبين الفارق بين البناءين.

ويعقد المبحث الثالث مقارنة بين شعر الشعراء والنصوص المنتجة بالذكاء الاصطناعي؛ فيورد قصيدة أبي تمام في وصف الربيع: رقت حواشي الدهر فهي تمرمر، نموذجا للشعر العربي الموزون المقفى القائم على التصوير والتخييل الحقيقي، ليتضح أن إمكانات الذكاء الاصطناعي ضعيفة جدا في إنتاج الشعر العربي الموزون المقفى وأن إنتاجه لا يقارن بالإنتاج البشري للشعراء. وحين سأل الباحث (ChatGPT) شعرا عباسيا يحاكي شعر المتنبي أنتج نصا ركيكا يقول فيه: أنا المتنبي الذي أشعل الجبالا بكلماتي العارمة والمقدسة، ولا يخفى على قارئ هذا الكلام ما فيه من ركاكة الأسلوب والكلمات وضعف الأفكار. ويقرر الباحث أن الذكاء الاصطناعي لا يمكنه أن يحل محل اللمسة الشخصية الفريدة أو اللمحة الإنسانية التي يضمنها الكاتب البشري كتاباته؛ فيمكننا أن نصف أبا تمام أو البحتري أو أحمد شوقي أو نزار قباني بأنهم شعراء، ولكننا لا يمكننا وصف الذكاء الاصطناعي بأنه شاعر؛ لأن الشعر من الشعور النابع من التجربة الإنسانية وهو ما تفتقده الآلة مهما اتصفت بالذكاء، فلا يمكن أن تقدم تجربة إنسانية لأنها ليست إنسانا، مستشهدا بقول ابن رشيق القيرواني في العمدة: إنما سمي الشاعر شاعرا لأنه يشعر بما لا يشعر به غيره، وبمقولة إن للشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم، منها ما تثقفه العين ومنها ما تثقفه الأذن ومنها ما تثقفه اليد ومنها ما يثقفه اللسان، متسائلا: أين الذكاء الاصطناعي الذي لا يبصر ولا يسمع ولا يلمس ولا يتذوق من هذه المنظومة المعرفية المتنوعة؟ وخالصا إلى أنها أجهزة وتطبيقات وبرامج ذكية لكنها ليست واعية: إنه ذكاء اصطناعي وليس وعيا اصطناعيا.

وتلخص الخاتمة أهم النتائج: ثبوت ضعف إمكانات الذكاء الاصطناعي حتى كتابة البحث في إنتاج الشعر العربي الموزون المقفى، وعجزه عن إنتاج نص شعري منضبط عروضيا باللغة العربية، وهي نتيجة تضاف إلى مجموعة عيوبه ومنها افتقار محتواه إلى الحيادية والصحة اللغوية وتقديمه معلومات خاطئة وغير دقيقة أحيانا بالعربية؛ وأن الذكاء الاصطناعي قادر على التخييل الشعري من خلال رصف ألفاظ لغوية آليا تحدث هزة طربية في المتلقي لا من خلال العاطفة والوجدان، لكنه تخييل ينقصه الوزن الموسيقي كثيرا جدا والدقة النحوية أحيانا؛ وشيوع استعمال الجملة الفعلية في مقابل الجملة الاسمية في النصوص المنتجة بالحاسب الآلي؛ واستحالة إحداث الذكاء الاصطناعي الأثر النفسي العاطفي في المتلقي لأن هذا الأثر مفقود في الآلة وفاقد الشيء لا يعطيه، فضلا عن عدم إدراكه الضوابط العروضية والتركيبية الصحيحة للنص الذي ينتجه؛ وأن شعر الآلة مصدره الاختيارات والانتقاءات أما شعر البشر فمصدره العاطفة والوجدان والأحاسيس. ويوصي البحث بأن يزود المختصون التقنيون خوارزميات الذكاء الاصطناعي بضوابط العروض العربي والقافية، وحينئذ ربما ينتج نصا شعريا ينتمي بعد ذلك إلى الأدب الرقمي أو أدب الذكاء الاصطناعي، وباستمرار دراسة مثل هذا الموضوع بين الحين والآخر لحداثة التقدم التقني وتطوره المتسارع وتنوع ذلك بين الشعر والفنون النثرية الأخرى. وتنبع الأهمية العلمية للبحث من ريادته في اختبار قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج الشعر العربي وفق معايير علمي العروض والنحو تحديدا، ومن جمعه بين عمق التأصيل التراثي عند قدامة بن جعفر وحازم القرطاجني وابن رشيق وأدوات العصر الرقمي وتجاربه التطبيقية المباشرة، ومن فائدته في مجالات تعليم اللغة العربية للأجانب واللسانيات الحاسوبية وتطوير التطبيقات الذكية، بما يرفد المكتبة النحوية والعروضية بمرجع حديث يأنس به الباحثون في قابل الأيام.

الورقة (PDF)

تحميل / فتح الملف (PDF)

المصدر: النجار، فكري عبدالمنعم السيد، الذكاء الاصطناعي وإنتاج الشعر العربي في ضوء ضوابط علمي العروض والنحو، مجلة الآداب للدراسات اللغوية والأدبية، كلية الآداب، جامعة ذمار، اليمن، مج5، ع3، سبتمبر 2023، ص118-147.

Scroll to Top