راقمون

دراسات وأوراق علمية

فاعلية استخدام القصص الرقمية في تنمية مهارات إدارة الميزانية لدى أطفال الروضة

16 يوليو، 2026
اسم المجلةالمجلة التربوية – كلية التربية بجامعة سوهاج
المجلدالعدد 64
العددالجزء 2
الصفحات2-51 (793-844 بترقيم العدد)
تاريخ النشر1 أغسطس 2019

خلاصة الورقة

تنطلق هذه الدراسة، التي أعدّتها الدكتورة رباب عبده محمد الشافعي مدرّس المناهج وطرق تدريس رياض الأطفال بكلية رياض الأطفال جامعة بورسعيد، والدكتورة هبة فاروق عبد الرؤوف علي مدرّس إدارة المنزل والمؤسسات بكلية التربية النوعية جامعة بورسعيد، والمنشورة في المجلة التربوية الصادرة عن كلية التربية بجامعة سوهاج في العدد الرابع والستين (الجزء الثاني، أغسطس 2019)، من إشكالية تربوية واقتصادية واضحة قوامها أن الأسرة المعاصرة تواجه تحديات اقتصادية متزايدة تستدعي تدريب الأطفال منذ الصغر على كيفية إدارة الميزانية بمهارة لتلبية احتياجاتهم الاقتصادية وإشراكهم في مواجهة هذه التحديات. وتلاحظ الباحثتان أن الأطفال يستحوذون على ما يقرب من ربع ميزانية الأسرة، وأن دورهم في التأثير على قرارات الشراء الأسرية يتعاظم باطراد بفعل انفتاحهم المبكر على وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي وإتقانهم استخدام الأجهزة الذكية، في حين أن الدراسات السابقة التي عُنيت بالتربية الاقتصادية والثقافة المالية للأطفال لم تتطرق إلى تنمية مهارات إدارة الميزانية تحديداً في هذه المرحلة العمرية. ومن هنا صاغ البحث سؤاله الرئيس: ما فاعلية استخدام القصص الرقمية في تنمية مهارات إدارة الميزانية لدى أطفال الروضة؟ وتفرّعت عنه أربعة أسئلة تتناول: ماهية مهارات إدارة الميزانية التي يمكن تنميتها لدى أطفال الروضة، وأسس ومعايير ومقومات إعداد القصص الرقمية، والتصور المقترح لمجموعة من القصص الرقمية لتنمية هذه المهارات، ثم فاعلية استخدام تلك القصص. واستهدف البحث تنمية مهارات إدارة الميزانية لدى طفل الروضة، وتحديد أهم هذه المهارات داخل الأسرة وخارجها، وتقديم مجموعة قصص رقمية جاهزة يمكن لمعلمة الروضة توظيفها، وتحدّد بحدود منهجية تمثلت في أربع مهارات رئيسة هي تحديد الهدف والتخطيط والتنفيذ والتقويم، وفي عينة عشوائية من أطفال المستوى الثاني برياض الأطفال بمحافظة بورسعيد، وفي تطبيق ميداني استغرق شهرين بواقع قصتين أسبوعياً وفق جدول زمني متفق عليه مع الروضة.

يتوزع الإطار النظري للبحث على محورين كبيرين، أولهما إدارة الميزانية وتربية الطفل اقتصادياً؛ إذ تؤكد الباحثتان أن إكساب الطفل الاتجاهات والمهارات والقيم والمفاهيم الاقتصادية والمالية يسهم في تشكيل شخصيته وتوجيه سلوكه الاقتصادي في مراحل نموه التالية، وأن التربية الاقتصادية فرع تربوي حديث يساعد الفرد على تحسين أنماط الاستهلاك وتكوين الوعي الاقتصادي وزيادة المعرفة بمتطلبات الظروف الاقتصادية للمجتمع للتكيف معها. وتستعرض الدراسة الاتجاهات العالمية الحديثة في التثقيف المالي المبكر ودراسات سابقة تعزز هذا التوجه، منها دراسة شيرورو وآخرين (2005) التي أوصت بتضمين مفاهيم الدخل والنفقات والمدخرات في مناهج ما قبل المدرسة، ودراسة رودجرز (2007) التي وظفت أدب الطفل بأشكاله المتعددة لتنمية المفاهيم الاقتصادية، ودراسة الحمود (2010) عن دور معلمة الروضة في بناء القيم الاقتصادية كترشيد الاستهلاك والادخار وحب العمل، ودراسة العيوطي (2013) التي ربطت تنمية المفاهيم الاقتصادية بمظاهر السلوك التوافقي لدى طفل الروضة، ودراسة المنير (2011) في التثقيف المالي باستخدام الألعاب التربوية، ودراسة الزغبي (2007) حول علاقة القيم الاقتصادية للأسرة المصرية بالسلوك الاستهلاكي للطفل. ثم تعرض الدراسة مفهوم الميزانية بوصفها خطة مالية ذهنية أو مكتوبة توضع لتوضيح طريقة توزيع دخل الأسرة على بنود الإنفاق المختلفة في فترة زمنية محددة لتحقيق الأهداف المنشودة، وتفصّل القول في مهارات إدارتها الأربع: تحديد الأهداف بوصفه نقطة الانطلاق لأي عمل ناجح توجه إليه كل الموارد والجهود، والتخطيط بوصفه مهارة معرفية جوهرية تعنى بالتفكير في المستقبل والمفاضلة بين أساليب العمل وطرقه، والتنفيذ الذي تتحول به الخطة من عملية فكرية إلى واقع عملي تلزمه الدافعية والرقابة والتوجيه، والتقييم الذي يحدد به الطفل مدى نجاح عمله وتحقق الأهداف المنشودة. كما تحدد الدراسة أسساً عامة يجب مراعاتها عند التخطيط للميزانية، كوضعها في ضوء أهداف مسبقة، والبدء بالحاجات الأساسية ثم الأقل أهمية، وواقعية الموارد، وتخصيص جزء من الدخل للظروف الطارئة، واتصاف الميزانية بالمرونة، إضافة إلى طرق عملية لتدريب الأطفال مثل منح المصروف المناسب ومناقشة أوجه إنفاقه والادخار منه، وتخصيص حصالة للطفل، وإسناد ميزانية حفلة أو رحلة صغيرة إليه، وتشجيعه ومكافأته عند التوفير.

أما المحور الثاني من الإطار النظري فيتناول القصص الرقمية؛ حيث تعرَّف القصة الرقمية بأنها قصة تقوم على الجمع بين فن سرد القصص ومجموعة متنوعة من الوسائط المتعددة الرقمية كالصور والصوت والفيديو والرسوم والنصوص والموسيقى لتقديم معلومات حول موضوع محدد ولخدمة أغراض تربوية. وتبرز الدراسة أهمية القصة عموماً والرقمية خصوصاً في بناء شخصية الطفل وتوجيه سلوكه وتنمية خياله وقدراته العقلية وذوقه الأدبي وتزويده بالمفاهيم والقيم والاتجاهات التي يقبلها المجتمع، مستشهدة بدراسات أكدت دورها في تنمية المفاهيم الاجتماعية والتاريخية والوعي السياسي والمهارات اللغوية والحركية والتفكير الابتكاري والفهم الاستماعي وزيادة الدافعية نحو التعلم، ومنها دراسات الكندري (2010) وعرفان (2009) والدويبي (2014) والعريان (2015) والبنداري (2017) وموركان (2014) وياماش وآخرين (2016) وفوكيدس (2016) وألياجاس وآخرين (2017). وتفصّل الدراسة المقومات الأساسية للقصة من فكرة رئيسة وبناء وحبكة وأسلوب كتابة وشخصيات، ثم مكونات القصة الرقمية السبعة كما وردت عند شحاتة ومحمدي وهي: وجهة النظر، والسؤال الدرامي الذي يثير اهتمام الجمهور منذ البداية، والمحتوى العاطفي، وصوت الراوي الذي يمثل العصب الرئيس، والموسيقى التصويرية، والاقتصاد في المعلومات والصور، والسرعة في الانتقال بين المشاهد. كما تعرض معايير اختيار القصة الرقمية كملاءمتها لفهم الأطفال وأطوار نموهم وتسلسل أحداثها وسهولة أسلوبها ونهايتها السعيدة العادلة، وأنواع القصص الرقمية الإرشادية والشخصية والتاريخية، وأشهر برمجيات تصميمها مثل فوتو ستوري وويندوز موفي ميكر وآبل آي موفي وأدوبي بريمير وباوربوينت، وتقارن في جدول تفصيلي بين القصص الورقية والرقمية من حيث استقلالية الطفل في المشاهدة وسهولة الحفظ وتعدد الوسائط وأنماط العرض الفردي والجماعي، لتخلص إلى العلاقة الوثيقة بين سرد القصص ومهارات التفكير العليا التي تعد مهارات إدارة الميزانية إحداها.

وعلى مستوى الإجراءات، استخدم البحث المنهج شبه التجريبي بتصميم المجموعتين التجريبية والضابطة ذواتَي التطبيقين القبلي والبعدي، وأعدت الباحثتان ثلاث مواد وأدوات: أولاها قائمة مهارات إدارة الميزانية التي أُعدت بعد الاطلاع على الدراسات السابقة وكتابات المتخصصين واستطلاع رأي خبراء تعليم أطفال الروضة، وعُرضت على المحكمين المتخصصين في رياض الأطفال والمناهج وطرق التدريس والاقتصاد المنزلي حتى استقرت على المهارات الأربع الرئيسة وسلوكياتها الفرعية. وثانيتها مجموعة من إحدى عشرة قصة رقمية صُممت وفق النموذج العام للتصميم التعليمي (ADDIE) بمراحله الخمس: التحليل (تحليل خصائص الفئة المستهدفة من أطفال المستوى الثاني والحاجات التعليمية والموارد المتاحة)، والتصميم (صياغة الأهداف السلوكية الإجرائية كتحديد هدف للميزانية وتعداد مصادر الدخل واستنتاج أولويات الإنفاق وأهمية الادخار وترشيد الاستهلاك)، والتطوير (كتابة السيناريوهات وإنتاج النصوص والصور والخلفيات والأصوات ببرامج أدوبي المتخصصة في الرسوم والتحريك والمونتاج)، والتنفيذ، والتقويم؛ ومن عناوين هذه القصص: «هيا نجهز برنامج روضتنا» و«أنا وميزانية أسرتي» و«المحفظة السحرية» و«رحلة إلى حديقة الملاهي» و«عالية والحلوى» و«مروان وبرد الشتاء» و«عمرو والأدوات الفنية» و«سلمى تساعد الجيران» و«جدتي مريضة» و«حقيبة الادخار» و«مروان ولوحة الميزانية»، وقد عُرضت القصص على المحكمين وجُربت استطلاعياً على عشرة أطفال قبل إخراجها النهائي. وثالثتها مقياس مصور لمهارات إدارة الميزانية من نمط الاختيار من متعدد بين بديلين مصورين لمواقف حياتية، موزعة مفرداته على المهارات الأربع، وقد تحقق من صدقه بعرضه على المحكمين ومن ثباته بمعامل ألفا كرونباخ الذي جاء بقيمة مقبولة، وحُدد زمن تطبيقه بثلاثين دقيقة. وطُبقت التجربة على عينة عشوائية من أطفال المستوى الثاني (4-5 سنوات) بمدرسة بورسعيد الرسمية للغات اختيرت من قاعتين ضمّتا أربعة وستين طفلاً، بعد تجهيز قاعة الأنشطة بأجهزة العرض والحاسوب وتنظيم جلوس الأطفال في نصف دائرة.

وقد أسفر البحث عن تحقق فروضه الثلاثة كاملة: فقد وُجد فرق دال إحصائياً عند مستوى (0.01) بين متوسطي درجات أطفال المجموعة التجريبية التي درست بالقصص الرقمية ودرجات أطفال المجموعة الضابطة التي درست بالطريقة المعتادة في التطبيق البعدي على مقياس نمو مهارات إدارة الميزانية لصالح المجموعة التجريبية وفق اختبار «ت» للمجموعات المستقلة، كما وُجد فرق دال إحصائياً عند المستوى نفسه بين متوسطي درجات المجموعة التجريبية في التطبيقين القبلي والبعدي لصالح التطبيق البعدي، وأكد حساب مربع إيتا أن حجم تأثير القصص الرقمية على نمو المهارات كان كبيراً وأن النسبة الغالبة من التباين الكلي في المتغير التابع تُعزى إلى المتغير المستقل، وبلغت نسبة الكسب المعدل لبلاك (1.73) وهي أكبر من القيمة المعيارية (1.2) مما يثبت فاعلية القصص المقترحة. وفسّرت الباحثتان النتائج بغنى القصص بمواقف تتطلب استخدام مهارات إدارة الميزانية، وبتميزها بعناصر الصوت والصورة والحركة الجاذبة التي ترفع دافعية الأطفال، وبارتباط موضوعاتها بالبيئة المحيطة بالأطفال وخبراتهم اليومية، وبمناسبتها لخصائص المرحلة العمرية واحتياجاتها. وأوصى البحث بتوظيف التقنية الحديثة في تنمية قدرات الأطفال ومهاراتهم المختلفة مثل مهارات إدارة الميزانية، والتوسع في تنمية المهارات الحياتية لما تتطلبه ظروف الحياة المستقبلية، وتدريب المعلمات على تصميم القصص الرقمية واستخدامها، وتشجيع الطالبات المعلمات بكليات رياض الأطفال على إعداد قصص بالتقنية الحديثة في مقرر قصص وحكايات الأطفال وأثناء التدريب الميداني، واقترح بحوثاً مستقبلية منها استخدام القصص الرقمية في تنمية المفاهيم التاريخية والجغرافية، وأسلوب حل المشكلات في تنمية مهارات إدارة الميزانية، وبرامج قائمة على الذكاءات المتعددة لتنمية مهارات إدارة الميزانية الأسرية.

وتكمن أهمية هذه الدراسة في أنها من الدراسات العربية الرائدة التي نقلت التربية المالية من مستوى المفاهيم والقيم الاقتصادية العامة إلى مستوى المهارات الإجرائية القابلة للقياس لدى طفل الروضة، وفي أنها قدمت منتجاً تعليمياً متكاملاً يجمع بين قائمة مهارات محكمة ومقياس مصور مقنن وإحدى عشرة قصة رقمية مصممة وفق نموذج تصميم تعليمي عالمي، بما يفيد معلمات الرياض ومخططي المناهج ومصممي الوسائط التعليمية على السواء؛ فهي توجه نظر معدي مناهج وبرامج الأطفال إلى المهارات الاقتصادية التي يمكن تنميتها مبكراً، وتفتح مجال البحث العلمي أمام دراسة المهارات المرتبطة بالحياة المستقبلية للأطفال، وتؤكد عملياً أن استثمار شغف الأطفال بالتكنولوجيا في محتوى تربوي هادف يحقق مكاسب تعليمية كبيرة تتجاوز الطرائق التقليدية في التعليم.

الورقة (PDF)

تنزيل الملف (PDF)

المصدر: رباب عبده الشافعي وهبة فاروق عبد الرؤوف علي، «فاعلية استخدام القصص الرقمية في تنمية مهارات إدارة الميزانية لدى أطفال الروضة»، المجلة التربوية، كلية التربية بجامعة سوهاج، ع64، ج2، أغسطس 2019، ص ص 2-51.

Scroll to Top