أدب الطفل الرقمي وأثره في تنمية الذكاء اللغوي عند أطفال مرحلة الطفولة المبكرة

خلاصة الورقة
تعالج هذه الدراسة، المنشورة في مجلة جامعة مطروح للعلوم التربوية والنفسية (المجلد الثاني، العدد الرابع، الجزء الثاني، أكتوبر 2022، ص 110-132)، والتي أعدتها الباحثة ميار أحمد عبد الجواد محمد المعيدة بكلية التربية للطفولة المبكرة بجامعة مطروح بإشراف الأستاذ الدكتور فوزي سعد عيسى أستاذ الأدب بكلية الآداب جامعة الإسكندرية والأستاذ الدكتور أيمن مصطفى مصطفى أستاذ المناهج وطرق التدريس وعميد كلية التربية بجامعة مطروح والدكتورة شوق عبادة أحمد النكلاوي مدرس أدب الطفل بقسم العلوم الأساسية بكلية التربية جامعة مطروح، إشكالية تدني الذكاء اللغوي عند الأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة. فقد لاحظت الباحثة من خلال عملها في مجال الطفولة ومشاركتها في مقرر التربية العملية واحتكاكها المباشر بالأطفال والمعلمات مظاهر عدة تدل على قصور في مستوى الذكاء اللغوي، مثل عدم القدرة على التعبير السليم، وعجز الطفل أحياناً عن توضيح أفكاره، وافتقاره إلى مخزون ثري من المعاني، وضعف قدرته على تأليف القصص واستيعاب مضامينها، فضلاً عن عدم لجوء المعلمات إلى أشكال الأدب الرقمي لتبسيط مفاهيم منهج 2.0 القائم على المهارات الحياتية. وقد عززت هذه الملاحظات نتائج استطلاع رأي أجرته الباحثة على عدد من معلمات المرحلة كشف قصوراً في استخدام الوسائط الرقمية الأدبية وفي طرق التدريس المستخدمة لتنمية الذكاء اللغوي، إلى جانب ما أكدته دراسات سابقة عديدة منها دراسات أحمد العلوان (2010) ومايسرة (2016) والشيخ الأمين (2020) وسامية مختار ونهى حسن (2020) من ضعف الذكاء اللغوي عند الأطفال وضرورة تبني مداخل تعليمية حديثة لتنميته، ودراسة ريسك وأندرستون وزملائهما (2012) التي رصدت قصوراً في طرائق التدريس، ودراسة هدى السرحان (2010) التي بينت أن الذكاءات المتعددة وبخاصة اللغوي لم تلق اهتماماً كافياً بوسائل مستحدثة. كما استحضرت الدراسة تحدي الكثافة الصفية المرتفعة التي تصل في بعض الفصول إلى ثمانين طالباً مما يجعل التعلم وجهاً لوجه بالغ التعقيد ويستدعي بديلاً رقمياً تفاعلياً. ومن هنا تحددت مشكلة الدراسة في السؤال الرئيس: ما فاعلية برنامج قائم على أدب الطفل الرقمي في تنمية الذكاء اللغوي وخفض التجول العقلي لدى أطفال مرحلة الطفولة المبكرة؟ وتفرع عنه سؤالان حول فاعلية البرنامج واستمرارية أثره.
وينهض الإطار المرجعي للدراسة على خلفية وطنية وعلمية واضحة؛ فقد استندت إلى رؤية مصر 2030 واستراتيجيتها للتنمية المستدامة في مجال التعليم (2018) التي تؤكد ضرورة إعداد متعلم مستنير يجيد لغته ويمتلك مهارات القرن الحادي والعشرين في ظل مرحلة ما بعد الثورة الصناعية الرابعة والميتافيرس دون أن يتخلى عن هويته التي تقع اللغة في قلبها، وإلى أدبيات تؤكد أن اللغة عنصر أساسي في حياة الطفل وسلوك متميز يشغل عالمه وتلعب دوراً فعالاً في تشكيل حياته وبناء شخصيته وتيسير تعلمه وتوثيق صلته بأقرانه وأسرته، وأن الذكاء من أهم العوامل المؤثرة في اكتساب اللغة بما يتضمنه من قدرات عقلية متعلقة بالتحليل والتخطيط وحل المشكلات والتفكير المجرد والتقاط اللغات وسرعة التعلم. وتؤطر الدراسة الذكاء اللغوي ضمن نظرية الذكاءات المتعددة لجاردنر بوصفه القدرة على التعامل مع الكلمات والجمل واستخدام اللغة للتعبير عن الأفكار وفهم ترتيب الكلمات ودلالاتها، وتعرفه الباحثة إجرائياً بأنه قدرة الطفل على فهم الأساليب اللغوية المختلفة وتحليلها واستخدامها بشكل سليم من خلال التعبير عن الأفكار والمشاعر والمواقف والتواصل مع الآخرين وحل الألعاب والألغاز اللغوية، مقيساً بالدرجة الكلية على مقياس الذكاء اللغوي المصور من إعدادها. أما أدب الطفل الرقمي فتعرفه إجرائياً بأنه النص الأدبي الذي يعتمد على خصائص وتقنيات تكنولوجية في إنتاجه وتلقيه، من استخدام للرسومات والصور الفوتوغرافية ولقطات الفيديو وتوظيف للحركة والصوت وإدراج للروابط في تشكيل فني يساعد الطفل على نمو الذوق والشخصية ويتوافق مع احتياجات عالمه الشعورية والمعرفية. وقد اعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي في معالجة موضوعها.
ويتناول المحور الأول من الدراسة مفهوم أدب الطفل الرقمي وجدله المصطلحي؛ فتستعرض تعريفات خولة بارة (2020) التي تربطه بالتقنيات التي وفرتها التكنولوجيا وبرمجيات الحاسوب بحيث لا يعرض إلا عبر الوسائط التفاعلية الإلكترونية، وفاطمة الزهراء (2021) التي تراه أدباً يزاوج بين الأدبية والتكنولوجيا ونتاجاً للحوسبة الإعلامية خاضعاً للبرمجة، وزهور كرام (2021) التي تصفه بأنه الأدب المترابط أو التفاعلي الذي يتم في علاقة وظيفية مع التكنولوجيا الحديثة ويقترح رؤى جديدة في إدراك العالم، وكزافيي مالبريل (2020) الذي يشترط فيه الاستعانة بالحاسوب في الكتابة والإبداع. وتستنتج الباحثة أن علاقة الأدب بالتكنولوجيا أفرزت مصطلحات كثيرة متداخلة مثل الأدب الرقمي والتفاعلي والإلكتروني واللوغاريتمي والويبي وأدب الشاشة والنص الفائق والمتفرع والمترابط، يوحي ظاهرها بالترادف لكن بينها فروقاً دلالية بسبب عامل الترجمة وتفاوت المعاجم، وأن هذه التسميات تلتقي جميعاً في أن هذا النوع من الكتابة الإبداعية لا يقدم إلا عبر وسيط إلكتروني ويتيح مساحة تفاعلية بين المبدع والمتلقي ويكون قابلاً لإعادة الكتابة عبر التفاعل. وترجح الباحثة، مستندة إلى حسين دحو (2017) وكريمة بلخامسة (2019)، مصطلح «أدب الأطفال الرقمي» لأنه مصطلح واقعي يعكس الجانب التقني بخصائصه من رقمنة وترابط وتفاعل ولوغاريتمية ووسائطية وتحريك وبرمجة وتشاركية، إذ إن سمة التفاعلية لا تقتصر على النصوص الإلكترونية فالطفل يتفاعل كذلك مع القصة الورقية والمسرح التقليدي.
ثم تفصّل الدراسة خصائص أدب الطفل الرقمي في ست خصائص كبرى: الرقمنة بوصفه نتاجاً للعمليات الحاسوبية والرياضية والمنطقية حيث تمثل الحروف الظاهر وتمثل الأرقام العمق المولد للتجليات النصية عبر عمليات الحذف والزيادة والاستبدال والترتيب؛ والتفاعلية وهي السمة الأبرز القائمة على المشاركة الفاعلة للطفل مع الروابط والعقد الإلكترونية بما يقلل التجول العقلي وينمي الذكاءات المختلفة؛ والترابطية إذ هو أدب مفتوح ومهجن ومتشعب يتضمن نصوصاً وأنساقاً مركزية وفرعية متفاعلة ينشط الطفل روابطها فيبقى في حالة تفكير دائم لربط الأحداث؛ والوسائطية لقيامه على الوسيط الحاسوبي وعلى الصوت والصورة والحركة والشاشة بما يجمع بين الوظيفتين الأدبية والوسائطية؛ والتحريك المبرمج فهو أدب ديناميكي مشهدي يقوم على النص والصوت والحركة أقرب إلى الفيلم السينمائي منه إلى النص الثابت؛ والبرمجة إذ يتولد النص الرقمي وفق منطق هندسي وتقني دقيق يسهم فيه شركاء رقميون وأدباء وقراء متفاعلون. وتبرز الدراسة أهمية أدب الطفل الرقمي في تنمية أذهان الأطفال وتحفيزهم على الابتكار بإمكانياته غير المحدودة، وتأثيره المباشر وغير المباشر في عقل الطفل ووجدانه، وتحقيقه سلسلة وظائف أهمها تأصيل القيم الخلقية والروحية والجمالية واللغوية والثقافية، وتنمية الذكاءات المختلفة ومنها الذكاء اللغوي، وإسهامه في النمو الاجتماعي والعقلي والعاطفي وتكوين ثقافة عامة للطفل.
ويخصص محور آخر للذكاء اللغوي أهميةً واستراتيجياتٍ؛ فتعرض الدراسة تعريفات سارة أبو الحمد (2015) له بوصفه القدرة على امتلاك اللغة واستخدام المفردات والتحليل اللفظي وفهم المجاز والاستعارة، وفاطمة مجيد (2015) بوصفه القدرة على استخدام اللغة الأم أو لغات أخرى للتعبير عما يجول في الخاطر وفهم الآخرين، وتستدل بدراسات بسمة هاشم (2011) وعلي فرح ورهام أنور (2015) ورائد رسم (2018) على أن الذكاء اللغوي يساعد الأطفال على زيادة مستوى أدائهم وتذكر المفردات اللغوية ورفع مستوى الفهم القرائي، ولذلك يعد من أهم أنواع الذكاءات لدوره في جميع عناصر العملية التعليمية لكون اللغة أداة التواصل الرئيسة. وتعرض الدراسة استراتيجيات عملية لتنميته منها: القصة بوصفها استراتيجية تدريسية حيوية لارتباطها باللغة وقدرتها على نقل الأفكار والمفاهيم والأهداف التعليمية بشكل مباشر، والأغاني والأناشيد وهي من أكثر الأنشطة المحببة التي تنمي الحصيلة اللغوية، والعصف الذهني لحث الأطفال على تأليف القصص والقصائد وتطوير المشروعات الجماعية، والتسجيل الصوتي لمساعدة الأطفال على تنمية مهاراتهم اللفظية في التواصل والتعبير عن المشاعر.
وخلصت الدراسة إلى مجموعة من النتائج أبرزها أن الأدب الرقمي بأشكاله المتنوعة يمكن أن يلعب دوراً حاسماً في عملية التعلم لا سيما بوصفه وسيطاً فعالاً لتنمية الذكاء اللغوي لدى أطفال المرحلة المبكرة؛ وأن القصص الرقمية أكثر فاعلية وجذباً للطفل وأقدر على استثارة مخيلته وتنمية ذائقته منذ مراحله الأولى؛ وأن الشعر بما يشتمل عليه من إيقاع ناجم عن موسيقى الوزن والقافية أكثر قدرة على التأثير في الأطفال وتحفيز ملكاتهم الإبداعية وبخاصة اللغوية وتزويدهم بحصيلة تمكنهم من إجادة مهارات التواصل وتنمية التعبير بالجسد والتركيز؛ وأن الأغاني والأناشيد وسائط ثبتت جدواها في تنمية مهارة التحدث وخلق مستمع جيد متذوق للفنون والآداب؛ وأن نصوص الأدب الرقمي الترابطية والتفاعلية والتشاركية تسمح للطفل بأن يصبح مشاركاً في صنع النص وإبداعه بدل الوقوف عند دور المتلقي السلبي؛ وأن المسرح الرقمي وسيط لا غنى عنه لإثارة دافعية الأطفال وتنمية مخيلتهم وتمكينهم من لعب الأدوار وتكوين الصور الذهنية، ويقدم مزيداً من التفاعل بين الأطفال والتقنيات المتعددة؛ وأنه يمكن الاستعانة بوسائط الأدب الرقمي في تبسيط مفاهيم منهج 2.0 الذي يركز على التعلم من أجل الحياة لا من أجل الامتحانات فحسب. وتكمن أهمية الدراسة نظرياً في تقديم إطار يتناول الذكاء اللغوي عند أطفال المرحلة المبكرة تعريفاً وطبيعة وأسساً نفسية ومؤشرات واستراتيجيات تنمية، والتعرف على الوسائل والتقنيات الحديثة في الأدب الموظفة لتنميته، وتطبيقياً في مساعدة المتخصصين بتوفير برنامج قائم على بعض أشكال أدب الطفل الرقمي لتنمية الذكاء اللغوي، وتوجيه نظر المعلمين إلى تنمية المهارات اللغوية من خلال التركيز على أنشطة الذكاء اللغوي، بما يجعلها إضافة عربية مهمة في حقل ما يزال بكراً هو توظيف الأدب الرقمي في تربية الطفولة المبكرة.
الورقة (PDF)
المصدر: ميار أحمد عبد الجواد محمد وآخرون، «أدب الطفل الرقمي وأثره في تنمية الذكاء اللغوي عند أطفال مرحلة الطفولة المبكرة»، مجلة جامعة مطروح للعلوم التربوية والنفسية، مج2، ع4، ج2، أكتوبر 2022، ص 110-132.