إشكالية الأدب التفاعلي

خلاصة الورقة
يتصدى هذا البحث لإشكالية من أكثر الإشكاليات حضورًا في الدرس الأدبي المعاصر، وهي إشكالية الأدب التفاعلي من حيث مفهومه وأساليبه ودور المتلقي فيه؛ إذ ترى الباحثة فايزة بنت مخلد العتيبي أن مفهوم الأدب التفاعلي يطرح إشكاليات عديدة احتلت مكانة بارزة بين الدارسين والباحثين، وأن هذا الأدب ما يزال موضع سجال بين القبول والرفض، حتى إن بعض النقاد والكتّاب يرفضون الأدب الرقمي جملةً. وتنطلق الدراسة من أن الأدب التفاعلي جنس جديد له خصائصه وأشكاله الأدبية الخاصة التي يختلف بها عن الأدب الورقي، وأنه لا يقدَّم لغةً فحسب، بل باللغة مضافًا إليها الوسائط من صور وأصوات وروابط وغيرها، وأن المتلقي فيه صار مشاركًا في عملية إنتاج القصص التفاعلية. وقد حددت الباحثة أهداف بحثها في دراسة طرق توظيف الوسائط (وبخاصة الفيديو) المستخدمة في الأدب التفاعلي وفي القصة التفاعلية بشكل خاص، ومعرفة الدور المخصوص للمتلقي في هذا الأدب. أما أهمية البحث فترجع عندها إلى عدة أمور: أولها أن الأدب التفاعلي ظل محل نقاش بين قبولٍ ورفض، وأنه لم يحظ بما يستحق من درس وتحليل على الرغم من أهميته، فضلًا عن أن الدراسات السابقة لم تتطرق إلى القصة التفاعلية على وجه التحديد. ويسعى البحث إلى الإجابة عن سؤالين مركزيين صرّحت بهما الباحثة: إلى أي مدى يتم توظيف الوسائط في الأدب التفاعلي؟ وما الدور الذي اكتسبه المتلقي في الأدب التفاعلي؟
وتقف الدراسة في مدخلها النظري عند فوضى المصطلح التي تحيط بهذا الجنس الأدبي الوليد؛ فترصد تعدد التسميات بين «النص المترابط» الذي شاع عند سعيد يقطين في كتابيه «من النص إلى النص المترابط» و«النص المترابط ومستقبل الثقافة العربية»، و«النص المتشعب»، و«النص المتفرع» وهي الترجمة التي وضعها حسام الخطيب لمصطلح الهايبرتكست واستحسنتها فاطمة البريكي في كتابها «الكتابة والتكنولوجيا»، و«الأدب الإلكتروني» الذي استخدمه دارسون منهم زهور كرام في كتابها «الأدب الرقمي: أسئلة ثقافية وتأملات مفاهيمية» وعز الدين مناصرة في «علم التناص المقارن»، فضلًا عن «النص الفائق» الذي عرّفه نبيل علي في كتابه «العرب وعصر المعلومات» بأنه أسلوب يتيح للقارئ وسائل عديدة لتتبع مسارات العبارات الداخلية بين ألفاظ النص وفق آلية القفز والتخطي بعيدًا عن خطية النص. وتعود الباحثة إلى الجذور الغربية للمصطلح فتذكر أن تيد نيلسون كان أول من أطلق مصطلح الهايبرتكست في ستينيات القرن العشرين، وأن فانيفار بوش يعد الأب الشرعي له بجهازه «ميمكس» الذي اقترح به التخلي عن الطرق التقليدية في القراءة والكتابة القائمة على الخطية، وتستحضر جورج لاندو الذي رأى أن نظرية النص الفائق تلتقي مع نظريات نقدية سابقة، وأن رولان بارت قدّم في كتابه S/Z بمفهوم الوحدات القرائية «اللكسيات» تصورًا يجعل النص القائم على الترابط امتدادًا له. وبعد استعراض التعريفات تنتهي الباحثة إلى تبني تسمية «الأدب التفاعلي» بوصفها الاصطلاح الأوفى لهذا النوع، متفقة في ذلك مع فاطمة البريكي التي تعرّف الأدب التفاعلي بأنه الأدب الذي يوظف معطيات التكنولوجيا الحديثة في تقديم جنس أدبي جديد يجمع بين الأدبية والإلكترونية، ولا يمكن أن يتأتى لمتلقيه إلا عبر الوسيط الإلكتروني، ولا يكون تفاعليًا إلا إذا أعطى المتلقي مساحة تعادل مساحة المبدع الأصلي أو تزيد عنها. كما تميز الدراسة الصورة والصوت في الأدب التفاعلي عن نظيريهما في السينما والتصوير الفوتوغرافي؛ فالصوت في الفن الرقمي معالَج بتقنيات خاصة، ومقاطع الفيديو فيه تختلف عن قص وسائل الإعلام، لأن السياق الفني هو الذي يحدد المعنى، وهو ما يقيم فرقًا بين الخطاب الرقمي والخطاب السينمائي.
وفي الفصل الأول الموسوم بـ«القصة التفاعلية نوعًا رقميًا» تعرض الباحثة أنواع الأدب التفاعلي: فالقصيدة التفاعلية نمط من الكتابة الشعرية لا يتجلى إلا في الوسيط الإلكتروني معتمدًا على التقنيات التي تتيحها التكنولوجيا الحديثة ومستفيدًا من الوسائط الإلكترونية المتعددة في ابتكار أنواع مختلفة من النصوص الشعرية يستطيع المتلقي أن يشاهدها عبر الشاشة وأن يتفاعل معها ويضيف إليها. والرواية التفاعلية تعد أهم أنواع هذا الأدب، وهي التي تعتمد على نص متشعب يستخدم في الإنترنت لجمع المعلومات النصية المترابطة مع النص الكتابي لتكوين الجداول والخرائط والصور الفوتوغرافية والأصوات والأشكال الجرافيكية، ويذكر جميل حمداوي أن لها شكلين هما الرواية الترابطية ورواية النص المترابط. والمسرحية التفاعلية مصطلح تستخدمه فاطمة البريكي للدراما التفاعلية بوصفها نوعًا جديدًا من الكتابة الأدبية يتجاوز الشكل التقليدي الأحادي للحدث الأدبي ويشترك المتلقي في تقديمه مشاركًا فيه، ولم يتوسع في الحديث عنه غيرها. ثم تخصص الباحثة القول في القصة التفاعلية فتعرفها بأنها نوع من أنواع الأدب التفاعلي يوظف الوسائل المعلوماتية من روابط وصور وأصوات وفيديو في إنتاج النص، ويجعل القارئ مشاركًا في إنتاجه بوساطة اختيارات متعددة المسارات. وتعرض تقسيم جميل حمداوي لها إلى ثلاثة أنواع: القصة التفاعلية باللعب التي تقوم على مشاركة المتلقي بألعاب وأنشطة تتقاطع مع القصة المحكية، والقصة المتفرعة التي تقوم على بنية النص الإلكتروني وتتيح للقارئ اختيار احتمالات متعددة لتطور السرد تتغير بها مآلات النص، والقصة الافتراضية التي توظف تطبيقات ألعاب الواقع الافتراضي فيدخل القارئ إلى القصة ويتقمص إحدى شخصياتها ويتدخل في تطور أحداثها. وتضيف الباحثة استقراءها الخاص للقصص التفاعلية المتداولة فتخلص إلى ثلاثة أنواع أخرى قائمة: قصص تُبنى من مقاطع تتضمن بدايات ونهايات متعددة يختار القارئ في كل مرة مقطعًا يتناسب مع سابقه، وقصص تُنشر على منصات التواصل الاجتماعي كفيسبوك وتويتر حتى اشتُقت من أسمائها تسميتا «القصة الفيسبوكية» و«القصة التويترية»، وقصص ذات وسائط تحتوي على مقاطع فيديو وصور وأصوات وروابط وتتيح للقارئ اختيار عدة مسارات وتتكون من عدة نهايات بحسب المسارات المختارة، وهذا النوع الأخير هو محور اهتمام الدراسة.
أما الفصل الثاني فتدرس فيه الباحثة دور المتلقي في القصة التفاعلية مستندة إلى جهاز نظرية التلقي كما بسطه روبرت هولب في كتابه «نظرية التلقي: مقدمة نقدية» بترجمة عز الدين إسماعيل؛ فتستعيد اهتمام هذه النظرية بثنائية النص والقارئ، وترى أن نظرية التلقي في الأدب التفاعلي تستمد أسسها من ثنائية النص التفاعلي والمتلقي، لأن التفاعلية علاقة بين الطرفين لا تتحقق إلا بوسائط سمعية أو بصرية أو نص مترابط. وتوظف الدراسة مفهوم «أفق التوقعات» أو «أفق الانتظار» عند ياوس بوصفه نظامًا ذاتيًا أو بنية من التوقعات يواجه بها الفرد أي نص، ومفهوم تغير الأفق الذي يقاس به الفارق الجمالي بين أفق التوقعات والعمل الجديد، كما تستدعي تصورات إيزر عن القارئ الضمني بوصفه بنية نصية معدة لإنتاج المعنى، وعن المعنى بوصفه محصلة للتفاعل بين النص والقارئ لا شيئًا جاهزًا معطى. وعلى هذا الأساس تحلل الباحثة انتقال المتلقي في الأدب التفاعلي من مستهلك إلى منتج مشارك في إنتاج النص، فكل متلقٍّ ينتج نصًا مغايرًا بحسب اختياراته للمسارات، وتضع للمتلقي الرقمي شروطًا ثلاثة: أن تكون له ثقافة رقمية، وأن يكون لديه تقبل للأدب الرقمي، وأن تتوافر لديه الوسائط. وتشير إلى أن القارئ الرقمي تتاح له بتقنية النص المترابط حرية تحديد نقطة البدء ونقطة الانتهاء في القراءة، وأن بعض النصوص الترابطية توظف طاقات تفاعلية إدماجية تجعل القارئ يتقمص شخصية تخييلية ويصبح شريكًا في عملية السرد، بل قد يتاح له تعديل الروابط أو إضافة بعضها فتخضع بنية النص لإعادة ترتيب لا يستأثر بها المؤلف وحده. وتخلص إلى أن أفق التوقع عند قارئ تعوّد نمط القصة الورقية يصطدم بما يجده في القصة التفاعلية من أصوات وموسيقى وصور ووسيط جديد غير الورق، وبهذا الاصطدام أو التوافق يتحدد الرفض أو القبول تبعًا لأفق كل متلقٍّ.
وتنتهي الدراسة إلى جملة من النتائج تجملها الخاتمة: أن الأدب التفاعلي جنس جديد له خصائصه وأشكاله الأدبية المختلفة عن الأدب الورقي، وأنه ظهر نتيجة التطورات التكنولوجية وخاصة المتعلقة بالحاسب الآلي، وأنه يقدَّم بالوسائط من صور وأصوات وروابط لا باللغة وحدها، وأن القصة التفاعلية ظهرت في ثلاثة أشكال هي القصة التويترية أو الفيسبوكية والقصة متعددة المؤلفين والقصة التفاعلية ذات الوسائط، وأن الاهتمام بالجانب الوسائطي في هذه الأخيرة قد يفوق الاهتمام بالجانب السردي، وأن المتلقي أصبح مشاركًا في عملية إنتاج القصة التفاعلية بحيث ينتج كل متلقٍّ نصًا مغايرًا باختياراته ومساراته، وأن النهايات تختلف في القصة التفاعلية نتيجة تعدد المسارات المتاحة للمتلقي، وأن للقصة التفاعلية أفق تلقٍّ خاصًا يحصل بالاصطدام معه أو التوافق الرفض أو القبول. وتكمن الأهمية العلمية للبحث في أنه من الدراسات العربية القليلة التي أفردت القصة التفاعلية، لا الرواية أو القصيدة، بالدرس المخصوص، مستدركةً بذلك على الدراسات التأسيسية عند سعيد يقطين وفاطمة البريكي وزهور كرام التي عُنيت بالمفهوم العام وبالرواية المترابطة، كما أنه يصل نظرية التلقي بحقل الأدب الرقمي وصلًا منهجيًا يختبر حدود صلاحية مفاهيم ياوس وإيزر في بيئة الوسائط المتعددة. وهو إذ صدر في مجلة كلية اللغة العربية بإيتاي البارود بجامعة الأزهر في عددها الخامس والثلاثين، يمثل إسهامًا أكاديميًا محكمًا من باحثة في قسم اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة الملك سعود في نقاش ما يزال مفتوحًا حول مشروعية هذا الجنس الأدبي وحدوده ومستقبل التلقي فيه، ويقدم للمكتبة العربية مادة منظمة تعين الدارسين على تبين الفروق بين المصطلحات المتزاحمة وعلى فهم التحولات التي أصابت مفهومي النص والقراءة في العصر الرقمي.
الورقة (PDF)
المصدر: مجلة كلية اللغة العربية بإيتاي البارود، جامعة الأزهر، العدد الخامس والثلاثون.