استغلال الذكاء الاصطناعي في الكتابة الإبداعية

خلاصة الورقة
تصدر هذه الدراسة عن الأستاذة الدكتورة أحلام بن الشيخ من قسم اللغة والأدب العربي ومخبر اللسانيات النصية وتحليل الخطاب بكلية الآداب واللغات بجامعة قاصدي مرباح ورقلة، وقد نُشرت في مجلة الذاكرة في مجلدها الثالث عشر، العدد الأول لسنة 2025، في الصفحات من 47 إلى 53، إذ أُرسلت في الرابع من يناير 2025 وقُبلت في السابع منه ونُشرت بتاريخ الخامس من يناير 2025. وتنهض الدراسة على إشكالية راهنة تفرضها التطبيقات الذكية التي تتقاذف أمام القارئ وتجذبه إلى عوالم ترخيه تماما عن التعامل مع الأدبيات المألوفة، مستغلة ما أُشبعت به من معلومات استحالت إلى خوارزميات تتعاطى بشكل معقد مع المطلوب منها في سياقات تعليمية وتثقيفية وترفيهية متعددة. ومن هنا تطرح الباحثة سؤالها المركزي: هل هذه التطبيقات بما تحتويه من ملامح «الأدب الروبوتي» كفيلة بحسم المسألة الأدبية الإبداعية تماما؟ أم إن علينا فعلا الخوض في مسألة إعادة النظر في مفهوم الإبداع في ظل أصالة الخوارزميات من عدمها، بما يتيح معطى جديدا يضاف إلى البعد الإبستيمولوجي في سبيل تحقيق غاية معرفية تتسق مع الراهن الأدبي، وتضع حدودا بين المعطيين الإبداعيين البشري والآلي، وتمنح الفرصة لديمومة طرف إزاء آخر. وتستعين الدراسة لمعالجة هذه الإشكالية بمنهج استدلالي معرفي يضع أمام المتلقي المعطيات الممكنة لفحص مدى قدرة الذكاء الاصطناعي على الاضطلاع بالمهمة الأدبية ومحاولة تجاوز قدرة العقل البشري الخلاق، وكشف ما يمكن أن يترتب عن الاستسلام الطوعي للتقنية في ظل ذلك، وتتمحور كلماتها المفتاحية حول الذكاء الاصطناعي والأدب والإبداع والملكية الفكرية.
وفي الإطار النظري التمهيدي تعود الباحثة إلى الجذور التاريخية للذكاء الاصطناعي، مذكّرة بأن الإبداع هبة الله في خلقه منذ تعرفت الخليقة على أسرار التواصل ولغات التخاطب وأدواته ووسائله، وبأن الإنسان عمل منذ الأزل على تطوير هذه الهبة متخذا من أسباب الزمن ومقتضيات المكان دوافع لتأمين واقع أفضل للبشرية، حتى توفر للعقل البشري ما يوفر عليه الجهد والوقت في قضاء حاجاته المعرفية، فلم يعد يفكر في النهوض من مقعده أو أريكته، إذ يكفيه أن يصفق بيديه حتى ينطفئ نور الغرفة أو يشتغل التلفاز أو تتوقف الحنفية، أو أن يأمر التطبيق الإلكتروني صوتيا حتى يكتب الرسالة عنه ويرسلها إلى وجهتها دون أي كلفة، فقد بات التسويق لمثل هذه الخدمات يتجاوز المعروض الاستهلاكي المادي في ظل هذه الثورة الخدمية المتعاظمة يوما بعد يوم. وترصد الدراسة أن تفاقم فكرة الاتكال على الآلة لأداء المهمات بات الشغل الشاغل للعلماء بشكل جدي منذ خمسينيات القرن العشرين، إذ تعود فكرة الذكاء الاصطناعي إلى الباحث جون مكارثي سنة 1956 حين تركزت أبحاث العلماء على كيفية منح الآلة صفة الذكاء البشري، ثم تُرجمت الفكرة في أول محاولة لبناء آلة ذكية يمكنها تقليد العقل البشري على يد العالم فرانك روزنبلات عام 1957 عندما وضع نموذجا مبسطا للشبكة العصبية يشبه إلى حد كبير الخلايا العصبية في الدماغ البشري. وتحيل الباحثة في هذا التأصيل على مراجع منها تقرير منظمة اليونسكو «الذكاء الاصطناعي: بين الواقع والأسطورة» الصادر سنة 2018، وكتيب نرمين مجدي عن الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة الصادر عن صندوق النقد العربي بأبوظبي سنة 2020، وكتاب آلان بونيه «الذكاء الاصطناعي واقعه ومستقبله» بترجمة علي صبري فرغلي ضمن سلسلة عالم المعرفة الكويتية، لتخلص إلى أن علم الذكاء الاصطناعي يهدف إلى فهم طبيعة الذكاء الإنساني عن طريق عمل برامج للحاسب الآلي قادرة على محاكاة السلوك الإنساني المتسم بالذكاء، وأن الكتابة ليست استثناء من قاعدة اكتساح هذا العلم للمجالات مع ظهور أدوات إنشاء النص مثل ChatGPT، متسائلة: هل يشكل تطوير مثل هذه الحلول خطرا على الكتّاب؟ وهل يجب أن نخشى استبدال المؤلفين بالذكاء الاصطناعي؟
أما في محور «واقع الكتابة ومقتضيات الحال» فتقف الدراسة عند ChatGPT بوصفه أداة مثيرة للاهتمام قادرة على كتابة المقالات الصحفية والرسائل والأغاني والقصائد وأجزاء من رموز الكمبيوتر وأغاني الأطفال والمحتوى التسويقي وحتى النشرة الإخبارية اليومية إذا ما توفرت له المعطيات الممكنة، فهو قادر على إنشاء مجموعة واسعة من النصوص وحل المشكلات البسيطة، وهي احتمالات قد تقود إلى الاعتقاد بأن مثل هذه الأدوات ستحل في نهاية المطاف ليس فقط محل الكتّاب بل محل الأشخاص العاملين في عالم الإبداع الفني بجميع أشكاله، غير أن الاعتقاد ما زال سائدا بأن لهذه الأدوات حدودها وأن علينا إتقان استخدامها للاستفادة منها فعليا. وفي محور «فاعلية الذكاء الاصطناعي» تؤكد الباحثة أنه على الرغم من الإمكانيات المثيرة للإعجاب التي توفرها أدوات دعم الكتابة، فإن ناقوس الموت لم يدق بعد للمؤلفين، فلا يزال أمام الكتّاب مستقبل مشرق لأن القدرة الإبداعية لأدوات إنشاء النص محدودة في الواقع؛ فهي تنتج نصوصا باستخدام البيانات والتعلم الآلي الذي يكون في معظم الأحيان بسيطا للغاية، إذ لم يتمكن هذا الوسيط الإلكتروني من التعبير عن حساسيته تجاه ما يحيط به، أو إبداء التعاطف، أو حتى التلميح ببوادر الذكاء العاطفي لصياغة التحليلات والحصول على عقل نقدي، ولا من إظهار الإبداع والخيال، ولا من الوصول إلى مرحلة تبادل الخبرات الحياتية، ولا من تبني أسلوب كتابة فريد من نوعه، مع أن كل هذه العناصر ضرورية للكاتب لإنتاج كتابة آسرة وأصلية وفريدة تثير اهتمام القراء؛ فقد تكون الآلات قادرة على إنتاج نصوص أكثر تعقيدا يوما ما، لكن العمل الفني يظل وسيظل من الصعب تقليده أو تجاوزه، كما أن عدم قدرة الأدوات على إعادة إنتاج مهارات بشرية معينة ليس العنصر الوحيد الذي يسمح بالقول إن الكتّاب لن يُستبدلوا على الفور بالذكاء الاصطناعي أو بالأشخاص الذين يريدون الارتجال كمؤلفين وتحقيق الربح بسهولة.
وتفصّل الدراسة في محور «إتقان الأدوات باستخدام الذكاء الاصطناعي» جملة المتطلبات التي تفرضها أدوات مثل ChatGPT على مستخدمها، ومنها: معرفة جيدة بعلم نفس الجمهور المستهدف للكتاب لتوجيه المحادثة بشكل صحيح باستخدام الأداة، ومعرفة كيفية التواصل بوضوح وتماسك وكتابة جمل صحيحة ومنظمة بشكل جيد، وفهم كيفية عمل خوارزميات التعلم الآلي لإنشاء استجابات نصية تلبي الاحتياجات، وإظهار الإبداع في الحوار مع الأداة لاستغلالها على النحو الأمثل، وامتلاك معرفة أساسية بالموضوع الذي يُبحث فيه، فضلا عن معرفة كيفية استغلال الإجابات التي يقدمها الذكاء الاصطناعي دون نسخها ومع التحقق المسبق منها، لأن هذه الأدوات غير معصومة من الخطأ وتعطي أحيانا إجابات تقريبية أو غير صحيحة. ثم تعرض الباحثة في محور «الذكاء الاصطناعي أداة دعم إبداعية للكتّاب» أوجه توظيفه في مراحل مختلفة من عملية إنشاء الكتاب إذا لم يتمكن من إنشائه من الألف إلى الياء، ومنها: اكتشاف اتجاهات السوق لتحديد الموضوعات التي يحتمل أن تنال إعجاب القراء المستقبليين، وتوليد أفكار حول مواضيع محددة وكتابة المسودات، وتصحيح الأخطاء الإملائية والنحوية إلى حد ما، والحصول على أوراق المعلومات الأساسية حول موضوع معين، وإنشاء نصوص بأساليب مختلفة من أجل توسيع الثقافة ومهارات الكتابة، والبحث عن أفكار لتنويع الكتابة، وإنشاء الملخصات والحوارات، والحصول على الأوصاف المناسبة للوضعيات، وتحسين صياغة الجملة أو العنوان، فالخيارات المتاحة لمساعدة المؤلفين عديدة ما داموا يعرفون كيفية استخدام الأداة. وفي محور «مسألة حقوق التأليف والنشر» تثير الدراسة أسئلة قانونية وأخلاقية دقيقة ترى أنها تثبت أن مهنة المؤلف لم تقل كلمتها الأخيرة: فلو طرح مؤلفون السؤال نفسه على الذكاء الاصطناعي واستولوا على النصوص من ChatGPT ونُشر نصان يحتويان على كثير من أوجه التشابه، فمن الذي ننسب إليه تأليف العمل؟ خاصة أن النصوص المولّدة مستوحاة من الموارد المتاحة ويمكنها تقليد أسلوب مؤلفين منشورين بالفعل أو تناول نموذج الأعمال الموجودة نفسه، وقد تكون النتيجة مذهلة لكن نشر مثل هذا النص يمكن أن يشكل مشكلة في النهاية.
وتختم الدراسة بمحور «حدود الذكاء الاصطناعي ككاتب»، حيث تقر بأن الذكاء الاصطناعي يتفوق في الإنتاج السريع للمحتوى النصي لكن حدوده حقيقية؛ فهو أولا ليس لديه وعي ولا ذكاء حقيقي على الرغم من فهمه الواضح للكون بجميع أشكاله، بل يعتمد في النمذجة على الارتباطات في البيانات التي استوعبها دون قدرة على الشعور بالعواطف أو فهم السياق الأخلاقي أو خلق تجارب حقيقية رغم مليارات الشهادات والقصص التي يجمعها على شبكة الإنترنت، في حين يعتمد الإبداع البشري غالبا على التجارب الشخصية والعواطف والمشاعر والتصور الفريد للعالم، إذ يبني الكتّاب القصص بناء على تفاعلاتهم مع الواقع وحدسهم وانعكاساتهم على الحالة الإنسانية، وهو ما يتجاوز الروابط المنطقية البسيطة بين البيانات التي لا يستطيع الذكاء الاصطناعي إعادة إنتاجها بشكل أصلي، على الأقل ليس بعد. وهو ثانيا قد يكون متحيزا لأنه يستمد «إلهامه» من مصادر بشرية قد تكون صحيحة وموضوعية ومتحققا منها، وقد تكون كاذبة أو ذاتية أو حتى نمطية، ولا يمتلك بعد القدرة على التصحيح الذاتي أو الاستبطان الذي يسمح له بالتغلب على هذا المأزق، على عكس المؤلف البشري الذي يقارن مصادره ويواجهها وينقحها بمرور الوقت تماما مثل أفكاره وأسلوبه. وتنتهي الباحثة في محور «نحو تعايش مثرٍ» إلى أنه على الرغم من أن الذكاء الاصطناعي سيعيد تعريف مشهد الكتابة والأدب، فمن غير المرجح أن يحل محل الكتّاب بالكامل، وأننا نشهد بدلا من ذلك ظهور عصر جديد من التعاون بين الإنسان والآلة يَعِد بأن يكون مستقبل الأدب في عصر الذكاء الاصطناعي تعايشا غنيا يكتب فيه الكتّاب البشريون وتقنيات الذكاء الاصطناعي معا الفصول التالية من تراثنا الثقافي. وتكمن أهمية هذه الدراسة في أنها تقدم للمكتبة النقدية العربية معالجة متوازنة ومكثفة لقضية بالغة الراهنية، تجمع بين التأصيل التاريخي للمفهوم والتشخيص العملي لإمكانات الأدوات وحدودها، وتضع أسسا تطبيقية لاستثمار التقنية في مراحل الكتابة المختلفة دون التفريط في أصالة الإبداع البشري وحقوق المؤلفين، بما يخدم الباحثين في النقد الأدبي والدراسات الرقمية وقضايا الملكية الفكرية على حد سواء.
الورقة (PDF)
المصدر: أحلام بن الشيخ، استغلال الذكاء الاصطناعي في الكتابة الإبداعية، مجلة الذاكرة، جامعة قاصدي مرباح ورقلة، مج13، ع1، ص47-53، تاريخ النشر: 2025-01-05.