استكشاف تصورات الذكاء الاصطناعي في التعليم: الكشف عن دور دافعية الطالب والمعلم وكفاءتهما الذاتية

خلاصة الدراسة
تنطلق هذه الدراسة من كون الذكاء الاصطناعي بات يؤثر تأثيرًا عميقًا في التعليم إلى حدّ يصفه بعض الباحثين بالثورة، في حين يظل ما نعرفه ضئيلًا عن كيفية إدراك طلبة المرحلتين الابتدائية والإعدادية للذكاء الاصطناعي في التعلم. وتهدف الدراسة إلى استكشاف دافعية الطالب والمعلم وكفاءتهما الذاتية وعلاقتهما بتصورات الطلبة للذكاء الاصطناعي في التعلم. وتشير المراجعات المنهجية الحديثة إلى أن البحث في الذكاء الاصطناعي في التعليم عند المستويات الدنيا ما يزال في طور النشأة، إذ إن مراجعة حديثة لمئة وخمس وخمسين دراسة تجريبية نُشرت بين عامي 2015 و2025 تبيّن أن معظمها في التعليم العالي، وتحدّد التعليمين الابتدائي والثانوي بوصفهما سياقين قليلَي البحث. وتعرّف الدراسة تصوّر الذكاء الاصطناعي في التعلم إجرائيًا بأنه المنفعة المدركة للطالب مقترنة بالنية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في التعلم، وتتناول الذكاء الاصطناعي بمعنى واسع بوصفه أي تطبيق قادر على دعم عمليات تعلم الطلبة في الحياة المدرسية اليومية دون حصره في تقنية بعينها.
يركّز الإطار المفاهيمي على متغيرات الطالب والمعلم معًا. فمن جانب الطالب، تستند الدراسة إلى نظرية تقرير المصير لراين وديسي في تناول الدافعية الداخلية، وتخصّ منها الدافعية الداخلية للتعلم بالوسائط الرقمية بوصفها المتعة والاهتمام والفضول المتعلقة بأنشطة التعلم المتضمنة للوسائط الرقمية، إذ تُعدّ أدوات التعلم القائمة على الذكاء الاصطناعي نوعًا خاصًا من الوسائط الرقمية يتطلب تفاعلات ومهارات وانفتاحًا مماثلًا. وتتناول كذلك الكفاءة الذاتية للتعلم بالوسائط الرقمية استنادًا إلى مفهوم باندورا، وتفترض أنها تدعم استكشاف أدوات الذكاء الاصطناعي وتقلّل حواجز استخدامها. وتضيف عاملي العمر والنوع، إذ تشير دراسات سابقة إلى انخفاض خطي في الدافعية الداخلية من الصف الثالث حتى الثامن، وإلى أن الأولاد يبلّغون عن مستويات أعلى من الكفاءة الذاتية والاهتمام بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات مقارنة بالفتيات. ومن جانب المعلم، تتناول الدراسة دافعية المعلم لدمج الوسائط الرقمية في التدريس وكفاءته الذاتية لذلك، بوصفهما عاملين قد يؤثران بصورة غير مباشرة في تصور الطلبة عبر التأثير في دافعيتهم.
أُجريت الدراسة في سياق برنامج واسع لتطوير المدارس يعزّز الرقمنة في المدارس الابتدائية في سويسرا الناطقة بالألمانية. وشارك فيها طلبة ومعلمو صفوفهم من اثنتي عشرة مدرسة ابتدائية وثلاث مدارس إعدادية تنتمي إلى خمس وحدات مدرسية. وبلغ إجمالي الطلبة 907 طلاب (466 أنثى و441 ذكرًا؛ 639 من الابتدائي و268 من الإعدادي) بمتوسط عمر 11.61 سنة (انحراف معياري 1.85)، مجمّعين في 53 صفًا (36 ابتدائيًا و17 إعداديًا) يدرّسهم 38 معلمة و15 معلمًا بمتوسط عمر 39.32 سنة وخبرة تدريسية متوسطها 14.43 سنة. وأُجريت الدراسة وفق معايير إعلان هلسنكي، وكانت المشاركة طوعية بموافقة مستنيرة مكتوبة من الطلبة والآباء، وجُمعت البيانات في ربيع 2023 عبر استبانات إلكترونية للطلبة والمعلمين استغرق ملؤها بين خمس عشرة وثلاثين دقيقة، مع ربط بيانات الطلبة والمعلمين عبر معرّفات مجهولة.
قيست دافعية الطالب الداخلية للتعلم بالوسائط الرقمية بمقياس من ثلاثة بنود (ألفا كرونباخ 0.86)، وكفاءته الذاتية بمقياس من ثلاثة بنود (ألفا 0.75)، وتصور الذكاء الاصطناعي في التعلم بمقياس جديد من ثلاثة بنود (ألفا 0.87) مصدّر بعبارة تشير إلى إمكان مساعدة آلة ذكية للطالب على التعلم عند تعثره، على سلّم من أربع درجات. وقيست دافعية المعلم لدمج الوسائط الرقمية في التدريس (ألفا 0.84) وكفاءته الذاتية لذلك (ألفا 0.87) بمقياسين من ثلاثة بنود مقتبسين من فوغت وزملائه على سلّم من ست درجات. ونظرًا لتعشيش الطلبة داخل صفوف يدرّسها معلمو صفوفهم، اعتُمد أسلوب نمذجة المعادلة البنائية متعددة المستويات المزدوجة الكمون الذي يتيح تفكيك تباين مقاييس المستوى الأول إلى تباين متصل بالصف (تأثير مناخ الصف) وتباين متصل بالطالب الفرد. وأُجريت التحليلات في بيئة R بحزمة lavaan باستخدام تقدير الإمكان الأعظم بأخطاء معيارية متينة لمعالجة انتهاك الاعتدالية.
بدأ التحليل بحساب الإحصاءات الوصفية ومعاملات ألفا وارتباطات بيرسون على المستويين، ثم أُجري تحليل عاملي توكيدي متعدد المستويات لفحص صدق البنية العاملية ثنائية المستوى مع فحص مؤشرات المطابقة ومتوسط التباين المفسّر والثبات المركّب ومعاملات الارتباط داخل الطبقة، ثم حُسب نموذج المعادلة البنائية متعددة المستويات واختُبر وفق قيم قطع محددة (CFI وTLI أكبر من أو يساوي 0.95؛ RMSEA أقل من أو يساوي 0.06؛ SRMR أقل من أو يساوي 0.08). وقد أظهر التحليل العاملي التوكيدي مطابقة جيدة للنموذج. ولم يُنمذج تصور الذكاء الاصطناعي وكفاءة الطالب الذاتية على المستوى الثاني لأن معاملات الارتباط داخل الطبقة لتصور الذكاء الاصطناعي بلغت صفرًا ولم تُظهر تباينًا بين الصفوف يُعتد به، في حين أظهرت دافعية الطالب تباينًا كافيًا بين الصفوف لنمذجتها على المستوى الثاني بوصفها متغيرًا تتنبأ به دافعية المعلم وكفاءته الذاتية وعمر الطلبة على مستوى الصف.
فيما يخص السؤال البحثي الأول المتعلق بدور الطالب، أظهرت النتائج أن دافعية الطالب للتعلم بالوسائط الرقمية ارتبطت ارتباطًا موجبًا دالًا بكفاءته الذاتية للتعلم بالوسائط الرقمية (β=0.43؛ p<0.001)، وأن هذه الدافعية على المستوى الفردي ارتبطت بتصور أكثر إيجابية للذكاء الاصطناعي في التعلم (β=0.29؛ p<0.001). كما أظهرت الفتيات كفاءة ذاتية أدنى للتعلم بالوسائط الرقمية مقارنة بالأولاد (β=−0.17؛ p<0.001)، بما يتسق مع نتائج سابقة حول الكفاءة الذاتية في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. ولم يظهر عمر الطالب الفردي أثرًا دالًا، لكن عمر الطلبة على مستوى الصف ارتبط سلبًا وبقوة بدافعية التعلم بالوسائط الرقمية على مستوى الصف (β=−0.91؛ p<0.001)، أي إنه كلما ارتفع صف الطلبة انخفضت دافعيتهم، وهو ما يوافق دراسات سابقة عن تراجع الدافعية الأكاديمية عبر السنوات الدراسية.
وفيما يخص السؤال البحثي الثاني المتعلق بدور المعلم، تبيّن أن دافعية المعلم لدمج الوسائط الرقمية في التدريس ارتبطت ارتباطًا موجبًا دالًا بكفاءته الذاتية لدمجها (β=0.86؛ p<0.001)، كما ارتبطت دافعية المعلم إيجابًا وبدلالة بدافعية الطلبة للتعلم بالوسائط الرقمية على مستوى الصف (β=0.71؛ p<0.01). ومن اللافت أنه عند ضبط الارتباط مع دافعية المعلم، ارتبطت كفاءة المعلم الذاتية لدمج الوسائط الرقمية سلبًا وبدلالة بدافعية الطلبة على مستوى الصف (β=−0.63؛ p<0.05). ويؤوّل الباحثون الأثر الموجب لدافعية المعلم بأنه قد ينعكس في مناخ صفي محفّز يرفع دافعية الطلبة للتعلم بالوسائط الرقمية، وهو ما قد يسهم بدوره في تصور أكثر إيجابية للذكاء الاصطناعي في التعلم على مستوى الطالب الفرد، مع تأكيدهم الحاجة إلى مزيد من البحث للتحقق من هذا الافتراض.
ويقرّ الباحثون بأن متغيرات أخرى قد تشكّل تصور الطلبة للذكاء الاصطناعي إلى جانب الطلبة والمعلمين أنفسهم، ولا سيما الآباء. فقد وجدت دراسات سابقة أن الخلفية الأسرية وتفاعلات الطالب مع المعلم ترتبطان بدافعية التعلم، وأن الآباء قد يؤدون دورًا محوريًا في تشكيل معتقدات الطلبة تجاه الوسائط الرقمية التي تُعدّ مقدمة مهمة لاستخدامها في التعلم، وأن الأطفال فوق سن الثامنة يكوّنون تصورهم لذكاء الوكيل تحت تأثير آبائهم إلى حد بعيد. غير أن الدراسة الحالية اختارت التركيز على متغيرات الطالب والمعلم. كما تبرّر الدراسة اعتمادها منظور مناخ الصف بوصفه طبقة سياقية مهمة في البيئة المدرسية، مشيرة إلى أن عوامل مدرسية إضافية كأنماط تفاعل الأقران وتعاون المعلمين والدعم البنيوي والتقني البيداغوجي قد تؤثر أيضًا، لكنها تتجاوز نطاق هذا التحقيق الأول الذي يتمحور حول العوامل الدافعية المتصلة بالطالب والمعلم.
وقد جاءت مؤشرات مطابقة التحليل العاملي التوكيدي متعدد المستويات جيدة، إذ بلغ مؤشر المطابقة المقارن 1.00 ومؤشر تاكر-لويس 1.01 وجذر متوسط مربع خطأ الاقتراب 0.00، وبلغ جذر متوسط مربع البواقي المعياري 0.04 على المستوى الأول و0.05 على المستوى الثاني، مع تحميلات عاملية معيارية مرتفعة. وتجاوزت قيم متوسط التباين المستخلَص العتبة الموصى بها 0.50 وقيم الثبات المركّب العتبة 0.70 عبر المقاييس، فبلغ الثبات المركّب لتصور الذكاء الاصطناعي 0.87 ولدافعية الطالب 0.85 ولكفاءته الذاتية 0.75 ولدافعية المعلم 0.84 ولكفاءته الذاتية 0.87. وبيّنت معاملات الارتباط داخل الطبقة أن تصور الذكاء الاصطناعي وكفاءة الطالب الذاتية لم يبلغا حد 0.1 اللازم لاعتبار المتغير لتفكيك التباين على مستويين، خلافًا لدافعية الطالب التي بلغت قيمها نحو 0.10 فأُدرجت على المستوى الثاني. وبلغ معامل التحديد لتصور الذكاء الاصطناعي على المستوى الأول 0.47 ولدافعية الطالب على المستوى الثاني 0.64، بما يعكس قدرة تفسيرية معتبرة للنموذج.
تخلص الدراسة إلى أنها من أوائل ما تناول تصورات طلبة المرحلتين الابتدائية والإعدادية للذكاء الاصطناعي، وتتميّز بمراعاتها متغيرات الطالب والمعلم معًا ضمن نمذجة معادلة بنائية متعددة المستويات. وتُبرز أهمية تعزيز الكفاءة الذاتية والدافعية للتعلم بالوسائط الرقمية، لا سيما لدى الطالبات، وضرورة وجود ديناميكية داعمة ومحفّزة بين المعلم والطالب لخلق تصور أكثر إيجابية للذكاء الاصطناعي في التعلم. وتوصي بترقية تصور إيجابي للذكاء الاصطناعي خصوصًا في المراحل المبكرة من التعليم، وباعتماد مقاربات مصمّمة بحسب الصفوف المختلفة، وبتنمية مهنية للمعلمين في محو أمية الذكاء الاصطناعي عبر تصميمات تعليمية مبنية على البحث. وتقرّ الدراسة بأن عوامل أخرى كالآباء وتفاعلات الأقران وتعاون المعلمين والدعم البنيوي والتقني قد تؤثر أيضًا في تصورات الطلبة، لكنها تقع خارج نطاق هذا التحقيق الأول الذي ركّز على العوامل الدافعية المتصلة بالطالب والمعلم.
الدراسة (PDF)
المصدر: Computers and Education Open، المجلد 10 (2026)، رقم المقال 100346، الناشر Elsevier، DOI: 10.1016/j.caeo.2026.100346.