الأدب الإلكتروني في ظل الذكاء الاصطناعي: رؤية استشرافية

خلاصة الورقة
هذه الورقة البحثية قدّمتها الباحثة رحاب رمضان عمر عبد السميع، من كلية الآداب بجامعة أسيوط بجمهورية مصر العربية، ضمن وقائع المؤتمر الدولي لطلبة الدراسات العليا في تعليم اللغة العربية وأدبها ولسانياتها (ICON-POSTALL: International Conference for Postgraduate Students in Teaching Arabic Language, Literature and Linguistics) الذي نظّمه برنامج الدراسات العليا لتعليم اللغة العربية بجامعة مالانج الحكومية بإندونيسيا في دورته الأولى سنة 2023، وقد عُقد المؤتمر عن بُعد في الخامس والعشرين من نوفمبر 2023 حول مستقبل اللغة العربية في عصر الذكاء الاصطناعي، ونُشرت الورقة في المجلد الأول من الوقائع (الترقيم الدولي الإلكتروني 3032-3940) في الصفحات من 439 إلى 451. وتنطلق الورقة من إشكالية مزدوجة صاغتها الباحثة في مستخلصها: فمن جهة أصبح الأدب الإلكتروني فرعًا قائمًا من فروع الأدب يُنشر ويُتداول بواسطة وسائط الاتصال الإلكترونية كأجهزة الحاسوب والإنترنت والهواتف الذكية والأجهزة المحمولة، وهو نوع حديث من الأدب يمنح الكتّاب والقراء فرصة المشاركة في العملية الإبداعية وتبادل الفنون والأفكار بسهولة وسرعة؛ ومن جهة أخرى فإنه رغم توفر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والوسائل اللازمة لانتشار هذا الأدب، فإن استشرافه في الوطن العربي لا يزال محدودًا جدًا، ويعود ذلك جزئيًا إلى عادات القراءة التقليدية والارتباط الوجداني بالكتاب الورقي، إضافة إلى نقص الترجمات ومشكلات الحقوق الفكرية وفقدان الثقة في جودة المحتوى الإلكتروني، وهو ما قد يكون له تأثير سلبي على انتشار الأدب الإلكتروني في الحقل الثقافي العربي. وخلاصة موقف الباحثة أن الأدب الإلكتروني يظل «فرصة مثيرة للاستكشاف» على الرغم من كل التحديات والمعوقات التي تواجهه.
ومن حيث الإطار النظري والمنهجي، اقتضت طبيعة الدراسة أن تكون دراسة تاريخية تنظيرية تبحث عن جذور مصطلح الأدب الإلكتروني وما مرّ به من مراحل مختلفة؛ فاعتمدت الباحثة المنهج التاريخي في النقد الأدبي، وهو منهج يستند إلى دراسة وتحليل التطور التاريخي للأعمال الأدبية والتأثيرات الاجتماعية والثقافية عليها، ويركز على فهم السياق الزمني والثقافي المحيط بالنص الأدبي وكيفية تأثيره في مضمونه وشكله، كما يسهم في توثيق الأدب والحفاظ على الثقافة والتراث الأدبي وتوفير معلومات قيمة للأجيال القادمة. ومهّدت الباحثة لدراستها برصد تأثر اللغة العربية بالحياة الرقمية والذكاء الاصطناعي في العصر الحديث، من ازدياد استخدام العربية على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والبريد الإلكتروني، وترجمة البرامج والتطبيقات والمواقع إلى العربية وما استتبعه ذلك من مصطلحات تقنية جديدة، إلى انعكاس حضور التكنولوجيا في الموضوعات والقضايا التي يتناولها الكتّاب العرب حيث تتزايد الأعمال الأدبية والروايات التي تعالج مفهوم الذكاء الاصطناعي وتأثيره على المجتمعات والبشر، فضلًا عن الإمكانات التي يتيحها الذكاء الاصطناعي للمبدعين في توليد أفكار جديدة وفريدة وإنشاء قصص وروايات تلبي اهتمامات القراء وأذواقهم. وقسّمت الباحثة دراستها إلى ستة محاور معلنة: الآلة الكاتبة وإسهامات آلة تورينج في توليد النصوص الأدبية، وأصول الأدب الإلكتروني ونشأته وتاريخه وأغراضه، والأدب الإلكتروني والتقنيات الرقمية المحيطة به، وأنواع الأدب الإلكتروني والفصل بين مفاهيمه، والنشر الإلكتروني وتحديات الأرشفة لمستقبل الأدب الإلكتروني، ثم الأدب الإلكتروني بين الماضي والحاضر وكيفية تلقيه عند الناطقين بغير اللغة العربية من طقوس الأدب في العصر الجاهلي حتى عصر الذكاء الاصطناعي.
في المحور الأول المخصص للآلة الكاتبة، تعود الباحثة إلى غوتنبرغ في منتصف القرن الخامس عشر واختراعه الطباعة بالحروف المعدنية المتحركة وما أحدثه من ثورة في المعلومات والمعرفة، وصولًا إلى إدخال التكنولوجيا والآلات إلى عالم الإنترنت، ثم تعرض مفهوم الشعر التوليدي بوصفه عملًا تعاونيًا بين المبرمج والخيارات والتحديدات العشوائية للحاسوب جنبًا إلى جنب مع العمليات الإجرائية، مستندة إلى كاترين هايلز في وصف الحاسوب مؤلفًا مشاركًا في العمل الأدبي عبر الذكاء الاصطناعي، ومستشهدة بأعمال تعاونية رائدة انتقل فيها الكمبيوتر من متعاون إلى منشئ مشارك. وتقف الباحثة عند آلة تورينج العالمية وأغراضها الثلاثة: الحاجة إلى آلة واحدة تحاكي الآلات الأخرى من خلال البرمجة، وإمكانية اعتبار الكتاب نفسه آلة تورينج قابلة للبرمجة تبقى فيها تقنية الكتاب مستقرة بينما البرمجة متغيرة، ثم محاكاة القراءة والكتابة والترميز وإعادة الترميز بما يفتح مساحة للعب الإبداعي بين المواد الافتراضية والوجود والغياب والتحدث والكتابة. كما تعرض شروط استخدام الذكاء الاصطناعي في السرد كما حددها ماتياس وسنجرز، من منهجيات بحثية تتناول أسئلة غنية ومعقدة بدورات تكرارية، وعمل فني متعدد التخصصات يعتمد على العلوم الإنسانية والتصميم، والتعرف على السرد باعتباره كوكبة غنية من الأفكار لإعلام تصميم النظام، وتختم المحور بالتأكيد على الفروق الجوهرية بين اكتساب الإنسان للمعارف وقدرته على إنتاج معارف جديدة بذكائه، واكتساب الآلات الكاتبة القدرة على التعلم الذاتي من مصادر المعرفة دون وسطاء، مشددة على أن الآلة مهما بلغت من ذكاء وتطور تبقى شيئًا ماديًا من صنع البشر لا يرقى إلى التفكير والإدراك اللذين يختص بهما الجنس البشري. وفي المحور الثاني عن أصول الأدب الإلكتروني، تربط الباحثة تاريخ هذا الأدب بتاريخ الحوسبة والشبكات وتبنّيها الاجتماعي، وتبرز دور منظمة الأدب الإلكتروني (ELO) في نشر المؤلفات والأعمال الأدبية الإلكترونية دون هدف ربحي، وريادة ستيورت مولثروب في تأليف الأدب الإلكتروني، ثم تتوقف عند الفجوة الرقمية بين الإضاءة الإلكترونية للمجتمعات العربية والمجتمع الدولي في البرمجيات ولغات البرمجة والتقنيات كالواقع الافتراضي والواقع المعزز، وندرة الأعمال المترجمة إلى العربية في هذا المجال باستثناء مقالات فرنسية قليلة ترجمها محمد أسليم، وتعرض تعريفات النص الإلكتروني والأدب الإلكتروني عند فاطمة البريكي وهايلز وغريغار وسوليفان، وتصنيف كاترين هايلز لأجيال الأدب الإلكتروني الثلاثة من جيل ما قبل الويب إلى الجيل الثالث القائم على تقنيات حديثة تخلق تجربة واقعية أكثر وضوحًا، وتفصّل أغراض الأدب الإلكتروني الخمسة ومنها الكشف عما نعرفه دون أن نعرف أننا نعرفه، وتنشيط حلقة ردود الفعل بين اللغة والأداء، وتشابك الإدراك الإنساني مع الإدراك الآلي عبر المعالجة الرقمية والتناظرية.
وفي المحور الثالث عن الأدب الإلكتروني والتقنيات الرقمية المحيطة به، تؤكد الباحثة الطبيعة التعاونية لهذا الأدب الذي ينتج من التفاعلات القائمة بين المؤلفين والمبرمجين والعمليات الحسابية والبرامج، بحيث لا يعود المبدع المنتج الوحيد للنص بل يصبح الإنتاج جماعيًا تعاونيًا، وهو ما يتطلب من الكاتب إتقان لغتين: لغة النص الأدبية نثرًا وشعرًا، ولغة البرمجيات الحسابية. وتبرز مركزية الصوت في التجربة الأدبية الإلكترونية استنادًا إلى جون باربر، بوصفه وسيلة للمعرفة والوجود تساعدنا على إعادة التفكير في تجاربنا العلائقية مع الآخرين، وتمثل للأدب العربي الإلكتروني القائم على الصوت والفيديو بتجربتي تميم البرغوثي ومحمد حبيبي، كما تعرض توزيع الإبداع بين المؤلف والحاسوب عبر خوارزميات نيك مونتفورت التي تحول بنوك البيانات إلى وظائف نحوية وتولد الكلمات عشوائيًا في خط شعري معين كما في قصيدة «تاروكو جورج»، وعبر إعادة استخدام التعليمات البرمجية والهياكل في الأعمال اللاحقة، وتخلص إلى أن البرنامج لا يفهم شيئًا من المحتوى الدلالي للمفردات لكنه يعرف هياكل البيانات وبناء الجملة والتعليمات البرمجية اللازمة. وتحدد سمات الكتابة الإلكترونية في سرعة ظهور المكتوب، وغزارة الإنتاج نتيجة سهولة التلقي وسرعة الاستهلاك والتعليق، والكتابة المركزة السريعة الرشيقة لملاءمة قراء يتصفحون الصفحات مسحًا لا قراءة، وتدعيم الموضوعات بالفيديو والصور، والإيجاز الذي فرضه عصر تويتر. أما المحور الرابع فيصنّف أنواع النصوص الإلكترونية من البريد الإلكتروني والمدونات والمقالات الإلكترونية والكتب الإلكترونية والرسائل القصيرة ووسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية والرسائل المباشرة، إلى جانب نصوص الهايبرتكست والهايبركارد وستوري سبيس والواقع المعزز والهولوجرام، ثم يميز ثلاثة أنواع كبرى للأدب الإلكتروني: الأدب الإلكتروني المحمول الذي ينقل عبر الأجهزة النقالة، وأدب الأشياء والحوسبة المادية مع التفريق بين الوسائط المتعددة الرقمية والإلكترونية، والأدب الإلكتروني غير المطبوع القائم على الارتباط التشعبي الذي يعده جورج لاندو وجاي ديفيد بولتر سمة مميزة تحرر القراءة والكتابة وتمكّن القارئ من اختيار مساراته عبر الروابط التي وظفها الكاتب، مع مناقشة الاعتراض القائل بأن تقنيات مماثلة عرفها الأدب المطبوع في الحواشي والإحالات المرجعية. وتشير خطة الدراسة كذلك إلى محوري النشر الإلكتروني وتحديات الأرشفة والتحدي البشري للحفاظ على النصوص الإلكترونية ووضع حلول لها، والأدب الإلكتروني بين الماضي والحاضر وتلقيه عند الناطقين بغير العربية.
وتنتهي الورقة إلى خاتمة استشرافية ترى أن الأدب الإلكتروني في ظل الذكاء الاصطناعي من المحتمل أن يقدم تجارب قراءة مختلفة ومبتكرة تجعل عملية القراءة تجربة متكاملة وتفاعلية، لكنه يثير في الوقت نفسه تساؤلات جادة حول تأثيره على الأدب التقليدي والطبيعة الإنسانية للكتابة؛ فالتكنولوجيا قد تخدم هذه المجالات بشكل كبير، لكنها قد تقلل أيضًا من الإبداع والتفاعل البشري، ولذلك ينبغي التفكير في كيفية الموازنة بين الفوائد والمخاطر المحتملة لضمان استفادة الأدب من التكنولوجيا بشكل إيجابي ومستدام، مع التأكيد الصريح على أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يحل محل الإبداع البشري والتفرد الذي يتمتع به الكتّاب والشعراء، وأنه يظل مجرد أداة مساعدة لهم لا بديلًا عنهم. وتكمن أهمية هذه الورقة في أنها تقدم رؤية استشرافية عربية من داخل محفل أكاديمي دولي لطلبة الدراسات العليا، وتوثق تاريخيًا مصطلح الأدب الإلكتروني ومراحله وأجياله بالاستناد إلى مراجع نظرية غربية مؤسسة كهايلز وريتبرغ وبولتر وباربر وغريغار وسوليفان إلى جانب مراجع عربية كفاطمة البريكي ونبيل علي ونعمات متولي، وتجسر بذلك بين النقد العربي والنظرية الغربية في حقل ما يزال فقيرًا في المكتبة العربية، كما تنبه صراحة إلى الفجوة الرقمية العربية في برمجيات الأدب الإلكتروني وترجماته وتدعو ضمنيًا إلى سدها، وهو ما يجعلها إضافة نافعة للباحثين في الأدب الرقمي العربي والمهتمين بمستقبل اللغة العربية وآدابها في عصر الذكاء الاصطناعي.
الورقة (PDF)
المصدر: وقائع مؤتمر ICON-POSTALL، جامعة مالانج الحكومية – إندونيسيا، مج1 ع1، 2023، ص439-451، E-ISSN 3032-3940.