راقمون

دراسات وأوراق علمية

الأدب التفاعلي وجماليات التلقي: فعل القراءة وإعادة بناء المعنى

4 يوليو، 2026
اسم المجلةمجلة مقاربات
المجلد07
العدد01
الصفحات49-56
تاريخ النشر1 يناير 2021

خلاصة الورقة

تتناول هذه الدراسة الموسومة بـ«الأدب التفاعلي وجماليات التلقي: فعل القراءة وإعادة بناء المعنى» للدكتورة فتيحة بلحاجي، الباحثة بالمركز الجامعي بمغنية في تلمسان بالجزائر، والمنشورة في مجلة مقاربات، المجلد السابع، العدد الأول، سنة 2021، في الصفحات من 49 إلى 56، نقطة الالتقاء الجوهرية بين الأدب التفاعلي ونظرية التلقي، وهي المكانة المركزية التي يحتلها القارئ في بناء المعنى. تنطلق الباحثة في توطئتها من أن النص الأدبي مرّ بمراحل هامة جعلته يمتطي صهوة الصدارة في تأثيث عوالم المناهج النقدية الحداثية، فمن الشفاهية نحو الكتابية أو التدوين وصولًا إلى الرقمية، ومن رحم التكنولوجيا وُلد ما يسمى بالأدب التفاعلي أو الرقمي الذي تجاوز نمطية الوسيط الورقي معتليًا مصاف الوسيط الإلكتروني في إنتاج النص وتقديمه للمتلقي، مزاوجًا بين اللغة والصوت والصورة والحركة. وترى أن الأدب التفاعلي يتفق مع نظرية التلقي في محاولة إبراز الدور الأساس الذي يؤديه المتلقي في عملية بناء المعنى، بعدما كسّرت هذه النظرية حاجز الصمت المطبق والتهميش الذي كان يعانيه المتلقي، فأمست السلطة للقارئ الذي يتخطى حدود البنية اللغوية المغلقة إلى عوالم وفضاءات واسعة من القراءة والتأويل. وتصوغ الدراسة إشكاليتها في سؤالين مركزيين صريحين: ما الدور الذي يؤديه المتلقي من أجل تحقيق سمة التفاعلية في النص الأدبي؟ وهل استحق القارئ السلطة التي مركزته فيها نظرية التلقي والأدب التفاعلي؟

أما الإطار النظري فيقوم على جمالية التلقي كما بلورتها مدرسة كونستانس الألمانية على يد هانس روبرت ياوس وفولفغانغ إيزر، وقد تولدت من رحم طروحات الحلقة اللسانية لبراغ، وكان هدفها الرد على المناهج النقدية السياقية والنسقية، إذ اعتبرت المتلقي عنصرًا فعالًا وحيويًا يقوم بينه وبين النص الجمالي تواصل وتفاعل فني ينتج عنهما تأثر نفسي ودهشة انفعالية ثم تفسير وتأويل فحكم جمالي. وتستند الباحثة في تحديد مفهوم الأدب التفاعلي إلى تعريف فاطمة البريكي في كتابها «مدخل إلى الأدب التفاعلي» الصادر سنة 2006، وهو أنه الأدب الذي يوظف معطيات التكنولوجيا الحديثة في تقديم جنس أدبي جديد يجمع بين الأدبية والإلكترونية، ولا يمكن أن يتأتى لمتلقيه إلا عبر الوسيط الإلكتروني، ولا يكون تفاعليًا إلا إذا أعطى المتلقي مساحة تعادل أو تزيد على مساحة المبدع الأصلي للنص، وتعلق على هذا التعريف بأن الاهتمام بالقارئ يعد خطوة مهمة في تبلور العملية الإبداعية وفقًا لنظرية التلقي؛ فمثلما أخذ المبدع حظه من الاهتمام في المناهج السياقية والنص في المناهج النسقية، جاء دور المتلقي الذي طالما هُمش وصُنف خارج سياق العمل الإبداعي. كما تفيد الدراسة من مرجعيات عربية وغربية وازنة منها نبيل علي في «الثقافة العربية وعصر المعلومات»، وميجان الرويلي وسعد البازعي في «دليل الناقد الأدبي»، وروبرت هولب في «نظرية التلقي: مقدمة نقدية»، وترجمة حميد لحميداني والجيلالي الكدية لكتاب إيزر «فعل القراءة»، إضافة إلى ناظم عودة وعبد الكريم شرفي وسامي إسماعيل ورحمن غركان.

تتوزع الدراسة على محاور مترابطة؛ ففي محور «المتلقي مبدعًا» تبين الباحثة أن من الشروط التي لا بد أن يلتزم بها الأدب التفاعلي في عمليتي الإنتاج والتلقي أن يعترف بدور المتلقي في بناء النص وأن يحرص على تقديم نص حيوي تتحقق فيه روح التفاعل، فالأدب التفاعلي يقدم نصًا مفتوحًا عبر الشاشات الزرقاء يحتضنه المتلقي كاسرًا حواجز النمطية وحدود القراءة المسبقة، ليكون قارئًا مبدعًا متحكمًا في أفق التوقع، وتستشهد بالمثال الذي أوردته البريكي عن الكتابة الجماعية: يبدأ المبدع بكتابة قصة قصيرة على موقعه فيكتب جزءًا، فيأتي متلقٍّ يرسم مشهدًا لهذا الجزء، وآخر يسجل مقطعًا موسيقيًا، ثم يكتب متلقٍّ آخر جزءًا ثانيًا، إلى أن يأتي ناقد يقترح تعديلًا أو نهاية أخرى، فنكون أمام كتابة جماعية للنص الأدبي رواية كان أو قصة أو مسرحية أو قصيدة يتشارك فيها المؤلف والقارئ. وفي محور «وجهة النظر الجوالة» تعرض لهذا المفهوم الإجرائي الذي وظفه إيزر، ومؤداه أن القارئ يجول في النص فلا يمكن أن يفهمه دفعة واحدة، بل عبر المراحل المختلفة والمتتابعة للقراءة بدءًا من البنيات الظاهرة وصولًا إلى البنيات الخفية التي تشكل بنيات الغياب في النص، فالتفاعلية ليست في التلقي الأولي بل في الجولات الاستكشافية التي يقوم بها القارئ ليلمّ بالنص من جوانبه المختلفة ويضيف إليه ما يراه مناسبًا. وفي محور «المتلقي وأفق التوقع» توضح أن ياوس بنى مشروعه النقدي على ركيزة أساس تكمن في المتلقي وعلاقته بالنص وكيفية تلقيه، وأن أفق الانتظار هو الأداة المنهجية المثلى التي تمكن النظرية من فهم الظاهرة الأدبية في أبعادها الوظيفية والجمالية والتاريخية، ومن التمييز بين تلقي الأعمال في زمن ظهورها وتلقيها في الزمن الحاضر، مستشهدة بمقولة هولب إن الأعمال الأدبية الجيدة وحدها القادرة على جعل أفق انتظار قرائها يُمنى بالخيبة، أما الأعمال البسيطة التي ترضي آفاق انتظار جمهورها فمآلها الاندثار السريع.

وفي محور «فعل القراءة والاستجابة الجمالية» تعرض الدراسة لطرح إيزر الذي استهل إجراءاته النقدية بقضية التفاعل بين النص والقارئ متأثرًا بالظاهراتية، حيث ميز في العمل الأدبي بين قطبين: القطب الفني وهو نص المؤلف المتحقق عبر النسيج اللغوي وما يتضمنه المؤلف في نصه، والقطب الجمالي وهو التحقق الذي ينجزه القارئ عبر عملية القراءة، والعمل الأدبي لا سبيل إلى تحقيقه إلا من خلال التفاعل المتبادل بين نص المؤلف والقارئ؛ فالقراءة فعل جمالي وملتقى تأويلات ودلالات تندرج في نسق قيمي ومعياري لجماعات اجتماعية معينة مشروطة بظروف تاريخية معطاة. وفي محور «القارئ مؤولًا ومستويات المعنى» تبين أن المعنى لا يتأتى للقارئ دفعة واحدة وإنما عبر جملة من القراءات الممكنة ومستويات متفاوتة بفعل الإدراك الجمالي، بالانتقال من المستوى الخلفي أي السياق المرجعي والمعرفة المسبقة إلى المستوى الأمامي وهو النص، مستحضرة مقولة مادان ساروب إن الكاتب يموت بمجرد إنتاج نصه ليحيا قارئه ويخلد نصه بديمومة قراءته ودخوله في تناص لا نهائي مع ما سبقه وما يلحقه من نصوص. أما محور «مواقع اللاتحديد» فتعرض فيه لما يسمى أيضًا الفجوات أو الفراغات أو المسافة البيضاء، وهي الأماكن الفارغة التي يلج عبرها القارئ إلى النص مشكلًا علاقة حوارية تفاعلية معه من أجل إعادة بناء المعنى وبلوغ القيمة الجمالية، فعملية ملء الفراغات التي تحدث عنها إيزر هي التي تكسب النص الأدبي طبيعته الحركية وتجعله كائنًا متغيرًا ومتجددًا من قراءة إلى قراءة، وهو ما قرره أيضًا أرباب النص المتفرع والأدب التفاعلي حين أكدوا عدم قدرة النص على الوجود بمعزل عن المتلقي المشارك في العملية الإبداعية.

وتخلص الدراسة في خاتمتها المعنونة بـ«نافلة القول» إلى أن ظهور الأدب التفاعلي أدى إلى ولادة أجناس أدبية جديدة كالرواية التفاعلية والقصيدة التفاعلية والقصة التفاعلية والمسرحية التفاعلية، وأن مصطلح التفاعلية بات عميقًا في تعبيره عن أبعاد متعددة منها أثر المتلقي في إعادة إنتاج النص وتوجيهه بالقراءة وإعادة إبداعه بالتأويل، وأن التفاعل عملية تواصلية تتم في المستوى الفني بين نص قادر على أن يستوعب قارئه وقارئ قادر على أن يستوعب هذا النص، وأن من أهم مقولات نظرية التلقي مبدأ إعلاء شأن المتلقي ومنحه السلطة في تأويل النص والتحكم في بناء معناه وإعادة إنتاج دلالاته، فمقولة القارئ بوصفه مكونًا أساسيًا في العملية الإبداعية ومحورًا للعملية القرائية هي الرابط الجامع بين نظرية التلقي والأدب التفاعلي، وبذلك تم تنصيب القارئ سيدًا للعملية الإبداعية الرقمية، وتلخص الباحثة هذه العلاقة في مخطط يجمع عناصرها من القارئ المبدع وثنائية المتلقي والنص وأفق الانتظار والنص المفتوح والاستجابة الجمالية وسد الفجوات والتأويل وإعادة بناء المعنى. وتكمن الأهمية العلمية للدراسة في أنها تقدم قراءة تركيبية مركزة تربط جهاز المفاهيم الإجرائية لنظرية التلقي بمعطيات الأدب الرقمي العربي الناشئ، فتبرهن على أن الثورة التكنولوجية وفرت للنظرية النقدية بيئة مناسبة ترى فيها آراءها النظرية حقيقة ماثلة، وتفيد الباحثين في النقد الحديث والأدب الرقمي وطلبة الدراسات الأدبية في فهم التحول من سلطة المؤلف والنص إلى سلطة القارئ في الفضاء الإلكتروني.

الورقة (PDF)

تحميل / فتح الملف (PDF)

المصدر: فتيحة بلحاجي، «الأدب التفاعلي وجماليات التلقي: فعل القراءة وإعادة بناء المعنى»، مجلة مقاربات، المجلد 07، العدد 01، 2021، ص 49–56.

Scroll to Top