الأدب الرقمي / أدب الإنترنت: دراسة تحليلية نقدية (العراق أنموذجًا)

خلاصة الورقة
يقدم هذا البحث دراسة تحليلية نقدية لظاهرة الأدب الرقمي أو أدب الإنترنت متخذًا من العراق أنموذجًا لها؛ إذ يرى الباحث خلدون كاظم هاشم مصطفى الموسوي أن هذا الأدب الذي ظهر وتطور بتطور التكنولوجيا ووسائلها ظاهرة قديمة بثوب حديث جديد، بدأت بالتوسع والانتشار على نطاق العالم منذ ثمانينيات القرن الماضي، ثم انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي انتشارًا كبيرًا، حتى صار لها في العراق على وجه الخصوص جمهورها ومريدوها ومتابعوها، وترك كثير من الأدباء من شعراء وروائيين وقصاصين القلم والورقة ولجؤوا إلى الحاسبة الإلكترونية والشاشة ومواقع التواصل والمكتبات الإلكترونية لإيصال رسالتهم وما يجول في خواطرهم من هموم وأحزان وآمال بأسرع ما يمكن إلى المتلقي. وتتحدد إشكالية البحث في أسئلة صريحة: ما الأدب الرقمي أو أدب الإنترنت أو الأدب التفاعلي كما يطلق عليه؟ وما أنواعه؟ ولماذا أطلق عليه هذا الاسم؟ وما سبب انتشاره بسرعة كبيرة؟ وما أهم المزايا والإيجابيات فيه وأهم المعايب والعيوب التي تشوبه؟ ويشير الباحث منذ مقدمته إلى رأي جميل حمداوي في كتابه «الأدب الرقمي بين النظرية والتطبيق» من أن هذا الأدب لا يعد جديدًا على الإطلاق، لأنه ارتبط فيما مضى بوسائط تقنية أخرى غير الحاسوب كالشاشة والفيلم والسينما والهاتف.
يعرض البحث في قسمه المفاهيمي طائفة من التعريفات التي وضعها رواد الدرس الرقمي العربي؛ فيبدأ بالدكتور مشتاق عباس معن الذي يعده الرائد الأول في العالم العربي في القصيدة التفاعلية، وتعريفه أن الأدب الرقمي هو «النص الذي يستعين بالتقنيات التي وفرتها تكنولوجيا المعلومات وبرمجيات الحاسب الإلكتروني لصياغة هيكليته الخارجية والداخلية، والذي لا يمكن عرضه إلا من خلال الوسائط التفاعلية الإلكترونية كالقرص المدمج والحاسب الإلكتروني أو الشبكة العنكبوتية». ثم يورد تعريف السيد نجم: «كل نص ينشر نشرًا إلكترونيًا سواء كان على شبكة الإنترنت أو على الأقراص المدمجة أو عبر الكتاب الإلكتروني أو البريد الإلكتروني وغيره من وسائل النشر الإلكترونية، متشكلًا على نظرية الاتصال في تحليله وعلى فكرة التشعب في بياناته»، ويعده الباحث تعريفًا دقيقًا واضحًا شاملًا. ويستشهد بتعريف فاطمة البريكي في كتابها «مدخل إلى الأدب التفاعلي» بأنه نمط من الكتابة الشعرية لا يتجلى إلا في الوسيط الإلكتروني معتمدًا على التقنيات التي تتيحها التكنولوجيا الحديثة ومستفيدًا من الوسائط المتعددة في ابتكار أنواع مختلفة من النصوص تتنوع في أسلوب عرضها وطريقة تقديمها للمتلقي. ثم يقف عند الناقد أمجد حميد عبد الله الذي كان شاهدًا ومراقبًا على ولادة أول قصيدة رقمية عراقية عربية للشاعر مشتاق عباس معن بعنوان «تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق»، وتعريفه أن الأدب التفاعلي هو الذي يوظف معطيات التكنولوجيا الحديثة في تقديم جنس جديد يجمع بين الأدبية والإلكترونية ولا يتأتى لمتلقيه إلا عبر «الشاشة الزرقاء»، ولا يكون تفاعليًا إلا إذا أعطى المتلقي مساحة تعادل أو تزيد على مساحة المبدع الأصلي للنص. ويختم الباحث بتعريف الكاتبة المغربية زهور كرام الذي يراه الأوسع والأشمل: مؤلف النص الرقمي يستثمر وسائط التكنولوجيا الحديثة ويشتغل على تقنية النص المترابط موظفًا مختلف أشكال الوسائط المتعددة، ويؤلف بين مجموعة من المواد هي اللغة والصوت والصورة والوثائق ولغة البرامج، لينتج للمتلقي حالة نصية تخييلية غير خطية لا يتحقق نوعها وجنسها التعبيري إلا مع القارئ.
وينتقل البحث إلى ما يسميه «فوضى المصطلحات والمسميات»؛ فبعد البحث والاطلاع وجد الباحث كثرة ووفرة في المصطلحات التي تطلق على هذا الأدب: الأدب الرقمي، والأدب التفاعلي، وأدب الشاشة، وأدب الإنترنت، وأدب الصورة الرقمية، والأدب الآلي، وغيرها كثير، موضحًا أن هذا التعدد ليس اعتباطًا، بل يعود إلى أن كل باحث وكاتب يفضل التسمية التي تناسب موضوع بحثه وتفهم في بلده ومجتمعه. ويؤرخ لانتشار مصطلحي الأدب الرقمي وأدب الإنترنت في فرنسا أولًا من عام 1980 إلى ما بعد عام 1990، في حين شاع في الولايات المتحدة مصطلح «النص المترابط أو المتشعب» لأن النص الأدبي فيه يترابط مع مجموعة من النصوص التفاعلية التي تتحقق من خلال الحاسوب، وفضلت دول أوروبا مصطلح «أدب الصورة» أو الأدب «الديجيتالي» المحيل على الصورة الرقمية، كما انتشر مصطلح «السايبرنتفي» القائم على البرمجة الذاتية والآلية، إضافة إلى «أدب الصحافة أو الأدب الإعلامي» الذي يعتمد على خصوصية الوسيط الإعلامي، و«أدب الهاتف» الذي تنتجه الهواتف الذكية بما تحمله من برمجيات وأنظمة إلكترونية. ثم يفصل البحث أسباب انتشار هذا الأدب في المجتمعات الغربية والعربية والعراقية خاصة، ويحصرها في التطور التكنولوجي الهائل في العالم الغربي، وإسهام الجامعات الغربية والندوات والملتقيات والمهرجانات والجمعيات العلمية والصحف العالمية في دراسته وتحقيقه وتوثيقه وأرشفته، وروح المعرفة والعلم والتعلم والقراءة والاطلاع على كل جديد، وسهولة الحصول على المطلوب من شبكة المعلومات والإفادة من أدب الغربيين شعراء وروائيين ونقادًا، حتى لعب الأدب الرقمي دورًا كبيرًا في التزاوج بين الثقافات كافة. ويرى الباحث أن الأدباء والشعراء والنقاد العراقيين لعبوا دورًا بارزًا في انتشار الظاهرة في العصر الحديث بنشرهم ما كتبوه على مواقع التواصل من كل أنواع الأدب العربي، ويعد ذلك سمة وميزة إيجابية انفرد بها أدباء العراق وهم ينشرون أشعارهم وأفكارهم وهواجسهم وآلامهم بوصفها انعكاسًا للمجتمع وما يعانيه.
ويقف البحث عند خصائص هذا الأدب ومميزاته؛ فمن أبرزها أنه أخذ مساحة واسعة وشاملة في الثقافة وأثر في المجتمعين الغربي والعربي عبر سهولة تصفح الكتب الرقمية والبحث في المكتبات العلمية والأدبية المتاحة على الشبكة، وأن أركانه الأساسية ثلاثة: الكاتب والنص والقارئ أي المتلقي الجالس خلف «الشاشة الزرقاء»، وأن طريقة بناء النص الأدبي التفاعلي وعرضه ونشره وقراءته تتناسب مع ذوق القارئ العصري المجبر على التأقلم مع معطيات الحياة الحديثة وأهمها التعامل مع التكنولوجيا الرقمية. ثم يستعرض آليات النشر الرقمي التفاعلي وأوسعها انتشارًا: موقع فيسبوك الذي يعده من أشهر مواقع التواصل ومنبرًا مهمًا لنشر الإبداع الأدبي بكافة أنواعه وللقاء المباشر بين الكاتب والجمهور، وفيه صفحات أدبية ومكتبات غنية بالكتب العلمية والأدبية يفيد منها القراء وأصحاب الأقلام في تنمية مواهبهم، وإن كان يؤخذ عليه كثرة الصفحات الوهمية التي تنسب زورًا إلى أشخاص وأدباء وعلماء بما يمس عامل الثقة فيه؛ والدوريات الإلكترونية التي تشمل المجلات العربية والأجنبية والجرائد المتخصصة في الأدب العربي الصادرة أسبوعيًا أو شهريًا؛ وموقع يوتيوب المختص بنشر المنتوجات الفيلمية والذي يستغله الأدباء والكتاب والشعراء للترويج لأعمالهم التي نوقشت وصورت عبر البث المباشر والندوات والمؤتمرات؛ والبريد الإلكتروني الذي يسهم في نشر الأعمال بقدر أقل لكنه مهم من ناحية الخصوصية والأمان بين الناشر والمتلقي إذ يحفظ حقوق النشر ولا يُتجاوز عليه أو يُنتحل؛ وغرف الدردشة التي تتيح تواصلًا مباشرًا بين الكاتب والقارئ في نشر محدود الاتجاهات؛ وأخيرًا الكتاب الرقمي الإلكتروني بوصفه وسيطًا فعالًا في نقل المعلومات وحفظها يشبه الكتاب الورقي من حيث وجود الموضوع والنص الأدبي.
أما المآخذ والعيوب فيجملها الباحث في أنه لا يمكن التسويق للأدب الرقمي على حساب الأدب المكتوب على الورق لمجرد أنه جديد ومبهر ومريح وسهل الاستعمال، فالكتاب الورقي ما زال صامدًا ومنافسًا قويًا في ظل الثراء التكنولوجي وضمانًا مهمًا لاستمرار الإنتاج الأدبي؛ وفي صعوبة الحفاظ على حقوق الملكية الفكرية في الفضاء الرقمي؛ وفي أن «من هبّ ودبّ» صار يكتب وينشر وينقد بكل حرية واسترسال دون مراقبة وبلا قيد أو شرط، بما ينعكس سلبًا على الأدب بكل عناصره وأعلامه؛ وفي اعتماد وسائل التواصل على الترويج وانتشار البعض على حساب البعض الآخر حتى وإن قدم إبداعًا أقل جودة، بما يعكس صورة مشوهة عن هذا الأدب. وينتهي البحث إلى نتائج أبرزها أن الأدب الرقمي التفاعلي أدب مهم ومتميز في العصر الحديث له خصاله وإيجابياته وله سلبياته وله صيته ومريدوه «شئنا أم أبينا»، وأنه يحوي الغث والسمين والبقاء فيه للأفضل، ومن فضائله إحياء ذكر الدفين من المشاهير والمبدعين والاطلاع على ما كتبوه، وسهولة رؤية الأفكار وعرض المواهب حتى لم تعد القراءة حكرًا على المثقفين وحدهم، غير أن ما يكتب على الورق يبقى الأكثر تكاملًا ومنهجية وعلمية ودقة في إيصال المعنى والفكرة، ويبقى الكتاب الورقي هو الأساس والمصدر الأصلي المهم للكاتب والحافظ لحقوق من كتب وألف، في حين تظل حقوق الملكية في الأدب الرقمي ضائعة ومبهمة. كما يؤكد أن الأدب الرقمي انعكاس لواقع التطور في المجتمعين الغربي والعربي ونتيجة للتطور التكنولوجي والحاسب الإلكتروني، إلا أنه يبقى في تقديره «أدبًا غير متكامل»، وأنه يلعب دورًا كبيرًا ومؤثرًا في الساحة العراقية المفتوحة الآفاق في إيصال رسالة الأديب والمفكر وفكره إلى المتلقي. وتتمثل أهمية هذه الدراسة في أنها توثيق أكاديمي مبكر نسبيًا للظاهرة الرقمية في سياقها العراقي الخاص، وأنها تجمع بين عرض المفاهيم المتداولة عند رواد الدرس الرقمي العربي من أمثال مشتاق عباس معن وفاطمة البريكي وزهور كرام وجميل حمداوي، وبين تشخيص نقدي صريح لواقع النشر الأدبي الرقمي ومنصاته وعيوبه، وقد صدرت في المجلة الدولية للعلوم الإنسانية والاجتماعية في عددها الثامن والعشرين سنة 2021 بمعرف رقمي موثق، مما يجعلها مدخلًا صالحًا لكل دارس يريد تتبع حضور الأدب الرقمي في المشهد الثقافي العراقي المعاصر.
الورقة (PDF)
المصدر: المجلة الدولية للعلوم الإنسانية والاجتماعية (IJoHSS)، العدد 28، 2021، ص 28–36، DOI: 10.33193/IJoHSS.28.2021.348.