الأدب الرقمي: خصائص النص ومميزات القارئ

خلاصة الورقة
يعالج هذا المقال العلمي المحكم، الذي أعده الباحث ميلود شنوفي من جامعة أمحمد بوقرة ببومرداس بالجزائر ونشرته «مجلة النص» في مجلدها العاشر (العدد الأول، جوان 2023، الصفحات 580-600)، إشكالية محددة أفرزها عصر التقنية وزمن العولمة؛ فقد خلّف تزاوج التكنولوجيا العصرية وأشكال التعبير الأدبي والفني ميلاد جنس أدبي هجين صار يسمى «الأدب الرقمي» عند بعض النقاد و«الأدب التفاعلي» و«الأدب الإلكتروني» عند آخرين، وهو جنس تجاوز في طريقة كتابته ونشره وقراءته الوسائط التقليدية من كتاب ومجلة إلى وسائط تكنولوجية ورقمية حديثة قائمة على تقنيات برمجية وتفاعلية صارت بديلاً لنشر الثقافة والفنون والآداب ونقدها. ويطرح المقال إشكاليته في أسئلة مترابطة: ما ماهية هذا الجنس الجديد؟ وما خصائصه البنائية التي تجعله مختلفاً عن المعروف والشائع من أجناس التعبير الأدبية؟ وما مميزات قارئه والوظائف المنوطة به؟ وهل من خصوصية ثقافية أو معرفية لقارئ هذا الجنس؟ وتروم عناصر الإجابة بسط القول فيما قدمته نظرية الأدب الرقمي التي بدأت ملامحها تتشكل عبر ما يقدمه النقاد والأدباء حول مفهوم الأدب الرقمي وخصائصه البنائية ومميزات قارئه ووظائفه، بما يعين على كشف خصوصية البناء الفني في هذا الجنس التعبيري المستحدث والتي تمنحه أحقيته في الوجود وشرعية تصنيفه ضمن أجناس الأدب. ويسير المقال في خطة منهجية من خمسة محاور: مفهوم الأدب الرقمي، ومفهوم الأدب التفاعلي، وخصائص الأدب الرقمي، والقارئ الرقمي مميزاتٍ ووظائف، ثم الخاتمة.
يرصد المحور الأول صعوبة واضحة في صياغة تعريف يحقق الإجماع حول مفهوم الأدب الرقمي؛ فهو في جوهر التحديد إحالة على النص الأدبي الذي ينتفع إلى أقصى حد من التكنولوجيا وتطبيقاتها عبر وسيط إلكتروني قادر على أن يكون مكوناً أصيلاً بين المبدع والنص والمتلقي في وقت واحد وضمن فضاء رحب لحرية المشاركة في العملية الإبداعية، وهو تعريف يراه الباحث قاصراً لأنه لا يحدد البنى التكوينية لهذا الأدب ولا يشير إلى أبعاده الجمالية. وتعرّفه الناقدة الإماراتية الرائدة فاطمة البريكي بأنه مصطلح يمثل جميع النصوص الأدبية التي تقدم عبر الوسيط الإلكتروني أي باستخدام النظام الثنائي الرقمي، وترى أن ميزته الخاصة سرعة وصول المبدع والنص إلى القارئ والناقد، حتى إنها تعده «بطاقة هوية» لأي أديب جديد يريد أن يقدم نفسه مبدعاً عبر الوسيط التكنولوجي. ويسجل الباحث الخلط الواضح بين مصطلحات كثيرة مثل الأدب الرقمي والأدب التفاعلي والنص الرقمي ومصطلحات وجدت قبل ميلاد هذا الأدب كالنص المترابط والنص المتشعب والنص الفائق والنص الإلكتروني. ويتوقف المقال عند قضية شرعية هذا الجنس، فرغم انتشاره الواسع وتقبله من فئة واسعة من القراء والنقاد فإن ذلك لا يعني التسليم المطلق بأحقيته في الوجود وانتسابه للأدب، لأن التجارب الإبداعية الرقمية تختلف في مقدار توظيف التكنولوجيا ومقدار حضور الكلمة واللغة. ويعرض تساؤلات الباحث عبد النور إدريس الإشكالية حول شعرية النصوص الرقمية: كيف يقنعنا المبدع الرقمي غير المتخصص في الإعلاميات برؤيته الرقمية؟ وكيف للنقد الرقمي المنصبّ على آليات اشتغال النص أن ينتقد الكاتب بتصورات خارجة عنه؟ وهل يمكن تصور مهندس إعلاميات ناقداً أدبياً رقمياً دون مرجع؟ ليخلص إلى السؤال الجوهري: هل ما ينتج عن تزاوج الأدب والتكنولوجيا منتج أدبي أم منتج تقني أم هجين؟ فإن كان أدباً صلحت المناهج النقدية المعروفة لدراسته، وإن كان تقنياً وجب البحث عن مناهج نقدية جديدة تنسجم مع طبيعة النصوص الجديدة.
ويميز المحور الثاني بين الأدب الرقمي والأدب التفاعلي؛ فتحقق «التفاعلية» في الأدب الرقمي بما يجعله أدباً تفاعلياً مشروط بمساهمة القارئ في بناء النص الإبداعي مساهمة لا تقل أهمية عن مساهمة المبدع نفسه، ويمكن التحقق من التفاعل برأي سعيد يقطين عبر معاينة العمليات التي يقوم بها المستعمل وهو ينتقل بين الروابط لتشكيل النص بالطريقة التي تفيده متجاوزاً القراءة الخطية لقارئ الكتاب المطبوع، ولذلك يعرَّف الأدب التفاعلي بأنه مجموع الإبداعات التي تولدت مع توظيف الحاسوب ولم تكن موجودة قبل ذلك أو تطورت من أشكال قديمة واتخذت مع الحاسوب صوراً جديدة في الإنتاج والتلقي. أما البريكي فتربطه بتفاعل المتلقي مع النص من جهة ومع المبدع من جهة أخرى ومع بقية المتلقين من جهة ثالثة. ويعرض المقال رأي أحمد زهير الرحاحلة الذي يعد التفاعلية صفة للنص الإبداعي الرقمي لا خاصية بنائية لوجودها قبل ذلك في النص الورقي، مميزاً بين مستويات لها: تفاعلية أدبية تنتجها بنية النص مع فعلَي القراءة والتلقي دون اعتبار للوسيط، وتفاعلية تقنية تنقسم إلى ذاتية موازية للأدبية وموضوعية تعاين في طبيعة التطبيقات التكنولوجية وتحديثاتها المستمرة، ويحدد اشتراطات للأدب التفاعلي: أنه جنس أدبي يقدم عبر وسيط تكنولوجي، ولا يمكن أن يقدم مطبوعاً على الورق، ويتكئ على تقنية التشعيب والترابط، ويوظف التقنيات الرقمية والوسائطيات المتعددة، ويعطي مساحة موازية للمتلقي للمشاركة حذفاً وإضافة وتعديلاً، ويظهر حساسية مفرطة تجاه الحدود. كما يفرق المقال، نقلاً عن عبد النور إدريس، بين «النص الترابطي» الذي يكتبه كاتب واحد ويحتوي إمكانية داخله تسمح للقارئ بالاختيار بين التنصيصات السردية المختلفة، و«النص التفاعلي» الذي يشترك في كتابته عبر الشبكة عدة مؤلفين ويكون مفتوحاً لتفاعل المتلقين في كتابته.
ويعرض المحور الثالث خصائص الأدب الرقمي ذات الطابع التقني التي تميز النص الرقمي وتخلق أدبية خاصة قوامها المزاوجة بين أكثر من لغة وأكثر من تقنية بخلاف مفهوم الأدبية في الموروث النقدي؛ فقد تراجع حضور الكلمة واللغة تراجعاً حاداً لصالح التطبيقات التقنية، ولم يعد الكاتب المنشئ يكتفي بأفكاره الإبداعية ومقدرته البلاغية وحساسيته الجمالية بل بات مطالباً بتعلم لغة البرمجة والدراية بمعالجات الصور والأصوات والحركة والتمثيل ثلاثي الأبعاد وتصميم الصفحات وإدراج الارتباطات التشعيبية حتى إن كلمة «كاتب» لم تعد تكفي. ويجمل المقال سمات النص الرقمي عند النقاد في: الانتشار إذ يتجاوز النشر الإلكتروني حدود المكان والزمان، وكون النص وثيقة إلكترونية تفاعلية يستحيل تحويلها إلى ورق، وكونه لوحة رقمية كما حدده بيير شويتزر مخترع مشروع folio@، وكونه تجميعاً لتقنيات رقمية مختلفة من نص مترابط ومتشعب ومؤثرات صوتية وبصرية وفن جرافيك، وكونه جسداً غير منفصل عن شاشة الحاسوب، والتخييلية إذ صممت برامج خصيصاً للنص الأدبي الرقمي مثل ستوري سبيس المتاح ضمن أنظمة إيستغيت التي نشرت أعمالاً سردية رقمية على غرار «بعد الظهر» لمايكل جويس و«خليط فتاة» لشيلي جاكسون و«حديقة النص» لستيوارت مولتروب وأعمالاً شعرية مثل «مائة ألف مليار قصيدة» لرايمون كينو، ثم فعل التلقي بقراءة النص على شاشة موصولة بالإنترنت. ويضيف عن البريكي ميزات جاهزية النص القابل للتعديل الدائم وسهولة النشر في فضاء واسع بلا رقابة وسهولة النقل والحفظ، وعن حافظ الشمري سمات الانفتاح بتعدد قراءات النص الواحد تبعاً لملء المساحات الفارغة التي يتركها المؤلف عمداً، وتعدد العلامات باختلاف مصادرها من صورة وصوت وحركة تتضافر مع اللغة الطبيعية منتجة نصاً يخبر عن ثقافات مختلفة، والترابط الذي يمنح القارئ الإحساس بالقدرة على المشاركة، وحرية البداية باختيار المتلقي نقطة البدء، واختلاف النهايات بتعدد الخيارات والمسارات، وسرعة النشر وسهولته بعيداً عن أعين الرقيب.
ويخصص المحور الرابع للقارئ الرقمي مفهوماً ومميزاتٍ ووظائف؛ فهذا القارئ ليس هو المؤلف إذ لا يملك المبادرة ولا التأثير لكن لا تنقصه أي قدرة على تطوير العمل الفني الرقمي وتحويل صيرورته، وقد بات مع الوسيط كما يقول سعيد يقطين قارئاً ومشاهداً وسامعاً يتوسل بمعرفته بتقنيات الحاسوب لحل المشاكل التي تعترضه في عملية التفاعل مع النص، فمعرفة القراءة بفك تشفير الحروف لم تعد كافية، وإنما يلزم القارئ الرقمي الإلمام بالحد الأدنى من المعرفة الرقمية. وتوجز مميزاته في: امتلاك قدرات معرفية وآلية يستخدمها بما يتناسب مع شكل النص دون الاعتراض على كل جديد، والمرونة الذهنية التي تمكنه من دمج المعلومات المكتسبة في أنساقه المعرفية المستقرة والاستعداد لإنشاء ثوابت جديدة، والقدرة على إثارة الأسئلة أثناء القراءة واستثمار الفضول والفطنة في استخراج معاني النص، وإتقان طريقة التفاعل المتناسبة مع معطيات العصر المتغيرة، إضافة إلى تحمل مسؤولية متابعة كل جديد على ساحة التكنولوجيا الرقمية بعقلية منفتحة كما يستعير الشمري عن عبد الكريم بكار. أما وظائفه فيعرضها المقال كما نقلتها البريكي عن آرسيث من طريق راين كوسكيما وشرحها الرحاحلة، وهي أربع: التأويل وهو الجزء الملازم لكل قراءة بمعنى توضيح مرامي العمل الفني ككل ومقاصده باستخدام وسيلة اللغة؛ والإبحار وهو الانتقال من عقدة إلى أخرى بالنقر على الروابط لغاية محددة تتمثل في البحث عن المعلومات ومراكمتها، ويعطى للمبحر مصطلح خاص هو «المستعمل» تمييزاً للإبحار عن التصفح؛ والتشكيل ومعناه مساهمة المتلقي في إعادة بناء النص الرقمي التفاعلي بنسبة معينة متنقلاً بين عقده وروابطه وصولاً إلى نهايته، وهو قضية إشكالية تتعارض فيها مواقف النقاد كموقف عبير سلامة التي تقسم خيارات التشكيل إلى تشكيل النص وتشكيل مسارات امتداده؛ والكتابة التي قد تفهم بمعناها المتعارف وقد تفهم بمعنى البرمجة حيث يزود النص بملفات البرمجة والعرض التي يمكن للمتلقي الدخول إليها وإعادة هيكلة النص بما يتناسب مع ذوقه دون المساس بالمتن، وإن كانت النصوص التي تعرض على قرائها وظيفة الكتابة قليلة أو نادرة.
ويخلص المقال في خاتمته إلى نتائج ثلاث مركزية: أولاها أن اجتياح التكنولوجيا لمناحي الحياة أدى إلى ميلاد جنس تعبيري جديد تزخر مراجعه بمصطلحات تكشف التحولات السريعة التي أصابت النصوص الأدبية بفعل عرضها على الشاشة الزرقاء، ما جعل المواضعة على تسمية المولود الجديد وشروط تحققه على مستوى نظرية الأجناس الأدبية وآليات قراءته وتقويمه موضوعاً يتسم بالفردية والانطباعية الذاتية أكثر من خضوعه لمعايير موضوعية مستقرة في الأعراف النقدية؛ وثانيتها أن انتماء نص ما إلى جنس الأدب الرقمي أو التفاعلي رهين بتوافره على مجموعة من الخصائص البنائية والتركيبية بالمعنى الشكلي المعروف مشفوعة بخصائص تقنية ورقمية ليس آخرها ما يتيحه الحاسوب من روابط تشعبية ومسارات تمكن المتلقي المستخدم من ممارسة وظيفة الإبحار والمشاركة في كتابة النص التفاعلي بوصف ذلك شرطاً قاعدياً في تصنيف النص؛ وثالثتها أن قارئ النصوص الرقمية والتفاعلية يتصف بمميزات خاصة غير تلك التي عرف بها قارئ النصوص الورقية هي من صميم طبيعة النصوص الجديدة ووسيط نشرها، ويقوم بمجموعة من الوظائف الجديدة فرضتها طريقة كتابة نصوص لا ترضى بقارئ سلبي يقرأ النص ثم ينصرف دون أن يترك أثراً لمروره. وتكمن أهمية المقال في أنه يقدم للمكتبة العربية تركيباً نقدياً محكماً يجمع شتات نظرية الأدب الرقمي من مصادرها العربية الأساسية عند فاطمة البريكي وسعيد يقطين وأحمد زهير الرحاحلة وعبد النور إدريس وحافظ الشمري وعمر زرفاوي، ويصوغها في بنية متماسكة تصلح مدخلاً منهجياً للباحثين في النقد الرقمي وطلبة الدراسات الأدبية المعاصرة، كما يسهم في ترسيخ وعي نقدي عربي بالتحولات التي يفرضها الوسيط الرقمي على مفاهيم النص والمؤلف والقارئ والأدبية ذاتها.
الورقة (PDF)
المصدر: ميلود شنوفي، «الأدب الرقمي: خصائص النص ومميزات القارئ»، مجلة النص، مج10، ع1، 05-06-2023، ص 580-600.