راقمون

دراسات وأوراق علمية

الأدب الرقمي في العالمين الغربي والعربي: تعريف، تحديات وآفاق

4 يوليو، 2026
اسم المجلةمجلة قطاع الدراسات الإنسانية – كلية الدراسات الإنسانية، جامعة الأزهر
المجلد30
الصفحات3116-3184
تاريخ النشر1 ديسمبر 2022

خلاصة الورقة

تنطلق هذه الدراسة المكتوبة بالفرنسية للباحثة جيهان ممدوح أحمد السبكي، الأستاذة المساعدة بقسم اللغة الفرنسية وآدابها والترجمة الفورية بكلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر، من ملاحظة أن القرن الحادي والعشرين هو قرن الرقمنة بامتياز، خاصة بعد جائحة كوفيد التي اجتاحت العالم عام 2020 وفرضت التبادل الرقمي على مستوى الكوكب، وأحدثت ما يشبه الانتقال الاجتماعي والثقافي والفكري من الواقعي إلى الافتراضي. وأمام هذا التحول الهائل تطرح الباحثة سؤالها المركزي: ما موقع الأدب، الغربي منه والعربي، الراسخ في تقاليد الورق، في هذا العصر الرقمي الجديد؟ وتكشف الدراسة أن الأدب الرقمي ليس وليد اللحظة، إذ تعود نشأته إلى منتصف القرن العشرين، وأنه انتشر تحت تسميات مختلفة أحدثت خلطًا في إدراكه وفي تحديد مجال دراسته، من مثل «الأدب الرقمي» و«الأدب الإلكتروني» و«الأدب المعلوماتي» و«الأدب الديجيتالي» و«السيبر أدب» و«الكتابات الرقمية». ومن هنا تحددت أسئلة البحث: ماذا تغطي هذه التسمية بالضبط؟ وما خصائص هذا الأدب؟ وهل يتخذ شكلًا واحدًا أم أشكالًا متعددة؟ وهل تطوره واحد في كل أنحاء العالم؟ وما رهاناته وما الإضافة التي يقدمها للحياة الأدبية؟ وكيف استقبله الجمهور والنقاد؟

يتأسس الإطار المفاهيمي للدراسة على التمييز الدقيق بين «الأدب الرقمي» و«الأدب الإلكتروني» أو «الأدب المرقمن»؛ فالأخير يشير إلى أعمال الأدب التقليدي المعروضة على حوامل تكنولوجية، ومثاله رواية «الأب غوريو» لبلزاك معروضة على شاشة حاسوب، أو مشروع مكتبة «غاليكا» الرقمية التابعة للمكتبة الوطنية الفرنسية، في حين يشمل الأدب الرقمي الأعمال المصممة، لحظة كتابتها ذاتها، بالأدوات التكنولوجية ولها حصرًا، حتى إن بعض المنظرين يذهب إلى أن العمل الرقمي غير قابل للطباعة أصلًا. وتستعرض الباحثة تعريفات سيرج بوشاردون الذي يرى الأدب الرقمي «مجموع الإبداعات التي تضع الأدبية والحامل الرقمي في حالة توتر»، وفيليب بوتز الذي يعرفه بأنه «كل شكل سردي أو شعري يستخدم الخصائص النوعية لجهاز معلوماتي»، وتعريف منظمة الأدب الإلكتروني (ELO) الذي يتحدث عن أعمال ذات بعد أدبي قوي تستفيد من إمكانات الحاسوب وسياقاته، وعن «أعمال رقمية بالولادة». وترجع الدراسة جذور هذا الأدب إلى نصوص تيو لوتز التوليدية الصادرة عام 1959، وإلى أعمال بورخيس، وإلى تجارب جماعة الأوليبو التي أسسها ريمون كينو وفرانسوا لو ليونيه عام 1961 وعملها المرجعي «مئة ألف مليار قصيدة»، وإلى الرواية الجديدة بتحطيمها البنى الزمنية والسببية وخطية السرد، ثم إلى ورشة «ألامو» للأدب المعالج بالرياضيات والحواسيب المنشأة عام 1982، وإلى تنظير تيد نيلسون الذي صاغ مصطلح النص المترابط عام 1965، وإلى «بعد الظهيرة، قصة» لمايكل جويس عام 1987 بوصفها أول قصة ترابطية، وإلى جماعة LAIRE الفرنسية ومجلتها alire الصادرة عام 1989 رائدة الإنتاج البصري. أما التصنيف الذي تعتمده الدراسة فهو تصنيف بوتز الثلاثي: الأدب التوليدي، والأدب الترابطي النصي، والأدب المتحرك، مع عرض تصنيف جان كليمان الثلاثي (المقروء والمرئي والقابل للكتابة) وتصنيف بوشاردون الذي يعد التفاعلية سمة جامعة للأدب الرقمي كله.

في المحور التطبيقي تحلل الدراسة نماذج غربية لكل نوع: فمن الأدب التوليدي مولّد «أوبوكو» الذي يتيح للقارئ توليد قصائد سونيتية بضبط قيود الموضوع والعصر والقافية من قاعدة بيانات شعرية، ومولد «إيموت بويم» لبيتر هوارد القائم على سبعة موضوعات يحدد القارئ درجة حضور كل منها، وتجربة برنار مانيي في «مذكرات نائم سيئ» عام 1995، فضلًا عن مشروع «مسامير الإسبلاناد» في مدينة رين الفرنسية عام 2010 بوصفه امتدادًا للكتابة التوليدية بقيود أوليبية خارج الحاسوب. ومن الأدب الترابطي تتوقف عند «تذكارات» لأحمد سلامة الصادرة عام 2017 وهي سرد بالروابط الفائقة يجر القارئ في متاهة ذكريات طفولة متشابكة تُلغى فيها حدود الزمان والمكان، ورواية الجريمة «ظهورات مقلقة» لآن-سيسيل براندنبورغر حيث تتعدد المداخل والروابط وتقرأ الحكاية «في كل الاتجاهات». ثم تنتقل إلى المشهد العربي فتسجل أن أول تجربة أدبية رقمية عربية تعود إلى عام 2001 مع «ظلال الواحد» للكاتب الأردني محمد سناجلة، رائد الأدب الرقمي العربي ومؤسس اتحاد كتاب الإنترنت العرب عام 2005 مع كتاب منهم الشاعر والناقد المصري أحمد فضل شبلول، وأن إنتاجه بلغ خمسة أعمال هي «ظلال الواحد» و«شات» (2005) و«صقيع» (2007) و«ظلال العاشق» (2016) إضافة إلى كتابه التنظيري «رواية الواقعية الرقمية» (2003). وتحلل الدراسة رواية «ظلال العاشق: التاريخ السري لكموش» تحليلًا موسعًا: واجهتها التفاعلية التي تدعو القارئ إلى كتابة نهاية أخرى وإلى «كتابة روايتك (لعبتك)»، وأحداثها الممتدة من حصار مؤاب عام 750 قبل الميلاد إلى حروب داعش وقتل الطيار الأردني معاذ الكساسبة عام 2015، وسيميائية الألوان والموسيقى فيها استنادًا إلى دراسة هادية كلش، وضعف تفاعل القراء معها إذ لم تكتب سوى رسالة واحدة رغم تجاوز عدد زوار الموقع 268 ألفًا. كما تحلل قصة «قصة ربع مخيفة» لأحمد خالد توفيق المنشورة عام 2005 بوصفها سردًا تفاعليًا يخاطب فيه الراوي قارئه ويشركه في الاختيارات وصولًا إلى نهايات متعددة، وأعمال الكاتبة المغربية لبيبة خمار مثل «ضربة حب» و«هي والحمام» القائمة على مشهدة النص بالصورة والموسيقى، وقصيدة «خطة للتمويه» للشاعر المغربي أحمد الحجام، لتخلص إلى أن التجربة الرقمية العربية ما تزال في بداياتها، وأن بعض أعمالها ظل حبيس إخراج متكرر لنصوص مكتوبة سلفًا دون إشراك حقيقي للقارئ.

وتفرد الدراسة محورًا للرهانات والمآزق؛ فأول الرهانات رهان التسمية والتعريف وتداخل الحدود بين الرقمي والمرقمن، وثانيها علاقة الأدب الرقمي بالأدب التقليدي التي كثيرًا ما تعرض عرضًا ثنائيًا تفاضليًا، وتستشهد الباحثة بمارتشيلو فيتالي-روزاتي في أن خطاب القطيعة بين الرقمي والورقي يعبر غالبًا عن حكم قيمة، وبدعوة بوشاردون إلى مقاربة عابرة للتخصصات تجمع النظرية الأدبية وعلوم الإعلام والاتصال كما في المشروع الأوروبي ELMCIP بجامعة التكنولوجيا في كومبيين؛ وثالثها سؤال «الأدبية»: هل البرمجة إبداع؟ وكيف تقيَّم أعمال تتقاسم فيها الصورة والصوت السيادة مع النص؟ ورابعها علاقة المؤلف بالقارئ حيث تتزعزع الحدود بينهما وتستدعى أطروحة رولان بارت عن موت المؤلف، ويظهر «القارئ الممثل» و«القراءة الكاتبة»، وتطرح قضية حقوق المؤلف كما في النسخة المتحركة المختصرة من قصيدة محمود درويش «لاعب النرد» التي أعدتها المخرجة المصرية نسمة رشدي وحذفت منها 38 مقطعًا. وترصد الدراسة كذلك مآزق الاستقبال: الخوف والرفض وسوء الفهم اللذين واجههما هذا الأدب منذ نشأته، وتهديد ثبات النص الذي يعده كثير من الدارسين ضامنًا لديمومة العمل، وخطر البعد اللعبي والتشتت وإضعاف خيال القارئ، وهشاشة الأعمال الرقمية بسبب تقادم البرمجيات وزوال المواقع كما حدث لأعمال جماعة LAIRE التي لم تعد متاحة، ثم خصوصيات السياق العربي: «الأمية التكنولوجية» وضعف البنى التحتية وكلفة الاتصال وغياب مؤسسة عربية ممثلة لهذا الأدب، وكون النقد الرقمي العربي يصدر غالبًا عن متخصصين في اللغة والأدب الورقي لا عن حقول الفنون والإعلام والاتصال كما في الغرب، مع الإشارة إلى أن جامعة محمد الخامس بالمغرب كانت أول من أدرج الأدب الرقمي في مقرراتها عام 2007، أي بعد نحو عشرين عامًا من ظهوره في الغرب.

وفي مقابل هذه المآزق تعرض الدراسة مكاسب الأدب الرقمي وآفاقه؛ فهو حقل خصب لتجريب أشكال أدبية جديدة كالرواية المسلسلة الشبكية، وفيه توسيع لمجال الجماليات نحو جماليات الصورة والصوت وعدم الثبات ذاته، وفيه «دمقرطة» للكتابة وتواصل مباشر بين الكاتب والقارئ تسميه كلارا هنري «إنسية رقمية»، فضلًا عن اعتراف مؤسسي متنامٍ تمثله «جائزة الملتيميديا» وأيام جمعية أهل الأدب الفرنسية وجهود مختبر NT2 الكندي ومنظمة ELO والمكتبة الوطنية الفرنسية وآليات حفظ الأعمال على الخوادم والأقراص بالشراكة مع المكتبات والمتاحف. وتتوسع الدراسة في القيمة التعليمية لهذا الأدب من خلال مشاريع مثل «eBalzac» لدراسة أعمال بلزاك رقميًا، ومشروع «PRECIP» لممارسات الكتابة التفاعلية بإشراف بوشاردون، وقصة «أليس الجامدة» التفاعلية التعليمية، مبرزة أثر الكتابة التشاركية في تنمية استقلالية المتعلم والتعلم بالأقران وتوجيه انشغال الشباب بالوسائط نحو مشروع نافع. ثم تربط ذلك بأدب المنصات: «التويترية» وأدب الفيسبوك بوصفهما جنسين ناشئين، ممثلة لهما بالكتابة التشاركية «أخبار المستعمرة»، وبرواية المغربي عبد الواحد استيتو «على بعد ملليمتر واحد فقط» الصادرة عام 2013، وبعمل فرانسوا ديكراك «الطابق الثالث يمين» عام 2017، وبتأسيس معهد التويترية المقارنة بوردو-كيبيك عام 2010. وتخلص الباحثة إلى أن الأدب الرقمي بثرائه المزدوج الأدبي والتكنولوجي حقل قائم بذاته لا يهدد الأدب التقليدي البتة، إذ لكل منهما شفراته وخصوصياته، وأن التمييز بينهما شرط لبقاء أدب ما يزال يبحث عن مكانه خاصة في العالم العربي. وتكمن الأهمية العلمية للدراسة في أنها من الأعمال القليلة التي تعقد مقارنة منهجية موثقة بين التجربتين الغربية والعربية في الأدب الرقمي بلغة فرنسية ومن داخل جامعة عربية هي الأزهر، فتؤدي وظيفة الجسر بين النقد الفرنكفوني عند بوتز وبوشاردون وسيمر وفيتالي-روزاتي وبين المدونة العربية عند سناجلة وتوفيق وخمار ويونس وكلش، وقد نشرت في مجلة قطاع الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر في عددها الثلاثين الصادر في ديسمبر 2022 في نحو سبعين صفحة، بما يجعلها مرجعًا تعريفيًا شاملًا لكل من يريد التعرف إلى هذا الحقل والإفادة من مختلف إمكاناته كما تقول خاتمتها.

الورقة (PDF)

تحميل / فتح الملف (PDF)

المصدر: مجلة قطاع الدراسات الإنسانية، كلية الدراسات الإنسانية، جامعة الأزهر، المجلد 30، ديسمبر 2022، ص 3116–3184.

Scroll to Top