راقمون

دراسات وأوراق علمية

الأدب الرقمي في سلطنة عمان: الشعر أنموذجا

4 يوليو، 2026
اسم المجلةمجلة الخليل للدراسات اللغوية والأدبية (جامعة نزوى - مركز الخليل بن أحمد الفراهيدي للدراسات العربية والإنسانية)
المجلدمج 7
العددع 11
الصفحات13-57
تاريخ النشر1 يناير 2022

خلاصة الورقة

تتصدى هذه الدراسة التي أعدها الدكتور علي بن حمد الفارسي، أستاذ الأدب المساعد ورئيس قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة الشرقية في سلطنة عمان، لظاهرة الأدب الرقمي في السلطنة متخذة من الشعر أنموذجا للفحص والتحليل. وتنطلق الدراسة من أن الأدب الرقمي أصبح في العالم والوطن العربي اليوم واقعا يفرض نفسه بوصفه نوعا جديدا من مظاهر الممارسة الإبداعية، يستعين بالتقنية المتاحة ويوظفها بعناية لتحقيق أقصى درجات التعبير وإحداث الأثر الجمالي المرغوب لدى المتلقي، وأن سلطنة عمان لم تكن يوما بمنأى عن هذه التطورات الفنية لا سيما في مجال الشعر. غير أن الباحث يلحظ إشكالية مزدوجة: أولاهما اضطراب المصطلح وتداخله في الدرس النقدي العربي، إذ تتزاحم تسميات من قبيل الأدب المعلوماتي والأدب التفاعلي والأدب الإلكتروني الشبكي والأدب الديجيتالي والأدب المبرمج والأدب الحاسوبي وأدب الشاشة وغيرها، وكل اصطلاح منها صادر عن فهم محدد لزاوية من زوايا الظاهرة أو لشكل من أشكال تجليها؛ وثانيتهما قلة الدراسات المسحية والتحليلية التي تناولت واقع الأدب الرقمي في عمان خصوصا. ومن هنا حدد البحث أهدافه في تجريد المصطلح وضبط مفهوم الأدب الرقمي، ثم وصف واقعه في السلطنة، وعرض نماذج متنوعة ومتميزة من التجربة الشعرية العمانية وتحليلها، مع الحرص على اختيار حسابات لشعراء لديهم وعي كاف بمفهوم التفاعلية وتحقيقها، واستبعاد الحسابات التي تقوم على الإرسال فقط دون الاستقبال أو التي لا تتفاعل مع الآراء على النمط التقليدي القديم. واعتمد الباحث المنهج الوصفي مستعينا بالمنهج التحليلي لسبر أغوار الطبيعة التفاعلية التي يقوم عليها الأدب الرقمي، في مدة زمنية محددة بين عامي 2016 و2017 بوصفها مرحلة من مراحل البدايات في تشكل هذه الممارسة الإبداعية والوعي بها.

يؤسس البحث إطاره النظري بمراجعة أبرز الجهود العربية في هذا الحقل، ومنها كتاب زهور كرام (الأدب الرقمي: أسئلة ثقافية وتأملات مفاهيمية) بقسميه النظري والتطبيقي، وكتاب سعيد يقطين (من النص إلى النص المترابط: مدخل إلى جماليات الإبداع التفاعلي) الذي رصد أشكالا جديدة للأدب تخالف طبيعة الأدب التقليدي من حيث البنية وقناة الاتصال ودور المتلقي. ثم يقف عند تعريف فيليب بوطز للأدب الرقمي بأنه كل شكل سردي أو شعري يستعمل الجهاز المعلوماتي وسيطا ويوظف واحدة أو أكثر من خصائص هذا الوسيط، ليخلص إلى معادلة إجرائية يقترحها الباحث: الأدب الرقمي يساوي النص الأدبي مضافا إليه الجهاز الرقمي الذكي، وصورة تعبيرية مسموعة أو مقروءة أو مكتوبة أو مصورة أو كلها مجتمعة، ووسائل التواصل الاجتماعي، ثم التفاعلية بنوعيها الإيجابي والسلبي. ويخالف الباحث رأي فايزة يخلف التي ترى أن الأدب الرقمي التفاعلي ليس إلا تبيانا لحالة نقل المادة شعرا كانت أو نثرا بوسيلة إلكترونية، مشترطا قيام حوار فعلي على النص بين المبدع والمتابعين. ويرى البحث أن الأدب الرقمي أدب تفاعلي يسمح للناقد بقراءة المنظومة الثلاثية الشهيرة في مسيرة النقد الأدبي، أي المؤلف المبدع والنص والمتلقي الذي يتحول في الأدب الرقمي إلى متابع (Follower)، في الوقت نفسه، إذ يكتب المبدع نصه في تغريدة بتويتر أو منشور بفيسبوك وينتظر استجابة المتابعين ثم يتفاعل مع تعليقاتهم بحسب قيمتها الفنية. كما ميز البحث درجات التفاعل بين تفاعل سلبي يشمل الأغلبية الصامتة عبر الإعجاب وإظهار المحبة، وتفاعل إيجابي يتدرج من الآراء الانطباعية إلى الآراء النقدية فالفعل الإبداعي الموازي ومعارضة القصيدة والنسج على منوالها.

وينهض القسم التطبيقي الأول من الدراسة على قراءة مسحية لواقع الأدب الرقمي الشعري في السلطنة عبر معايير محددة، هي قراءة العتبة أو البايو التي تكشف عن تصور الشاعر وتؤطر طبيعة النصوص المطروحة في الحساب، وتاريخ النشر، والكم والكيف، ونماذج من النصوص. وقد رصد الباحث حسابات مجموعة من أشهر الأدباء الرقميين العمانيين؛ فمحمد قراطاس يعرف نفسه في عتبة حسابه بتويتر بأنه شاعر يدعو متابعيه إلى قراءة نتاجه، وقد نشر منذ مطلع عام 2017 أكثر من ثلاثين نصا شعريا قصيرا بين النص العمودي التناظري والنص الحر، ويوقع نصوصه بوسم يحمل اسمه تجسيدا لمفهوم النص المترابط، ويرفق بها صورا معبرة تنسجم معنويا مع خطاب النص في وعي سيميائي لافت. أما الشاعر المخضرم مبارك العامري، وهو من رجالات مؤسسة الشعر الرسمية وصاحب دواوين مطبوعة كثيرة، فينشر في حسابه بفيسبوك بشكل شبه يومي حتى إنه نشر في يوم واحد ستة نصوص شعرية قصيرة، في حين يكتفي حسن المطروشي في عتبة حسابه بكلمة واحدة هي: شاعر، ويعيد نشر نصوصه الفيسبوكية على هيئة صور في تويتر لتجاوز ضيق المساحة وتوسيع جهة القراءة والتفاعل. ويحمل حساب الشاعر والأكاديمي هلال الحجري نصوصا إبداعية ونظرات نقدية ولغوية، وينشر عبدالله العريمي مقاطع صوتية قصيرة لقصائده يلقيها بنفسه جامعا بين العلامات اللغوية وغير اللغوية، وينشط إبراهيم سعيد في نشر نصوص قصيرة من دون توظيف للصورة، وتعتني الشاعرة عائشة السيفية بإرفاق صورتها الشخصية مع نصوصها المنشورة لإحداث الأثر الفني والجمالي لدى المتلقي. كما أشار البحث إلى حسابات نشطة أخرى لعبدالرزاق الربيعي والخطاب المزروعي وبدرية البدري وعقيل اللواتي ومشعل الصارمي الذي تميز بتصوير قصائده في مقاطع عبر تطبيق سناب شات موظفا الصورة والصوت والحركة.

وفي القسم التطبيقي الثاني يحلل البحث ثمانية نماذج نصية تتجلى فيها مظاهر التفاعلية؛ فمن ذلك نص لمبارك العامري نال تسعة وخمسين تفاعلا، علقت عليه بدرية النبهاني ملاحظة أن الخليج أضحى بحرا، فاستجاب الشاعر فورا وغير كلمة خليج إلى بحر بما يتوافق مع الاسم الرسمي المعتمد لبحر عمان، في مثال بين على سلطة المتابع وقبول المبدع لتوجيهه. وفي نص آخر له تفاعل معه أكثر من مئة متابع، ونسجت متابعات على منواله نصوصا موازية، بينما لم يتفاعل الشاعر إلا مع تعليق عبد الكريم الطبال الذي أدرك أن الشاعر كأنه يرثي نفسه في النص. ونشر هلال الحجري نصا نسبه إلى طفل أفريقي فاز في مسابقة شعرية طرحتها اليونسكو مع تساؤل عن حقيقة الحكاية، فجاءت استجابات المتابعين مدركة لمغزى المؤلف ومسايرة له في فضائه المتخيل من دون محاكمة النص على أنه وثيقة. وأثار نص لإبراهيم سعيد حوارا مفتوحا مع المتابع عبد الرحمن البوسعيدي حول علاقة النص الشعري بالمقدس، وهي قضية جوهرية في شعر الحداثة، ورد الشاعر بأن للنص دلالة أبعد مما يظنه المعلق. أما حسن المطروشي فقد استدعى نصه الذي يبدأ بعبارة أنا حفيد البراري تفاعل مئة وستين متابعا وواحدا وخمسين تعليقا، منها معارضات شعرية كتبها الشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين ويحيى اللزامي وعلي الرباعي، ورأي نقدي لعامر عاصي في مزج الشاعر بين البيئات العمانية المتداخلة من صحراء وبحر وسهل وجبل. وفي نص الجارة الجميلة الذي حاز مئة وتسعين تفاعلا وخمسة وستين تعليقا وضع الناقد إبراهيم السعافين يده على البنية الأساسية للنص، فيما كشف نص ثالث عن موقف نقدي صريح للمطروشي من التراث والحداثة ومن سياسة النشر في فيسبوك التي تقتضي في نظره اختيار الأبيات البسيطة والمباشرة والقصيرة التي تتضمن قدرا من الدهشة والشعرية. وختم البحث بنص لمحمد قراطاس تتفاعل فيه العناصر اللغوية مع عناصر اللوحة المرفقة التي تصور قافلة تعبر الصحراء، بما يوحي بأن الشاعر يكتب النص وأمامه هذه اللوحة التي يعبر عنها بالكلمات.

وقد خلص البحث إلى نتائج تسهم في تطوير النظرية النقدية العربية وتغير الانطباعات العشوائية والتصورات الغامضة لدى بعض النقاد العرب عن طبيعة الأدب الرقمي الذي يوصف أحيانا بأنه أدب غير رسمي؛ فالنصوص الشعرية المنشورة في وسائل التواصل الاجتماعي بالسلطنة تكتب بلغة عربية سليمة غالبا مع مراعاة الضبط النحوي والسلامة اللغوية رغم بعد هذه الوسائط عن أعين المؤسسة التقليدية، وأدباء المؤسسة الأدبية الثقافية التقليدية هم أنفسهم من يتصدرون المشهد الثقافي في هذه الوسائل، مع حضور بارز للنقاد والأكاديميين في هذا الفضاء الإلكتروني بالمشاركة والتعليق تارة وإظهار الإعجاب والتدوير تارة أخرى، مما يوحي باعتراف واسع وقبول واضح من لدن المؤسسة الرسمية بهذا اللون الأدبي. كما نوقشت في هذا الفضاء قضايا تعد من القضايا الرئيسة في النظرية النقدية العربية، كعلاقة النص الشعري بالمقدس، وقضية الشعر العمودي والتفعيلة وقصيدة النثر، وقضايا التناص والإيقاع. وعلى مستوى التجربة العمانية خصوصا، تبين أن الشعراء العمانيين وظفوا التقنية بجميع أشكالها واستفادوا من وسائل التواصل الاجتماعي في النشر وإحداث الأثر الجمالي لدى المتلقي المتابع، ولم يكونوا بمعزل عن التجربة العربية، وأن كثيرا منهم يدرك مفهوم التفاعلية فيحرص جلهم على الرد على التعليقات المرتبطة بنصوصه المنشورة، وأن دور المتابع تجاوز سلطة القراءة إلى سلطة التوجيه والإنتاج. وتكمن الأهمية العلمية للدراسة في كونها من الدراسات الرائدة التي وثقت مرحلة البدايات في تشكل الأدب الرقمي العماني ورصدته بوصفه ظاهرة تستحق الرصد والتحليل لا مجرد محاولات فردية مقطوعة، وقدمت مفهوما إجرائيا قابلا للتطبيق في دراسات مماثلة، وأثبتت أن المؤلف لم يعد أبا للنص ينتج نصه ويرحل، بل أصبح القارئ عنصرا فاعلا ومتفاعلا مع نصوص الأدب الرقمي قراءة وتذوقا ونقدا وتحليلا.

الورقة (PDF)

تحميل / فتح الملف (PDF)

المصدر: الفارسي، علي بن حمد بن عبدالله. (2022). الأدب الرقمي في سلطنة عمان: الشعر أنموذجا. مجلة الخليل للدراسات اللغوية والأدبية، مج7، ع11، ص 13-57.

Scroll to Top