راقمون

كتب وإصدارات

الأدب والتقنية: مدخل إلى النقد التفاعلي

9 يوليو، 2026
المؤلفد. إبراهيم أحمد ملحم
الناشرعالم الكتب الحديث، إربد – الأردن
تاريخ النشر1 يناير 2013

خلاصة الكتاب

يُعدّ كتاب «الأدب والتقنية: مدخل إلى النقد التفاعلي» للناقد الأكاديمي الأردني الدكتور إبراهيم أحمد ملحم، الصادر في طبعته الأولى عن دار عالم الكتب الحديث بإربد في الأردن سنة 2013 في مئة وست وخمسين صفحة، من المحاولات العربية التأسيسية الجادة لبلورة رؤية نقدية متكاملة لما بات يُعرف بالأدب التفاعلي ونقده. ينطلق المؤلف من قناعة مفادها أن نشوء ما يسمى في الغرب «الأدب التفاعلي» لدى العرب ليس أمرًا مستغربًا ولا مستهجنًا وإن جاء متأخرًا؛ ذلك أن الظاهرة الأدبية بصورة عامة لا تكون وليدة ساعتها، بل تمتد جذورها إلى زمن سابق، وأن حركة التأثر والتأثير حركة مستمرة لا تكلّ ولا تهدأ، ما يجعل بقاء الأدب العربي خارج نطاق تلك الحركة هو المستغرب حقًا. ومن هذا المنطلق يسعى الكتاب إلى إلقاء الضوء على إشكالية المصطلح والمبادئ، والبحث عن جذور للأدب التفاعلي، واستعراض مشكلات إنتاج النص التفاعلي ونقده، وتحديد إستراتيجية الخطاب عند المبدعين والنقاد على حد سواء، وتأكيد الحاجة إلى إنشاء «مكتبة تفاعلية» تعمل على تنمية البحث العلمي في الوطن العربي، وتوسيع جمهور الأعمال التفاعلية، والمساعدة على نشوء نقد مواكب لها يشارك القارئ في صناعتها وفي إبداء الرأي بمحتواها.

يحدد المؤلف في مستهل كتابه إضاءتين منهجيتين تحكمان مشروعه كله: أولاهما أن ليس كل أدب رقمي أدبًا تفاعليًا، وبالتالي ليس كل نقد رقمي نقدًا تفاعليًا، وهي قضية يناقشها تفصيلًا في الفصل الأول؛ وثانيتهما أن منهجه في النقد يظل «المنهج التكاملي» الذي يستوعب مستجدات الحياة ويأخذ عناصر القوة فيها من دون أن يطلق الرصاص على المنهج المخالف له، فالتكاملية عنده خلية حية تتلمس الضوء والهواء أينما وُجدا فتسد نقصًا في الحياة أو تصحح خللًا فيها، وليست أسلوب شرنقة ولا استقطابًا لكل ما يظهر على الساحة. ويتساءل المؤلف عمّا إذا كان هذا الأدب الذي يتشكل من تضافر الأدب مع التقنية، بحيث لا يمكن فيه فصل الكلمة عن الصوت والصورة الثابتة والصورة المتحركة والفيديو، قادرًا على حمل فلسفة جماهيرية كما حملها الأدب العربي عبر تاريخه. ويصرّح بأن دراسته تتقصد الدراسات العربية التي تخطت التنظير إلى التطبيق في موضوع الأدب التفاعلي، وهي ما تزال قليلة العدد، ومنها ما أنجزه محمد أسليم وزهور كرام وفاطمة البريكي وأحمد فضل شبلول وسمر ديوب، كما يستند في مساءلة المصطلح إلى مرجعيات غربية منها الشاعر روبرت كندل والباحثة راني كوسكيما وفانيفر بوش وجوزيف تابي وميشيل جويس صاحب التجربة المبكرة «الظهيرة، قصة» سنة 1986.

جاء الكتاب في مقدمة وخمسة فصول تعقبها خاتمة تجمل أهم النتائج. عالج الفصل الأول «إشكالية المصطلح والمبادئ» شيوع مصطلحي «الأدب الرقمي» و«الأدب الإلكتروني» في الدراسات الأجنبية ودلالتهما على النص الذي احتل مكانًا على صفحات الإنترنت من جهة، وعلى النص المترابط أو التشعبي من جهة أخرى، مبينًا أن اضطراب المصطلح في الغرب يبرهن على صعوبة استقرار المعنى حول هذا النمط من تقديم النص الأدبي، وأن هذا الاضطراب قد انتقل إلى الساحة العربية. وينتهي الفصل إلى أن الأدب الرقمي والأدب الإلكتروني واحد، وأن النص التشعبي جزء من تقنيتهما معًا، وأن الأدب لا يكتسب صفة التفاعل حقًا إلا حينما يشارك القارئ، ليس في تذوق العمل فحسب، بل في إتاحة المجال لإنتاج شيء منه أو نقده، مقترحًا أن يبتلع مصطلح «الأدب التفاعلي» المصطلحات الأخرى جميعها، وأن يُحتكم إلى وجود الكلمة في العمل التفاعلي لحسم انتماء العمل إلى جنس معين من الأدب. وتتبّع الفصل الثاني «البحث عن جذور» صلة هذا الأدب بتطور مناحي الحياة نفسها في الغرب والشرق، نافيًا أن يكون الأدب التفاعلي نبتًا شيطانيًا تنعدم جذوره، ورافضًا فكرة التخلف التي تُطلق عند كل دعوة إلى تلقي تجربة جديدة، ومسجلًا أن تحالف الخطاب النقدي مع الخطاب الإبداعي تحالف قلق كثيرًا ما يدفع المبدعين إلى الحدة والعنف رغبةً في توفير البقاء لما ينتجون.

وخُصص الفصل الثالث «إنتاج العمل ونقده» لمشكلات الإنتاج والنقد التنظيري والنقد التطبيقي، وانتهى إلى أن إنتاج النص التفاعلي يحتاج، إضافة إلى امتلاك الموهبة ومقومات الكتابة في الجنس الأدبي الذي ينتمي إليه العمل، إلى معرفة حاسوبية عالية، وأن عوامل كثيرة تضافرت لظهور هذا النمط من الإبداع وليس تطور الحاسوب هو العامل الأوحد وإن كان أكثرها أهمية، وأن هذا الشكل من التعبير ما يزال يتناول التجربة الإنسانية التي تتلامس مع قضايا الإنسان الأزلية على الرغم من تعبيرها عن الذات، وأن تحليل العمل التفاعلي له طبيعته الخاصة التي يتمازج فيها النقد الأدبي بالنقد الفني. ويطبق المؤلف ذلك في قراءة تفصيلية لرواية «صقيع» لمحمد سناجلة، راصدًا ارتباط عبارات النص بصور متحركة تجسد المعنى وبأغانٍ عربية لمحمد عبده ووردة الجزائرية، ووقوفه عند الروابط الثلاثة التي وضعها الكاتب في نهاية النص لتفعيل التلقي عبر الكتابة، وهي استعراض الآراء واستعراض التعديلات المقترحة واستعراض النهايات المفتوحة، حيث يتاح للمتلقي أن يكتب ما يريد ويتصفح ما كتبه السابقون. أما الفصل الرابع «الخطاب ونقد الخطاب» فحلل خطاب المبدعين متخذًا من محمد سناجلة نموذجًا، وخطاب الدارسين متخذًا من فاطمة البريكي نموذجًا، وكشف عن إستراتيجية المبدعين في ربط كل ما يعتقدون أنه يخالف السائد بالتوجه إلى المستقبل ونعت الحاضر بالجمود، وانتقال هذه الحماسة إلى الناقد الذي يحث الناس على اللحاق بركب الحضارة والتحرر من التقاليد، مؤكدًا أن هدف المبدع والناقد هدف نبيل، ولكن إستراتيجية الخطاب ليست على درجة عالية من معرفة الجمهور الذي تخاطبه، وأن الأخطاء نفسها ارتكبها المبدعون عبر حركة التاريخ في الشرق والغرب.

وينفرد الفصل الخامس «المكتبة التفاعلية والأدب» بمشروع عملي يقترح تأسيس مكتبة تفاعلية عربية تنهض بالبحث العلمي وتخرجه من الفجوات التي يتعرض لها مسيره، وأهمها تكرار الدراسات في موضوع واحد دون البناء على جهود السابقين بسبب غياب قاعدة معلومات ببليوغرافية على الإنترنت يتمكن من خلالها كل باحث أو هيئة رسمية من إضافة ما يُعتقد أنه مناسب، مع وضع روابط لكل دراسة تتوافر بصيغة إلكترونية وبخاصة الرسائل الجامعية. ويستدعي المؤلف في هذا السياق تجربة جامعة الإمارات العربية المتحدة في تصميم اختبار معياري لقياس الكفاءة باللغة العربية يقيس المهارات الرئيسة الأربع: الاستماع والحديث والقراءة والكتابة، وقد طُبق على شرائح واسعة من المجتمع منها الجامعيون والمعلمون وضباط الجيش، وبلغ عدد المختبَرين سبعة آلاف بين سنتي 2007 و2011، وأفرزت نتائجه ما وصفه منسق الاختبار بدق ناقوس الخطر إزاء الحالة التي وصلت إليها اللغة العربية على ألسنة كثير من أبنائها، داعيًا إلى ربط اللغة بالمنفعة الحياتية. ويعدد المؤلف مكاسب هذه المكتبة المقترحة: تغيير الصورة النمطية الخاطئة عن البحث العلمي العربي عند الآخر، وربط القارئ بالحراك الثقافي على مستوى العالم بوصفه مشاركًا في صنع هذا الحراك لا متصفحًا عابرًا، وتنمية اتجاهات ثقافية لها خصوصيتها الحضارية وهي منفتحة في الوقت نفسه على الآخر، وتحقيق مقولة «العالم قرية صغيرة» فعلًا. وتنتهي الخاتمة إلى توصيات أبرزها أن تبدأ الجامعات العربية بتدريس طلابها كيفية إنتاج الأعمال التفاعلية ونقدها مستفيدة من تجربة قسم اللغة العربية بجامعة الإمارات بوصفه الرائد في هذا المجال، وأن تنسق الجامعات فيما بينها لإنشاء المكتبة التفاعلية بما يساعد البحث العلمي على النمو الرأسي، وأن تلتزم المنتديات الأدبية التي تضع مسمى «رواية تفاعلية» بوجود شخصية نقدية تشرف على الأعمال التي تُنشر على صفحاتها.

وتكمن الأهمية العلمية للكتاب في كونه من أوائل المؤلفات العربية التي انتقلت من وصف ظاهرة الأدب التفاعلي إلى محاولة تأسيس «نقد تفاعلي» له ملامح منهجية مميزة وفلسفة متجذرة؛ إذ يلاحظ المؤلف في استشرافه أن تجربة الأدب التفاعلي العربية تسير بخطى السلحفاة وتكاد لا تتجاوز جنس الرواية، وأن خطوات النقد التفاعلي المواكبة لها ما تزال أكثر ثقلًا من تلك الخطى، وأن مشكلة العرب أن ما يتشكل عندهم ليس له فلسفة متجذرة، فجاءت قراءته لتؤسس ما يحرّض الدارسين على تشكيل خطاب نقدي تفاعلي مكثف يبني على جهود محمد سناجلة الروائية وينشئ تجارب أخرى في الشعر والمسرح والمقال والخاطرة، فتمضي التجربة بحركة سهمية قوية وواثقة إلى الأمام. وبذلك يجمع الكتاب بين التنظير للمصطلح، والتأريخ لجذور الظاهرة، والتحليل التطبيقي للنصوص، ونقد الخطاب، والتخطيط الثقافي المؤسسي، ويقدم للمكتبة العربية مرجعًا تأسيسيًا يفيد الباحثين في الأدب الرقمي والنقد التفاعلي وتعليم الأدب في الجامعات، ويضع أمام المؤسسات الأكاديمية العربية خريطة طريق عملية تصل الإبداع بالتقنية وبالبحث العلمي في آن واحد.

الكتاب (PDF)

تحميل / فتح الملف (PDF)

المصدر: إبراهيم أحمد ملحم، الأدب والتقنية: مدخل إلى النقد التفاعلي، عالم الكتب الحديث، إربد – الأردن، ط1، 2013، 156 صفحة.

Scroll to Top