راقمون

كتب وإصدارات

الأدب والتكنولوجيا وجسر النص المفرّع

2 يوليو، 2026
المؤلفحسام الخطيب
الناشرالمكتب العربي لتنسيق الترجمة والنشر، دمشق – الدوحة (ط1)
تاريخ النشر1 يناير 1996

خلاصة الكتاب

يُعدّ كتاب «الأدب والتكنولوجيا وجسر النص المفرّع» للناقد الأكاديمي الفلسطيني الدكتور حسام الخطيب واحداً من أبكر المؤلفات العربية التي فتحت باب النظر المنهجي في العلاقة بين الظاهرة الأدبية والثورة التكنولوجية؛ إذ صدرت طبعته الأولى سنة 1996 عن المكتب العربي لتنسيق الترجمة والنشر بين دمشق والدوحة، ثم أُعيد إصداره عن وزارة الثقافة والفنون والتراث القطرية سنة 2011 في سياق الاحتفاء بالدوحة عاصمةً للثقافة العربية، قبل أن تصدر طبعته الثالثة عن المؤلف نفسه في رام الله سنة 2018. وينطلق الكتاب من إشكالية يعلنها المؤلف صراحةً في مقدمة الطبعة الأولى، مفادها أن مسألة الأدب والتكنولوجيا نادراً ما تُطرح في الساحة الأدبية العربية، وأن المؤسسة الأدبية العربية، تنظيراً وتطبيقاً، ماضية في تجاهل ما يسميه «الهجمة التكنولوجية الكاسحة» المتصاعدة مع اقتراب الإنسانية من عتبة القرن الحادي والعشرين، على الرغم من تزايد «التسربات التقانية» في الإنتاج الأدبي العربي المعاصر ولا سيما في مجال الرواية. ويرى الخطيب أن الأدب صار بين اختيارين أحلاهما مرّ: فإما أن يدخل تحت عباءة التكنولوجيا شأن سائر أنواع النشاط الفكري والعملي للإنسان، وإما أن يقبع في زاوية محصورة يقنع فيها بالدفء الداخلي والحد الأدنى من الإشعاع. غير أن التحدي الذي تدور حوله الدراسة ليس تحدياً خارجياً يمس الأدب من بعيد، بل هو في عبارة المؤلف تحدٍّ «صميمي» يدخل في عرض الظاهرة الأدبية وبنيتها وشكلها المادي المتمثل في الكتابة ذاتها؛ ذلك أن المناداة بالعدول عن الكتابة السطرية وتبنّي النص التكويني بمستوييه المفرّع (هايبرتكست) والمرفّل (هايبرميديا) لا تعني مجرد تغيير أداة تمثيل التعبير الأدبي وتدوينه، وإنما قد تنطوي على عملية تثوير جذرية للإنتاج الأدبي دراسةً ونقداً وتنظيراً وربما إبداعاً أيضاً. وقد اختبر المؤلف هذه الأطروحة قبل نشر الكتاب حين واجه بها جمهور الأدباء على مدى عامين في محاضرات عامة، فتراوحت الاستجابات بين الإنكار الشديد والتشكك والارتياب والسلبية وعدم الاكتراث، ولم تأتِ الاستجابات غير السلبية إلا من مستمعين لا ينتمون إلى المؤسسة الأدبية، وهو ما رسّخ قناعته بجدية المسألة وخطورة الاستخفاف بها.

ويؤطّر المؤلف كتابه ضمن مشروع أوسع في الدراسات المقارنة؛ فالكتاب يأتي ثانياً في سلسلة «دراسات في الأدب المقارن» التي افتتحها بكتابه «آفاق الأدب المقارن عربياً وعالمياً»، مذكّراً بأن من أبرز التطورات التي شهدها الربع الأخير من القرن العشرين توسيعَ نظرية الأدب المقارن لتشمل الحدود المعرفية إلى جانب الحدود اللغوية والثقافية والإقليمية، بحيث غدت دراسة علاقة الأدب بالفنون والمعارف الأخرى، ومنها التكنولوجيا، ميداناً شديد الجاذبية للباحثين، وينبوعاً ثرّاً للتوصل إلى الأسرار المتجاوزة للحدود في بنية التفكير والتعبير لدى الإنسان. ويستحضر الكتاب النقاش الغربي الشهير حول «الثقافتين» العلمية والأدبية والهوة الفاصلة بينهما في عصر التخصص الضيق، محذّراً من أن أسوأ ما يمكن أن تفعله المؤسسة الأدبية هو التجاهل والاستهزاء، لأن هذا الموقف يفضي إلى الإمعان في تهميش الأدب في عالم التكنولوجيا المقبل؛ فالتكنولوجيا في تقديره سلاح ذو حدين يمكن أن تفيد منه المؤسسة الأدبية ويمكن أن تتقوض على يديه. ويقارن المؤلف بين الأدب والفنون الأخرى من رسم وموسيقى ونحت وتصوير، فيلاحظ أنها أفادت كثيراً من التكنولوجيا فكان ذلك من أسباب تجاوب الناشئة معها، في حين تؤدي محافظة المؤسسة الأدبية، ولا سيما في البلاد العربية، إلى ابتعاد الأدب عن خضم حركة المجتمع وانحصار جمهوره في فئات محدودة. ويحرص الخطيب في المقابل على دفع أي فهم للكتاب بوصفه دعوة إلى «تكنجة» الأدب أو وضعه تحت عباءة التكنولوجيا؛ فالدراسة كما يقول ليست إلا رصداً للواقع وتنبيهاً إلى الضرر الناجم عن تجاهل التطورات الحديثة والرياح العاصفة التي تفاجئ الثقافة العربية عادة دون أن تُعدّ العدة لمواجهتها.

يتوزع الكتاب على ثلاثة أقسام كبرى. يعالج القسم الأول «معضلة العلاقة بين الأدب والتكنولوجيا ومؤشرات تأسيس علاقة فعالة»، فيناقش مقولة التنافر بين العلم والأدب وخاصة عند العرب، ويرسم ملامح المناخ المختلف على عتبة القرن الحادي والعشرين متسائلاً: أهو انتقال من قرن إلى قرن أم من عالم إلى آخر؟ وأين المؤسسة الأدبية من هذه التغيرات؟ وما أسباب القطيعة بين الأدب العربي والتكنولوجيا؟ ثم يقف عند قصص الخيال العلمي بوصفها ثمرة مبكرة للعلاقة بين الأدب والتكنولوجيا، محيلاً إلى روايات هربرت جورج ولز وأسيموف وآرثر كلارك وهاينلاين، وعند ارتيادات الخيال الأدبي وتحدياته أمام المنجز التقاني، متتبعاً كذلك تحولات الحداثة والاتجاهات البنيوية التي نقلت التركيز إلى النص الأدبي بوصفه إمكانية مفتوحة ومخزوناً ثرّاً من الدلالات يشارك المتلقي في إعادة تكوينه، وهو ما يكشف عن تماثلات جوهرية بين المغامرة الأدبية والمغامرة التكنولوجية. أما القسم الثاني، وهو قلب الكتاب، فعنوانه «النص المفرع (هايبرتكست): جسر التواصل المعرفي والشخصي»، ويقدم مداخل ومصطلحات دقيقة للنص المفرّع والنص المرفّل مع اجتهاد معجمي لافت في تأصيل المقابلات العربية للمصطلحات المشتقة من البادئة الإنجليزية «هايبر»، ثم يعرض مستويات النص التكويني وصيغه وآفاقه، ويتناول الكتابة الحاسوبية ومشكلة الكتابة، حيث يطرح النص المفرّع تجاوز محدودية البعد الواحد للتأليف التقليدي القائم على السرد الخطي ذي البداءة والوسط والنهاية بحسب التحديد الأرسطي، نحو نص تكويني قادر على النمو العضوي بلا حدود، فضلاً عن قضية الملكية الفكرية في ضوء الكتابة الحاسوبية. ويخصص المؤلف فصلاً للارتيادات التربوية للنص المفرّع في تدريس الأدب وما يقدمه من وسائل أكثر كفاءة وغنى في تطوير مواد التدريس وحفظها وربط الجهود التعليمية بعضها ببعض، وفصلاً آخر عن النص المفرّع في خدمة النقد ونظرية الأدب والإبداع، تناقش فيه قضايا الشفاهية والكتابية، ومسائل التعبير والترجمة، والمعنى والدلالة، والتناص، واللاتمركز، وعلاقة النص المفرّع بالأدب المقارن وقضية الإبداع، مستنداً إلى أطروحات جورج لاندو في أن التجربة الحاسوبية تقدم الصورة العملية لفكرة «النص المثالي» عند رولان بارت بشبكاته المتعددة المتداخلة وبواباته التي لا تحظى إحداها بسلطة البوابة الرئيسية. ويُختم القسم بفصلين تطبيقيين رياديين: أولهما «مؤشرات لتقديم نص درويشي بالطريقة التكوينية» يعرض نص محمود درويش «سأجلس فوق الرصيف» مشفوعاً بتعليق دلالي مفرّع، وثانيهما «فن الشروح والحواشي عند العرب: جذور مبكرة للنص المفرّع» يقرأ فيه المؤلف صفحات التراث العربي الإسلامي ذات المستويات الخمسة والستة، من المتن والشروح والحواشي كما في الهداية وشرح فتح القدير وحاشية سعد الله بن عيسى، بوصفها سبقاً باهراً لفكرة المرونة السطرية، ومنبهاً إلى أن مصطلح «النص المفرّع» نفسه مستمد من لفظ «فرع» المتداول في متون التراث وشروحه. ويشتمل القسم الثالث «خاتمة وتوثيق ومصطلحات ومراجع» على خلاصة نوعية ونظرة مستقبلية، وترجمات توثيقية لنصوص مرجعية غربية منها «ما وراء الثقافتين: العلم والتكنولوجيا والأدب» و«الثورة التكنولوجية والأدب: وثيقة من السبعينات» و«الطليعية: أدب عصر الصاروخ»، إضافة إلى قائمة مصطلحات مفرّعة وحاسوبية بُنيت على مراعاة البعدين الدلالي والتراثي معاً.

وينتهي الكتاب في خاتمته إلى أن مجرى التطورات المعاصرة يشير إلى تحول العلاقة بين الأدب والتكنولوجيا من التنافر الذي ساد العصور الغابرة إلى التفاعل والتحاور والتقارب، وإلى أن التكنولوجيا فرضت نفسها في أواخر القرن العشرين بوصفها نظاماً متمرداً منبثقاً من رحم العلم وليس مجرد تطبيق له، حتى غدا العلم نفسه طرفاً ثالثاً في معادلة تنشر فيها التكنولوجيا سربالها على الطرفين الآخرين. ومع ذلك يشدد المؤلف على أن دعوة الانفتاح على التكنولوجيا تنبثق تحديداً من الحرص على استمرار الظاهرة الأدبية في إشعاعها وفعاليتها، على ألا يتخلى الأدب عن طبعه وأدبيته وماهيته ورسالته المعنوية الإنسانية التي تُعد مسوّغ وجوده واستمراره. وتتجلى الأهمية العلمية للكتاب في كونه نصاً تأسيسياً مبكراً في المكتبة العربية سبق موجة الاهتمام العربي بالأدب الرقمي والنص المترابط بسنوات، وقد توقع مؤلفه يومها أن تصل الموجة إلى الوطن العربي في السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين، وهو ما تحقق فعلاً؛ كما تتجلى في اجتهاده المصطلحي الرائد الذي استبق شيوع المصطلحات المترجمة بوضع مقابلات عربية مؤصلة دلالياً وتراثياً، وفي ريادته المزدوجة في التطبيق على نص شعري عربي حديث وفي وصل النص المفرّع بجذور عربية تراثية في فن الحواشي والشروح، الأمر الذي يجعله مرجعاً لا غنى عنه لدارسي الأدب الرقمي والأدب المقارن وتاريخ التلاقي بين الثقافتين الأدبية والتقنية في الفكر العربي الحديث.

الكتاب (PDF)

تحميل / فتح الملف (PDF)

المصدر: حسام الخطيب، الأدب والتكنولوجيا وجسر النص المفرّع، ط1: المكتب العربي لتنسيق الترجمة والنشر، دمشق – الدوحة، 1996؛ ط2: وزارة الثقافة والفنون والتراث، الدوحة، 2011؛ ط3: المؤلف، رام الله، 2018.

Scroll to Top