الحديث عن الرياضيات مع الذكاء الاصطناعي: فهم دوافع المعلمين لاستخدام روبوتات المحادثة

خلاصة الدراسة
تتناول هذه الدراسة مسألة الدوافع التي تحرّك معلمي الرياضيات نحو استخدام روبوتات المحادثة القائمة على الذكاء الاصطناعي لأغراض التدريس. وتنطلق من ملاحظة أن هذه الروبوتات باتت في صميم مجتمعاتنا واقتصاداتنا، مستشهدة بأن روبوت شات جي بي تي سجّل نحو 3.7 مليار زيارة إجمالية في ديسمبر 2024، وأن إطلاق برنامج ديب سيك تسبب في تراجع أسعار أسهم عدة شركات تقنية عملاقة بمئات المليارات من الدولارات. ومع أن استخدام هذه الروبوتات في التعليم، بما فيه تدريس الرياضيات، يتزايد باطراد وتتوافر مراجعات أدبية عديدة، فإن البحوث التي تفحص كميًا العوامل المحفّزة لتبنّي المعلمين هذه الأدوات، ولا سيما في السياق الأوروبي، تظل نادرة. وتسعى الدراسة إلى سدّ هذه الفجوة عبر تحديد العوامل التي تحفّز معلمي الرياضيات في المرحلة الثانوية على استخدام روبوتات المحادثة في التدريس.
يستعرض الإطار النظري كيف يستخدم معلمو الرياضيات روبوتات المحادثة لأغراض تعليمية متنوعة، فقد طُوّر روبوت يعمل بوصفه طالبًا افتراضيًا لدعم المتدربين على التدريس المستجيب في الكسور، ويمكن للمعلمين سؤال الروبوتات عن الأخطاء الشائعة في موضوعات رياضية محددة، واستخدامها في التخطيط للدروس والعصف الذهني وتجاوز حالات عدم اليقين، وإنشاء مواد تعليمية واختبارات متنوعة، وتقديم محتوى تعليمي مخصص يلائم أنماط التعلم المختلفة، وأتمتة المهام الإدارية مثل الجدولة والتقييم. غير أن هناك مخاوف بشأن دقة المعلومات التي يقدمها الروبوت وموثوقيتها واحتمال فقدان التفاعلات الشخصية داخل الصفوف، إضافة إلى الحاجة إلى تدابير قوية لحماية البيانات ووضوح التواصل بشأن خصوصيتها.
استندت الدراسة إلى النظرية الموحدة لقبول التكنولوجيا واستخدامها بوصفها من أكثر المقاربات وعدًا لتحليل قبول التكنولوجيا في السياق التعليمي، وقد طوّرها فينكاتيش وزملاؤه اعتمادًا على تنوّع من النظريات الراسخة. وتحدد هذه النظرية أربعة بُنى رئيسية حاسمة لقبول تكنولوجيا المعلومات واستخدامها هي: توقع الأداء، وتوقع الجهد، والظروف الميسِّرة، والتأثير الاجتماعي. ووظّفت الدراسة تطويرًا لهذه النظرية لاستكشاف نوايا معلمي الرياضيات وسلوكهم الاستخدامي تجاه روبوتات المحادثة، فاختبرت سبعة متنبئات رئيسية هي توقع الأداء وتوقع الجهد والتأثير الاجتماعي والظروف الميسِّرة والدافعية المتعوية والمخاطر المُدرَكة والعادة، وصاغت مجموعة فرضيات حول تأثير هذه العوامل في النوايا السلوكية والاستخدام الفعلي، إضافة إلى فحص الأثر المعدِّل للعمر والجنس وسنوات الخبرة التدريسية.
الفئة المستهدفة كانت معلمي الرياضيات في المرحلة الثانوية في النمسا. ولبلوغ المشاركين، أرسل الباحثون رسائل بريد إلكتروني إلى مديري جميع المدارس الثانوية في النمسا يطلبون منهم توجيه رابط المشاركة إلى معلمي الرياضيات، بعد الحصول على إذن من المديريات التعليمية للولايات الاتحادية ومجلس الأخلاقيات الاستشاري في جامعة لينز. وقد بدأ 625 معلمًا ملء الاستبيان، وقدّم 448 معلمًا بيانات وافية أُخذت في الاعتبار في التحليلات، وهم من أجابوا عن 75% من البنود على الأقل عمومًا وثلثي البنود على الأقل لكل بُنية. وتوزّع المشاركون على فئات عمرية متعددة، وبلغ عدد الإناث 258 والذكور 163 مع تنوع واسع في سنوات الخبرة، ومثّل ذلك أسلوب معاينة طوعية شائعًا في البحوث الاجتماعية التجريبية أتاح الوصول إلى مجتمعات كبيرة ومنتشرة جغرافيًا بتكلفة منخفضة.
استُخدمت نسخة معدّلة من النظرية بسبعة متنبئات، وأجاب المعلمون عن البنود باستخدام مقياس ليكرت الخماسي حيث تشير القيمة 1 إلى أدنى مستوى موافقة والقيمة 5 إلى أعلاها. وطُوّرت الأداة عبر تكييف بنود من مقاييس مُصادق عليها ثم ترجمتها إلى الألمانية باتباع إجراء ترجمة أمامية-خلفية لضمان التكافؤ الدلالي، وقيّم وضوحها ثلاثة خبراء في تعليم الرياضيات وخمسة معلمين ممارسين، ثم جُرّبت مبدئيًا مع 25 معلمًا لتنقيح صياغة البنود ومقاييس الاستجابة. وأُجري تحليل عاملي توكيدي لجميع البُنى، غير أن مؤشرات المطابقة الأولية كانت قريبة من القيم المرجعية دون بلوغها، فأُدخلت ارتباطات بواقٍ معقولة نظريًا حسّنت المؤشرات إلى مطابقة مقبولة. وقُيّم الاتساق الداخلي والثبات باستخدام أوميغا مكدونالد، وحُدّدت مصفوفة الارتباط وفق سبيرمان نظرًا إلى الطبيعة الرتبية للبيانات.
لتحديد نموذج البحث، استرشد الباحثون بالنموذج الأصلي وبتكييفه لمعلمي الرياضيات، ثم حاولوا بلوغ أفضل مطابقة عبر حذف بعض المتنبئات، فوجدوا أن النموذج المتضمّن متنبئات فينكاتيش الأربعة إضافة إلى المخاطر المُدرَكة كان الأفضل وفق اختبار فرق كاي تربيع. وبذلك اعتُمدت للتحليلات اللاحقة المتنبئات توقع الأداء وتوقع الجهد والتأثير الاجتماعي والظروف الميسِّرة مع إضافة المخاطر المُدرَكة. ولاختبار الفرضيات، وُظّف نمذجة المعادلة البنائية باستخدام حزمة لافان في بيئة آر، مع تطبيق مُقدِّر أرجحية عظمى متين لمراعاة انحرافات التوزيع الطبيعي، واستُخدم تقدير الأرجحية العظمى كامل المعلومات بافتراض أن البيانات مفقودة عشوائيًا. وأظهرت مؤشرات مطابقة النموذج قيمًا مقبولة إذ بلغ مؤشر المطابقة المقارن 0.913 ومؤشر توكر-لويس 0.892 والجذر التربيعي لمتوسط خطأ التقريب 0.071 والجذر التربيعي المعياري للمتوسط المتبقي 0.067، مع عدم وجود تعدد ارتباط خطي.
على مستوى الآثار المباشرة، أثّرت أربعة متنبئات في النية السلوكية، إذ أظهر توقع الأداء أثرًا إيجابيًا دالًا (بيتا = 0.473، ب أقل من 0.001)، وهو المتنبئ الأقوى، يليه التأثير الاجتماعي (بيتا = 0.398)، ثم توقع الجهد (بيتا = 0.287)، بينما كان أثر المخاطر المُدرَكة غير دال (بيتا = 0.059، ب = 0.235). أما سلوك الاستخدام فتأثّر بثلاثة متنبئات، فأظهرت النية السلوكية أثرًا إيجابيًا قويًا (بيتا = 0.687)، وأظهرت الظروف الميسِّرة أثرًا إيجابيًا دالًا (بيتا = 0.297)، في حين كان أثر المخاطر المُدرَكة سلبيًا وغير دال (بيتا = -0.076، ب = 0.136). ويكشف ذلك أن معلمي الرياضيات يعطون الأولوية للمكاسب التعليمية الملموسة على سهولة الاستخدام وحدها عند اتخاذ قرار استخدام الروبوتات.
أما الآثار غير المباشرة فبيّنت أن توقع الأداء وتوقع الجهد والتأثير الاجتماعي لها آثار غير مباشرة دالة في سلوك الاستخدام عبر وساطة النية السلوكية، إذ بلغ الأثر غير المباشر لتوقع الأداء 0.325 ولتوقع الجهد 0.197 وللتأثير الاجتماعي 0.273، في حين لم يكن الأثر غير المباشر للمخاطر المُدرَكة دالًا، وبلغ إجمالي الأثر غير المباشر 0.835 ما يؤكد الدور المحوري للنية السلوكية بوصفها وسيطًا. وفيما يخص التأثيرات المعدِّلة، أشارت التحليلات إلى أن العمر وسنوات الخبرة لم يؤثرا تأثيرًا دالًا في العلاقات، بينما ظهر الجنس معدِّلًا جزئيًا إذ كان أثر النية السلوكية في سلوك الاستخدام دالًا وسلبيًا (بيتا = -0.304، ب = 0.012)، ما يوحي بأن تحويل النية إلى ممارسة قد يختلف بين المعلمين والمعلمات.
تؤكد المناقشة صحة النموذج الأصلي في سياق استخدام معلمي الرياضيات لروبوتات المحادثة، إذ كانت جميع العلاقات المتعلقة بالنموذج الأصلي دالة بدرجة عالية، وتتسق النتائج مع دراسات سابقة في كون توقع الأداء أقوى متنبئ للنية، لكنها تتجاوزها بإثبات أن توقع الجهد والتأثير الاجتماعي متنبئان دالان بقوة أيضًا. ويُعدّ الدور غير الدال للمخاطر المُدرَكة لافتًا بالنظر إلى أن بحوثًا سابقة أشارت إلى أن مخاوف المعلمين بشأن خصوصية البيانات ودقة المعلومات قد تثبّط التبني، ما قد يعكس عوامل خاصة بالسياق أو تطور تصورات المعلمين مع تزايد الألفة بالروبوتات.
تخلص الدراسة إلى أن على المؤسسات التعليمية الراغبة في دمج روبوتات المحادثة أن تضمن كونها مفيدة وظيفيًا (توقع الأداء) وسهلة الاستخدام (توقع الجهد) ومدعومة ببيئة تقنية واجتماعية مواتية (الظروف الميسِّرة والتأثير الاجتماعي). وتقترح ثلاثة مسارات عملية: عرض حالات استخدام ملموسة متوائمة مع المنهج تُبرز الفوائد التعليمية، وتقليل الحواجز الأولية عبر موارد البدء السريع والقوالب والتدريب الموجز، وتعزيز تأييد الأقران عبر المعلمين الرواد وروتينات الأقسام. وتقرّ بقيود أبرزها إجراء الدراسة في النمسا وحدها ما قد يحدّ من التعميم، واعتماد التصميم المقطعي الذي يحدّ من إثبات العلاقات السببية، والاعتماد على بيانات ذاتية التقرير، وتوصي ببحوث مستقبلية في سياقات ثقافية متنوعة وبتصاميم طولية أو تجريبية ومصادر بيانات متعددة مثل الملاحظات والمقابلات لتثليث النتائج وتحقيق فهم أشمل. وتخلص الدراسة عمليًا إلى أن جهود التبني ينبغي أن تُبرز أدلة الأثر التعليمي مثل النماذج المُوثّقة والمواءمة مع الأهداف المنهجية ومؤشرات تعلم الطلاب، مع ضمان انطلاقة منخفضة الاحتكاك، إذ يبدو أن الفائدة المُدرَكة تحمل وزنًا أكبر من التحسينات التدريجية في سهولة الاستخدام في هذا السياق. وتؤكد أن الآثار غير المباشرة الدالة لتوقع الأداء وتوقع الجهد والتأثير الاجتماعي عبر النية السلوكية تُبرز الدور المركزي لتشكّل النية في ترجمة الإدراك إلى استخدام فعلي، وأن التدخلات التي ترفع توقعات المعلمين لفوائد التعلم وتقلل الجهد المُدرَك وتوظّف أعراف الأقران هي الأكثر احتمالًا لزيادة الاستخدام الصفي عبر تعزيز النية أولًا. وتشير إلى أن حصولها على موافقة مجلس الأخلاقيات في جامعة لينز بالرقم JKU EC-11-2024 يعزز صرامتها الأخلاقية، وأن بياناتها متاحة من المؤلف المراسل بناءً على طلبات مبررة. وبذلك تسهم الدراسة في ترسيخ الركائز الأساسية للنظرية الموحدة وتوسيع فهم قبول التكنولوجيا في السياقات التعليمية، داعية المؤسسات إلى الجمع بين إبراز الأثر الملموس وتقليل الجهد الأولي وتوظيف الدعم الاجتماعي بوصفه مسارًا متوازنًا نحو تبنٍّ مستدام لروبوتات المحادثة في تدريس الرياضيات.
الدراسة (PDF)
المصدر: Computers and Education Open، المجلد 10 (2026)، رقم المقال 100359، الناشر Elsevier، DOI: 10.1016/j.caeo.2026.100359.