الخطاب الشعري وفتوحات الذكاء الاصطناعي – تأملات استشرافية

خلاصة الورقة
تسعى هذه الدراسة المشتركة للباحثَين وداد لعجال ولخميسي شرفي، من مخبر الدراسات الإنسانية والأدبية بجامعة العربي التبسي بتبسة، والمنشورة في مجلة إشكالات في اللغة والأدب الصادرة عن جامعة تامنغست بالجزائر (المجلد 12، العدد 1، مارس 2023، ص389-402)، إلى الوقوف على مستجدات الشعرية الرقمية وبيان مستقبل قصيدة الذكاء الاصطناعي من خلال التحليل والمساءلة، وذلك نظرا للتحولات العديدة التي طرأت على القيم الفكرية والفنية للتجربة الإبداعية للخطاب الشعري المعاصر نتيجة التداخل الحاصل بين الأدب والتكنولوجيا. وتنطلق الدراسة من ملاحظة أن الذكاء الاصطناعي اقتحم مختلف ميادين الحياة وتجاوز حدود العلم ليقتحم مجال الأدب أيضا ويكشف عن وجه مختلف للعملية الإبداعية، فباتت الساحة الأدبية تشهد بزوغ فجر جديد لميلاد قصيدة الذكاء الاصطناعي عبر بعض التجارب المحتشمة التي تكتنف كل بداية جديدة. ومن هنا تبلورت إشكالية البحث التي تستدعي الفحص والتأمل في هذه التجربة الجديدة ومدى نجاحها، وفيما إذا كانت قصيدة الذكاء الاصطناعي ستعيد مراجعة قوانين الشعرية، وهل يمكن أن تؤسس لجنس أدبي جديد. وقد صاغ الباحثان ذلك في تساؤلات صريحة: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكتب قصيدة؟ وهل يمكن اعتبار قصيدة الذكاء الاصطناعي إبداعا؟ وهل يمكن أن نشهد شكلا أجناسيا جديدا وقوانين مختلفة للشعرية؟ ولخوض غمار هذا البحث اعتمد الباحثان على منهج التحليل والتأويل الذي أفضى إلى نتيجة مركزية مفادها نجاح التجارب الشعرية الأولى لقصيدة الذكاء الاصطناعي في المحاكاة وفشلها في العاطفة.
يتأسس الإطار النظري للدراسة على تتبع مسار الخطاب الشعري العربي من بلاغة الكلمة إلى شعرية التقنية أو الوسيط؛ فقد حظي الشعر بمكانة رفيعة عند العرب، وعرف في العصور القديمة ازدهارا تميز بعمود الشعر والأغراض واللغة الفخمة، ثم شهد بعد عصر الانحطاط حركة نهضوية قامت على إحياء النموذج القديم، تلتها حركات تجديدية تنادي بتجاوز القديم والتركيز على الذات الشاعرة، فظهرت حركة شعر التفعيلة وتكسير البنية مع بدر شاكر السياب ونازك الملائكة، ثم حركة تجديد الرؤيا وإعادة بناء المظاهر التعبيرية، وصولا إلى قصيدة النثر التي تجاوزت الوزن واهتمت بصراع الدوال والمدلولات. ويستدعي الباحثان في هذا السياق آراء نقدية مؤسسة، منها رأي جابر عصفور في أن غاية الشعر التأثير عبر ضرب بارع من الصياغة ينطوي على قدر من التمويه، ورأي محمد غنيمي هلال في أن الصورة الشعرية جزء من التجربة الشعرية، وتعليل محمد مندور للتحول في صورة القصيدة العربية المعاصرة بأنه ناجم عن تحول عميق في ثقافتنا الفكرية والفنية لا عن نزوة طائشة أو مجرد رغبة في التجديد. ثم ترصد الدراسة ثورة الوسيط الإلكتروني حيث صار الوسيط التكنولوجي الوعاء الحامل للقصيدة الجديدة بعدما كانت الكلمة مادة الشعر، وتعرض لمفهوم القصيدة التفاعلية كما تناولته فاطمة البريكي بوصفها نصا شعريا يقدم عبر الوسيط الإلكتروني بعدد من الخصائص والصفات المخصوصة، وكما حددها جميل حمداوي بعناصرها التفاعلية: النص والصوت والصورة والحركة والمتلقي والحاسوب، إضافة إلى ما أورده حسام الخطيب في كتابه الأدب والتكنولوجيا وجسر النص المتفرع، وزهور كرام التي ترى أن المتغيرات التكنولوجية أهلت تجربة التفكير البشري للتعبير بواسطة الإمكانات المتاحة التي ليست مجرد وسائط وإنما تعبر عن شكل تفكير مغاير.
وينعقد المحور المركزي للدراسة، الموسوم بعنوان من الفحولة الشعرية إلى تغذية الخوارزميات، على بيان انتقال إنتاج القصيدة من موهبة الشاعر إلى ذكاء الآلة؛ إذ يعمل الإنسان على تغذية الخوارزميات بعدد هائل من قصائد الشعراء لتقوم الآلة بإنشاء قصيدة على منوالهم، عبر تزويد الأنظمة بالقدرة على التعلم التلقائي والتعلم العميق، حيث إن الشبكات العصبية الصناعية خوارزميات تعمل بنفس عمل العقل البشري من خلال كميات ضخمة من البيانات. وتستشهد الدراسة ببحث أنجزه باحثون أجانب حول النموذج العصبي المشترك للغة الشعرية والوزن والقافية (Deep-speare)، أثبت أن نماذج القافية تعمل بشكل جيد يصعب معه التمييز بينها وبين ما كتبه الإنسان، غير أن القصائد التي تولدها الآلة تظل ضعيفة من حيث المقروئية والمشاعر وذات تأثير عاطفي منخفض، ما يدعو إلى النظر فيما وراء القافية والتركيز على اللغة الشعرية. كما تعرض الدراسة تجربة الشاعر العراقي ناصر مؤنس في تغذية الخوارزميات التي ألفت الآلة على إثرها ما أطلق عليه (ألف قصيدة وقصيدة) في كتابه برج زرادشت، وتحلل نماذج منها لتخلص إلى أن ما ألفه الذكاء الاصطناعي لا يتجاوز سطرا واحدا مركبا تركيبا سليما نحويا وصرفيا ودلاليا، أقرب إلى قصيدة النثر في إيجازها، لكنها لم تتسق على مستوى الموضوع. وتناقش الدراسة كذلك آراء المشاركين في الجلسة الحوارية الافتراضية التي نظمها اتحاد كتاب وأدباء الإمارات بعنوان القصيدة في زمن الذكاء الاصطناعي؛ فالدكتور هيثم الحاج يرى أن الشعر يقوم على عُرف يكسر بالاستخدام اللغوي، وأن مسألة الكسر اللغوي والإنشاء على غير مثال تجعل قصيدة الذكاء الاصطناعي في غاية الصعوبة لأن ما نغذي به الآلة مجرد ألاعيب تقوم على الربط بين المتجانسات، وأن ما تنتجه الآلة قولبة ومحاكاة لا يمكنها تدشين تيار جديد في الكتابة، فيما يثير التدخل البشري في تغذية النموذج قضية جديدة هي: من هو المؤلف؟ أهي الآلة أم ذلك البشري الذي غذى الخوارزميات؟ ويتفق معه الشاعر عبد الله الهدية في أن الآلة قد تنجح في المحاكاة ولكنها ستفشل في المشاعر؛ لأن محاكاتها للشعر البشري لا يمكن أن تجسد روح الشاعر، إذ إن لكل قصيدة مزاجها، في حين يبدي الدكتور عبد الرحمن بن حسن المحسني ارتياحه إذ لا خطورة على الأدب الإنساني من الذكاء الاصطناعي في نظره لأن لكل شاعر تجربته الخاصة التي لا تشبهها تجربة أخرى.
وفي محور أزمة التجنيس تعود الدراسة إلى نظرية الأجناس الأدبية منذ إرهاصاتها الأولى عند أرسطو الذي قسم الشعر إلى تراجيديا وكوميديا وملحمة ضمانا لنقاء الجنس الأدبي، لتبين أن مظاهر التجديد التي طالت الشعر العربي أسفرت عن تداخل أجناسي جعل هذه النظرية من القضايا الشائكة المعاصرة؛ فقصيدة النثر حطمت فكرة نقاء الجنس الأدبي وتجاوزت مرحلة الرفض والقبول وامتلكت شرعية جنس أدبي مستقل، وفي ظل ظهور النص الرقمي لم يعد معيار الشكل وجدلية البناء فيصلا في تحديد الجنس الأدبي. ويستدعي الباحثان رأي زهور كرام في أن تجربة الأجناس الأدبية لا تؤمن بموت جنس أدبي أو تلاشيه بل بمبدأ التشرب من الجنس اللاحق، ورأي عز الدين المناصرة في أن مبدأ التجنيس بين الأنواع الأدبية أمر لا مفر منه لأنه يتيح توليد أنواع أخرى، ورأي محمد عروس في أن التجاوز المستمر لحدود الجنس الأدبي وتحطيم قيوده يعطي فرصا أكبر للإبداع. وتتساءل الدراسة: هل تحافظ قصيدة الذكاء الاصطناعي على خصوصية جنسها أم أنها تؤسس لجنس جديد؟ مرجحة أن القولبة الناتجة عن تغذية الخوارزميات ستفضي بالضرورة إلى التقولب في الجنس الأدبي، وأن ذلك يعد انقلابا على مبدأ النوع الأدبي وحالة من تمييع النظام غايتها الوصول إلى نص جديد بلا هوية يرفض التنويع. أما محور نحو شعرية جديدة فيطرح سؤال انتقال النقد من التفعيلات إلى نظام البيانات، ويعرض موقف الشاعر ناصر مؤنس الذي يرى أن الشاعر المعاصر مطمئن للسائد لا تشغله الرؤية، بينما تمتلك الآلة فيضا ذهنيا جذابا ومخزونا لغويا يمكنها من كتابة ما يبعث الدهشة في أقل عدد ممكن من الكلمات بلا جناس أو طباق أو بلاغة، ويشير الباحثان إلى محاولة الناقد الأردني أحمد زهير رحاحلة التأسيس لمصطلح الأدب الاصطناعي عبر مؤلفيه: نظرية الأدب الرقمي – ملامح التأسيس وآفاق التجريب (2018)، والأدب الاصطناعي وقضايا الحساسية الرقمية (2020)، بوصفهما باكورة تأسيس نظرية جديدة للأدب والنقد في ظل تزاوج الأدب والتكنولوجيا، متسائلين عما إذا كانت مسألة التناص الصريحة بين مخرجات الآلة ومجموعة أشعار الشاعر البشري المغذي للخوارزميات ستفتح باب شعرية جديدة هي شعرية الخوارزميات.
وتخلص الدراسة في خاتمتها إلى جملة نتائج، منها: أن الخوارزميات تغذى بمجموع قصائد ضخمة لتعيد الآلة محاكاة الأسلوب وتنتج على منواله؛ وأن التجارب الأولى لقصيدة الذكاء الاصطناعي أبدت نجاحا في محاكاة اللغة والأسلوب والقافية والإيقاع وسلامة الجملة تركيبا ونحوا، لكنها فشلت في نقل المشاعر والأحاسيس إلى المتلقي لأن التجربة الشعرية لا بد أن تنبع من القلب، ولأن غياب الصدق الشعري والبنية السطحية للقصيدة المولدة يعدمان شعرية النص؛ وأن العمل على تغذية الآلة بما يساعدها على التعلم الذاتي يجعل الأمر أكثر تعقيدا وأشد وطأة على الشعراء؛ وأن قصيدة الذكاء الاصطناعي يمكن أن تأخذ بالانفتاح على فن جديد سيعتبره بعضهم فيروسا للشعر قاتلا للأحاسيس والمشاعر والإبداع الشعري؛ وأنه كما أثارت قصيدة النثر والقصيدة التفاعلية مسألة الأجناسية فإن قصيدة الذكاء الاصطناعي أعادت هذه المسألة إلى الواجهة لكنها ستأخذ منحى مغايرا تماما؛ وأنه لا بد من إعادة النظر في نظرية الأجناس الأدبية بما يتماشى مع ما يشهده الشعر من تجديد، وأن النقد يمكن أن ينتقل في قراءته لهذه القصيدة إلى آليات جديدة محورها تغذية الخوارزميات. وتكمن الأهمية العلمية للدراسة في كونها من المقاربات العربية المبكرة التي تتناول قصيدة الذكاء الاصطناعي بمنظور استشرافي يجمع بين تاريخ تطور القصيدة العربية وأسئلة النظرية الأدبية المعاصرة، وفي فتحها نقاشا نقديا جادا حول مفاهيم المؤلف والإبداع والتجنيس والشعرية في زمن الخوارزميات، بما يجعلها إسهاما تأسيسيا في النقد العربي الرقمي ومرجعا نافعا للباحثين في العلاقة بين الأدب والتكنولوجيا وحدود الإبداع الآلي في مقابل الإبداع الإنساني.
الورقة (PDF)
المصدر: وداد لعجال ولخميسي شرفي، الخطاب الشعري وفتوحات الذكاء الاصطناعي – تأملات استشرافية، مجلة إشكالات في اللغة والأدب، جامعة تامنغست، الجزائر، مج12، ع1، مارس 2023، ص389-402.