الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم العالي: العوامل الأخلاقية والسلوكية المؤثرة في نوايا الطلاب لاستخدام ChatGPT

خلاصة الدراسة
تنطلق هذه الدراسة من إشكالية محورية مفادها أن تبنّي الطلاب لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وفي مقدمتها ChatGPT بوصفه أوسع الأنظمة استخداماً في البيئات الأكاديمية وأسرع التطبيقات نمواً في التاريخ، لم يعد ظاهرة تقنية بحتة، بل صار قضية متشابكة تتقاطع فيها الاعتبارات الأخلاقية والسلوكية والتقنية. وتشير الدراسة إلى أن أنظمة الذكاء التوليدي، خلافاً لكثير من الأدوات الرقمية السابقة في التعليم، تتّسم بخصائص شبيهة بالإنسان كالقدرة الحوارية والاستجابات الطبيعية، وهو ما قد يخفّض حواجز التبنّي لدى الطلاب لكنه لا يبدّد شكوك المعلمين إزاء موثوقيتها وقيمتها التربوية ومخاطرها كالهلوسة والاستشهادات الملفّقة وتآكل التفكير النقدي. ورغم تسارع اعتماد هذه النماذج داخل الجامعات، لاحظ الباحثون أن الأدبيات القائمة ظلت أسيرة نماذج نظرية مفردة تُطبَّق بمعزل عن بعضها، ونادراً ما دمجت الأطر السلوكية والتقنية مع الأطر الأخلاقية، ما ترك ثلاث فجوات بحثية رئيسة: غياب الدمج بين نماذج القبول التقني وأطر الأخلاقيات، واقتصار معظم الدراسات على سياق دولة واحدة أو على طابع مفاهيمي مراجِع، وقصور فهم الدور الذي تؤديه الاعتبارات الأخلاقية كالعدالة والمساءلة والشفافية والخصوصية في تشكيل الثقة والتأثير في قرارات التبنّي. وتذكّر الدراسة بأجندة التعليم العالمي 2030 لليونسكو التي تشدّد على الحاجة إلى سياسات ذكاء اصطناعي متمركزة حول الإنسان تضمن استخداماً أخلاقياً وآمناً ومنصفاً لهذه الأدوات في التعليم.
هدفت الدراسة إلى تطوير نموذج متكامل واختباره تجريبياً يجمع بين نموذج قبول التكنولوجيا (TAM)، ونظرية السلوك المخطط (TPB)، والنظرية الموحّدة لقبول واستخدام التكنولوجيا (UTAUT)، وإطار العدالة والمساءلة والشفافية والأخلاقيات في الذكاء الاصطناعي (FATE). وقد صاغ الفريق سؤالين بحثيين: أولهما عن العوامل الأخلاقية والسلوكية والتقنية التي تؤثر في مواقف الطلاب من استخدام ChatGPT في الواجبات الجامعية ومدى تأثيرها، وثانيهما عن التحديات المرتبطة بالاستخدام الفعّال والدمج الأخلاقي لهذه الأداة في الأكاديميا. وانبثقت عن النموذج ثلاث وعشرون فرضية تربط بين ستة بُنى أخلاقية (القابلية للتفسير، والشفافية، والمساءلة، والعدالة، والخصوصية، والثقة) وبين المحددات السلوكية والتقنية للتبنّي.
اعتمد الباحثون منهجاً كمياً قائماً على المسح الميداني، إذ صُمّمت استبانة مستمدة من مقاييس مُتحقَّق منها في الأدبيات السابقة وجرى تكييفها لسياق تبنّي الطلاب لـ ChatGPT، فأسفرت عن قائمة من سبعة عشر بناءً نُظّمت في خمسة أقسام تغطي المعلومات الديموغرافية، ونوايا التبنّي والاستخدام، والإدراكات الأخلاقية، والجوانب السلوكية، ودوافع استخدام أدوات الذكاء التوليدي. وقيس كل عنصر على مقياس ليكرت الخماسي. وأُجريت دراسة استطلاعية تجريبية راجع فيها خمسة خبراء أكاديميين اتساق الأداة وتسلسلها، ثم وُزّعت الاستبانة في الفترة من أكتوبر إلى نوفمبر 2023 عبر قنوات متعددة شملت القوائم البريدية الجامعية وأنظمة إدارة التعلم ومجموعات وسائل التواصل. واعتُمدت استراتيجية عيّنة ملائمة غير احتمالية مدعومة باستهداف قصدي لضمان إدراج طلاب لديهم خبرة سابقة بالأداة. وبعد ترشيح العيّنة الأولية البالغة 528 استجابة، وحذف من لا يستخدمون الأداة (177 استجابة) ومن تجاوزت أعمارهم الأربعين (ثماني استجابات)، استقرت العيّنة النهائية عند 344 استجابة صحيحة موزّعة على أربع دول أوروبية هي إستونيا وألمانيا وبولندا ورومانيا، اختيرت لتمثيل شمال أوروبا وغربها ووسطها وشرقها وتوفير تباين ثقافي وتعليمي ورقمي.
وصف الباحثون خصائص المشاركين بدقة، فكان معظمهم من طلاب البكالوريوس بنسبة 60.47 بالمئة، فيما غلب طلاب الماجستير في إستونيا ورومانيا، وتركزت الفئة العمرية بين الحادية والعشرين والخامسة والعشرين بنسبة 58.43 بالمئة. أما التحليل الإحصائي فاعتمد على نمذجة المعادلات البنائية بطريقة المربعات الصغرى الجزئية (PLS-SEM) باستخدام برنامج SmartPLS 3.3.9، وهو خيار برّره الفريق بأربعة أسباب: التوجه التنبؤي للدراسة، وتعقيد النموذج المتكامل، وملاءمة الطريقة لحجم العيّنة وطبيعتها عبر الدول، وشيوع استخدامها في أبحاث تقنيات التعليم. وقُيّم نموذج القياس عبر موثوقية المؤشرات والاتساق الداخلي (ألفا كرونباخ والموثوقية المركبة)، والصدق التقاربي (متوسط التباين المستخلص)، والصدق التمييزي (معايير فورنيل-لاركر والتحميل المتقاطع ونسبة HTMT)، مع التأكد من غياب التعدد الخطي عبر معامل تضخّم التباين الذي ظلّ دون العتبة الموصى بها البالغة 5.0، متراوحاً بين 1.030 و4.857.
كشفت النتائج البنيوية دعم عشرين فرضية من أصل ثلاث وعشرين عبر إجراء إعادة عيّنة (bootstrapping) بخمسة آلاف تكرار. ففي الجانب الأخلاقي، تبيّن أن الخصوصية هي أقوى مُنبّئات الثقة (β=0.286)، تلتها القابلية للتفسير (β=0.251) ثم العدالة (β=0.150)، وأن الشفافية والمساءلة مُنبّئان قويان للعدالة (β=0.255 و0.247 على التوالي)، وأن الشفافية تُنبّئ أيضاً بالقابلية للتفسير (β=0.248). وأكدت الدراسة أن الثقة تؤثر إيجاباً وبقوة في الأداء المُدرَك (β=0.381). غير أن نتيجتين لافتتين برزتا: فالمساءلة لا تُنبّئ بشكل دال بالقابلية للتفسير (β=0.123، p=0.101)، والأهم أن الثقة لا تُنبّئ مباشرة بنية استخدام الطلاب للأداة (β=0.010، p=0.864)، بما يشير إلى أن الطلاب يقيّمون موثوقية ChatGPT من خلال فاعليته لا بوصفه عاملاً مباشراً في التبنّي.
وفي الجانب السلوكي، دُعمت الفرضيات الأربع جميعها، إذ ظهر التأثير الاجتماعي للأساتذة الجامعيين بوصفه أقوى محدد لنية الاستخدام (β=0.219)، يليه التأثير الاجتماعي للأقران (β=0.148) ثم التحكم السلوكي المُدرَك في عملية الاستخدام ونواتجه (β=0.122)، كما كان تأثير الأساتذة المُنبّئ السلوكي الوحيد لنية الشراء (β=0.200). أما في جانب التبنّي التقني فدُعمت الفرضيات الثماني كافة، حيث تبيّن أن الأداء مُنبّئ قوي بسهولة الاستخدام (β=0.472) وبالموقف تجاه الاستخدام (β=0.220)، وأن سهولة الاستخدام تؤثر بقوة في إدراك المنفعة (β=0.563) وفي الموقف (β=0.182)، وأن المنفعة كانت أقوى محددات الموقف تجاه الاستخدام (β=0.429) ومن أبرز مُنبّئات نية الاستخدام (β=0.200)، فيما ربطت نية الاستخدام بنية الشراء (β=0.325). وبلغت قيم معامل التحديد R² للثقة 0.292 ولنية الاستخدام 0.381 ولنية الشراء 0.211.
أما التأثيرات المُعدِّلة فأظهرت أن بلد المشارك يُعدّل سلباً العلاقة بين نية الاستخدام ونية الشراء (β=-0.149)، بحيث كان تأثير نية الاستخدام على الشراء أضعف لدى طلاب بولندا ورومانيا مقارنة بإستونيا وألمانيا، وهو ما عزاه الباحثون إلى تفاوت مستوى الألفة بالأداة والدعم المؤسسي؛ إذ أظهر الطلاب الإستونيون والألمان ألفة أكبر واستخداماً أكثر تنوعاً وشمولاً لمهام متقدمة كالبرمجة. في المقابل، لم يُعدِّل السلوك غير الأخلاقي في تقنية المعلومات العلاقة بين الثقة ونية الاستخدام (β=-0.096، p=0.053)، وفسّر الباحثون ذلك بشعور الطلاب بقدر أكبر من التحكم في ChatGPT مقارنة بمنصات تقنية أخرى. ولم تُظهر عوامل الجنس والعمر ومستوى التعليم أي تأثير تعديلي دال.
وفي مناقشة أنماط الاستخدام والتحديات، رصدت الدراسة أن أبرز استخدامات ChatGPT تمثّلت في استرجاع المعلومات وتلخيص النصوص وتحريرها وإعادة صياغتها والبرمجة والترجمة اللغوية، غير أن الطلاب اشتكوا من عدم الدقة وتكرار الأخطاء ذاتها حتى بعد التصحيح، ومن اعتماد الأداة على صياغة دقيقة للأوامر، ومن محدوديتها في المهام البرمجية المعقّدة ومعالجة النصوص الكبيرة. وأكدوا افتقارهم إلى مهارات هندسة الأوامر وفهم الخوارزميات والقدرة على التحقق من دقة المعلومات، بما يبرز مخاطر تراجع التفكير النقدي.
خلص الباحثون إلى أربع مساهمات نظرية: التحقق من نموذج متكامل يجمع FATE مع TAM وTPB وUTAUT، وتوضيح دور البُنى الأخلاقية في رفع العدالة والقابلية للتفسير والثقة، وإعادة تعريف دور الثقة بوصفها مؤشراً على الأداء لا محرّكاً مباشراً للتبنّي، وإبراز تفوق التأثير المعياري للأساتذة على تأثير الأقران والتحكم السلوكي. كما أضافت النتائج عبر الدول بُعداً مقارناً مهماً كشف أن الدعم المؤسسي وألفة الطلاب بالذكاء الاصطناعي يعدّلان التبنّي بشكل دال، بما يبرز أثر السياقات الثقافية والمؤسسية التي ظلّت غير مستكشفة بما يكفي في أدبيات التبنّي. وعلى الصعيد العملي، دعت الدراسة الجامعات وصانعي السياسات إلى عدم الاكتفاء بالبيانات المؤسسية العامة، بل إلى إشراك أعضاء هيئة التدريس وتدريبهم لأن تشجيعهم الصريح هو المحرّك الأقوى للتبنّي، مع تنمية مهارات التعامل النقدي مع أدوات الذكاء التوليدي وضمان استخدامها المسؤول والأخلاقي في التعليم العالي. وشدّدت على ضرورة تسليح الطلاب بمهارات هندسة الأوامر والقدرة على التحقق من دقة المعلومات، بوصفها كفايات جوهرية باتت لا غنى عنها في المجال التعليمي الراهن، مع مراعاة تحديد أنماط الاستخدام النموذجية وموازنة الفرص بالمخاطر المصاحبة.
الدراسة (PDF)
المصدر: Computers and Education Open، المجلد 10 (2026)، رقم المقال 100336، الناشر Elsevier، DOI: 10.1016/j.caeo.2026.100336.