الذكاء الاصطناعي في الأدب _المسرح أنموذجا_

خلاصة الورقة
نُشرت هذه الدراسة للباحثة أميمة اشبرو من المدرسة العليا للأساتذة بجامعة محمد الخامس بالرباط في المغرب، ضمن مجلة التطوير العلمي للدراسات والبحوث في مجلدها السادس، العدد الحادي والعشرين لسنة 2025، في الصفحات من 150 إلى 164، وقد استُلمت بتاريخ 23 يناير 2025 وقُبلت في 23 فبراير 2025 ونُشرت في الأول من مارس 2025. وتنطلق الدراسة من ملاحظة أن التكنولوجيا الحديثة بما تحتويه من ذكاء اصطناعي غدت في الآونة الأخيرة منتشرة في جميع المجالات والميادين، إذ نلمسها في اللغة والأدب ومختلف العلوم وفي التربية والتعليم، وأن هذا الأمر طرح علاقة ملتبسة بين الذكاء الاصطناعي والإنسان الذي يحتاج إلى معرفة كاملة بالرقميات والتقانة حتى لا ينساق وراء الآلات المستحدثة. وقد تمحورت إشكالية البحث في أسئلة مركزية صريحة: ما العامل الأساس المساهم في انتقال المسرح من مسرح فرجوي له احتكاكه المباشر بجمهوره إلى مسرح إلكتروني ذي جماهير افتراضية؟ وهل توظيف الذكاء الاصطناعي في كتابة الأعمال الإبداعية لن يجعلها متشابهة وإن اختلف كتّابها؟ وهل إبداعات الذكاء الاصطناعي تمثل إبداعات حقيقية؟ وهل سيكتسح الذكاء الاصطناعي عالم الكتابة كباقي المجالات؟ وهل مستقبل الكتّاب والمبدعين الجادين في خطر؟ وما دور الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى والعرض المسرحي الإلكتروني؟ وقد وضعت الباحثة فرضيات للبحث سعت إلى التأكد من مصداقيتها أو عدمها في نهايته، مفادها أنه ما دام تدبير أمور الحياة تفكيرا وتخطيطا من مهام الإنسان، فإنه من الصعوبة أن يقبل الذكاء الاصطناعي شريكا له في إدارة أمور حياته بما في ذلك مساعدته على كتابة إبداعاته، وأن التأثير الكبير للذكاء الاصطناعي على جميع المجالات بما فيها الأدب لا بد أن تعقبه نتائج وخيمة سيدفع الكتّاب والمبدعون ثمنها غاليا.
وقد بُنيت الدراسة على خطة من أربعة مطالب؛ خُصص أولها لتعريف الذكاء الاصطناعي بوصفه المصطلح المحوري في المقال، مبينة أنه ظهر نتيجة الثورة الصناعية الرابعة بألمانيا التي فتحت الباب على مصراعيه أمام الاختراعات والابتكارات، وأحدثت تغيرا جذريا في نمط تفكير الإنسان المعاصر وطريقة عيشه، مؤسِّسة لعالم تكنولوجي جديد مخالف لما عاشه. وتستعرض الباحثة جملة من التعريفات: فالذكاء الاصطناعي «نظام المحاكاة الميكانيكية الذي يقوم على جمع المعرفة والعموميات التي تتعلق بمختلف القطاعات في العالم والعمل على معالجتها ونشرها للاستفادة منها على شكل ذكاء علمي» يضاهي ويحاكي الذكاء البشري باستخدام الخوارزميات، وعرّفه العالم مارتن ويك بأنه العلم القادر على بناء آلات تؤدي مهام تحتاج للذكاء البشري عند أدائها مثل الاستنتاج المنطقي والتعلم والقدرة على التعديل، فيما رأى العالم إدوارد فيجنبوم أنه جزء من علوم الحاسب يهدف إلى تصميم أنظمة ذكية تعطي الخصائص نفسها التي نعرفها بالذكاء في السلوك الإنساني، وذهب الناقد العربي مصطفى جودت صالح إلى أنه مبحث يتناول كيفية جعل الآلة تؤدي عمليات محاكية لقدرات البشر العقلية. وتخلص الباحثة من هذه التعريفات إلى أن الذكاء الاصطناعي محاكاة جزئية لجانب من جوانب الذكاء الإنساني وليس محاكاة كلية مطلقة، مع وجوب استحضار أن الإنسان هو من أوجد هذه الآلة وجعل لها ذكاء وليس العكس، وإن كان تطوره وارتقاؤه إلى حد فهم طبيعة العقل البشري ومحاكاة سلوكه ينبئ بأن هذه الأجهزة الذكية ستصبح قادرة على أداء المهام البشرية من تفكير وتطبيق وتوظيف للخبرات بما يجعل منها منافسا للإنسان.
وفي المطلب الثاني المخصص لتطور المسرح في ظل الذكاء الاصطناعي، ترصد الدراسة تحول المسرح إلى المسرح الإلكتروني الذي يعد ظاهرة العصر أمام تطور تكنولوجيا المعلومات وتعدد الوسائط الإلكترونية في ظل العولمة وعلى رأسها الإنترنت، ويقصد به المسرح المتحقق من خلال شاشة الحاسوب تماشيا مع وسائل الاتصال الحديثة وتطورها في أفق خلق قنوات جديدة للتواصل بين الجماهير تتجاوز وسائل الاتصال التقليدية، وهو مسرح يستلزم متلقيا له معرفة وإتقان بلغة الحاسوب وعلاماته وأبجدياته ووظائفه المختلفة مما يخلق شروطا جديدة للتلقي، ويستجيب لشعار النشرات الإشهارية العالمية: التكنولوجيا في خدمة الإنسان. وتقف الباحثة عند تجربتين رائدتين في ما اصطلح عليه بالأدب الروبوتي: أولاهما للكاتب المسرحي والسينمائي المغربي أيوب العياسي المتخصص في مسرح الانزياح ما بعد الحداثي، الذي وظف الروبوت والهولوغرام في عمل إبداعي مع فريق مغربي فني وتقني بعنوان «صخرة العشاق» في تجربة مسرحية أوبرالية عن التراث والموسيقى الأندلسية، قدمتها جمعية كفاءات مغربية سنة 2024 بالدار البيضاء بمشاركة متخصصين ومطربين في فضاء تاريخي منفتح وعلى خشبة المسرح؛ وثانيتهما مسرحية «الدكتور فاوستوس أسطورة الإنسان الذي..» للكاتب المسرحي المغربي عبد اللطيف فردوس الذي استعان بالمهندسة فاطمة الزاهيري لبناء مسرح تجريبي موظفا الذكاء الاصطناعي في إبداع نص موازٍ لنصه الخاص، بحيث جمع المؤلف بين دفتي مؤلفه تجربتين نصيتين: تجربته التي تمثل إبداعا بشريا، وتوليفة آلية تشكل منجزا إبداعيا آليا. وقد صرحت الزاهيري في تقديمها للنص الثاني المعنون «هكذا كتب الذكاء الاصطناعي المسرحية» بأنها قدمت للروبوت الإطار العام للمسرحية من عنوان وفضاء وشخصيات وموضوع عام، وزودته بكل مشهد على حدة طالبة منه إعادة كتابته بطريقته الخاصة في ترابط وتسلسل مع المشهد السابق، للحصول في الأخير على نص مسرحي جديد من صنع الذكاء الاصطناعي. كما تشير الدراسة إلى لجوء الكتّاب إلى توظيف مصطلحات ومفاهيم تكنولوجية حديثة في أعمالهم، كمسرحية حبيب الظاهر «الروبوتات يا ملك الزمان» المقتبس عنوانها من مسرحية الكاتب السوري سعد الله ونوس «الفيل يا ملك الزمان».
أما المطلب الثالث فيعقد موازنة تفصيلية بين النصين المسرحيين البشري والآلي في تجربة فردوس من خلال جدول مختزل لأوجه الائتلاف والاختلاف؛ فتلاحظ الباحثة أن المؤلف استعمل تمهيدا لنصه قبل الدخول في مشاهده المسرحية عنونه (عفوا انطلاقة خاطئة/إعادة)، بينما وظف نص الذكاء الاصطناعي مصطلحا متداولا في المسرح هو البرولوغ الذي يقع قبل المشاهد المسرحية، وأن المؤلف جمع بين مصطلحي الجولة والسُّفرة بينما اقتصر الذكاء الاصطناعي على مصطلح الجولة مستبعدا السُّفرة بدلالاتها اللغوية والميتافيزيقية التي فصّلت فيها الباحثة بالعودة إلى ابن منظور، مما يضع القارئ أمام تأويلات مفادها أن الآلة لم تستوعب بعد معنى السُّفرة وما تحمله من دلالة، كما أن نص المؤلف بدا أكثر حرية ولعبا باللغة من خلال كثرة الانزياحات والإيحاءات التعبيرية مما جعل لغته لغة مبدعة. وترى الدراسة عموما أن الأعمال التي يساهم الذكاء الاصطناعي في إنجازها وإن كانت متقنة تعبيريا فهي تفتقد التلوينات اللغوية والكثافة الأسلوبية تعبيرا وإيحاء من استعارات ومجازات وتشبيهات ورموز تشد المتلقي وتخلق له صورة حية بلمسة فنية وتعبر عن مكنونات المتحاورين ومشاعرهم في العملية الإبداعية المسرحية. وفي المطلب الرابع تعالج الباحثة مخاطر توظيف الذكاء الاصطناعي في المسرح، فتدرجها ضمن مخاطر التكنولوجيا عموما في ظل العولمة: من انتشار العنف الرمزي والدعاية المستديمة له من خلال المحتويات المسرحية، وطغيان ثقافة المرئي، وتغييب جهد الإنسان واستبداله بجهد الآلة، وإدمان الإنترنت وطغيان حوار الإنسان مع الآلة عوض حوار الإنسان مع أخيه الإنسان، إلى عودة المصطلح النقدي القديم «السرقة الأدبية» للطفو على السطح في ثوبها الإلكتروني وضياع حقوق الكتّاب والمؤلفين، لأن الذكاء الاصطناعي يعتمد على توليفة وانتقائية لنصوص متعددة ومتنوعة لكتّاب متعددين ولا يستطيع أن يتجاوز في كتابته ما حبّره الدماغ البشري. وتستدل الباحثة بمقطع حواري من مسرحية «حياة جميلة» للكاتب المسرحي العراقي عبد الكريم العامري الذي وظف الآلة/الروبوت بطريقة مثيرة جاعلا منها شخصية رئيسية في العمل حولت حياة زوجين إلى جحيم، مبينة أن اختيار هذه الشخصية لم يكن عشوائيا وإنما أراد تمرير رسائل اجتماعية وتفجير ما يحبل به الواقع من مشاكل، مع الإشارة إلى سلبيات هذه التقنيات الحديثة إن استُغلت استغلالا خاطئا.
وتخلص الدراسة في خاتمتها إلى أن المسرح لم يعد حبيس المسارح ودور الشباب والثقافة وإنما أمسى منفتحا على الوسائط الإلكترونية التي وفرتها التكنولوجيا الحديثة وخاصة الإنترنت، مما انعكس على أبي الفنون سلبا وإيجابا، ولعل الجانب السلبي أكثر حضورا ما دام اللقاء المباشر مع الجمهور، وهو شرط أساسي في الفرجة المسرحية لتحقيق التواصل الحميمي بين الفاعلين المسرحيين على الركح، قد غاب مع هذه الوسائط التي جعلت المتلقي ينزوي في غرفته داخل منزله أمام التلفاز أو الحاسوب أو الهاتف النقال بعيدا عن قاعات المسرح بتفاعلاتها وحيويتها وتواصلها، فتخبو جذوة التلقي ويتولد الكسل الفكري والخمول المؤثر على عمليتي الفهم والتأويل. كما تخلص إلى أن المسرح الإلكتروني العربي وصناعة المحتوى الفرجوي في الوسائط الإلكترونية لا يزالان باهتين لافتقار الفاعلين المسرحيين إلى ثقافة تكنولوجية وتقنياتها مزاولة وإتقانا، وأن إشكالية المتلقي عامة والعربي خاصة تعود إلى ثلاثة عوامل: المتلقي نفسه الذي ينبغي أن ينفتح على المنتوج المسرحي في انتقائية للهادف والصالح وفي قدرة على عمليتي الفهم والتأويل المؤديتين إلى المشاركة الفعالة، والمبدع المسرحي الذي يفترض أن يكون ملما بثقافة التكنولوجيا المعلوماتية ومزاولة تقنياتها ليوظفها بأمان في العملية الإبداعية، والإبداع المسرحي الذي ينبغي أن يساير واقعه فهما وانتقادا مع طرح القضايا التي تؤرق الإنسان العربي في استشراف لرؤية مستقبلية. وتدعو الباحثة المسرح إلى أن يبحث لنفسه عن استراتيجية تتلاءم والظرفية المعاصرة واللحظة الراهنة وفق رؤيا سوسيوثقافية تستثمر كل الإمكانات المتاحة ليقوم بدوره ومسؤوليته الحضارية في بناء الإنسان وعيا وتكوينا وثقافة. وتكمن أهمية الدراسة في جمعها بين التنظير لمفهوم الذكاء الاصطناعي والتحليل التطبيقي المقارن لنماذج مسرحية عربية حديثة موثقة، وفي تنبيهها المبكر إلى أن التوظيف التجاري للتقنيات المستحدثة يتماهى في أكثر الأحيان مع العولمة الثقافية التي ترمي إلى تنشئة الإنسان وتربيته على غرار الإنسان الغربي خلقا واستهلاكا، في تهديد عالمي معلن وخفي متستر لخصوصيته الثقافية والمحلية.
الورقة (PDF)
المصدر: أميمة اشبرو، الذكاء الاصطناعي في الأدب _المسرح أنموذجا_، مجلة التطوير العلمي للدراسات والبحوث، مج6، ع21، ص150-164، تاريخ النشر: 2025-03-01.