الذكاء الاصطناعي في الإنسانيات الرقمية: توظيف الشعر المولّد بالذكاء الاصطناعي أداةً للدراسات الأدبية

خلاصة الورقة
تعالج هذه الورقة إشكالية موقع الشعر المولّد بالذكاء الاصطناعي داخل حقل الإنسانيات الرقمية والدراسات الأدبية، منطلقةً من ملاحظة أنّ هذا الشعر الذي كان يُعدّ من قبيل التجارب الهامشية صار موضوعًا لبحث علمي جادّ. ويطرح المؤلفان سؤالهما المركزي حول كيفية إسهام الشعر المولّد آليًا في تحليل أدبي فريد، وتحدّيه للتصورات القائمة عن الإبداع، وفتحه مسارب تأويلية جديدة. وتتحدد المشكلة البحثية في أنّ دور الذكاء الاصطناعي في توليد النثر قد دُرس على نطاق واسع، بينما ظلّ الشعر المولّد آليًا محدود التناول، ما يستدعي مقاربة تستعمل أطرًا نقدية معترفًا بها لتحليله. وتهدف الورقة إلى تعميق الخطاب حول الذكاء الاصطناعي والدراسات الأدبية عبر معالجة جملة من الفجوات، وإعادة النظر في مفاهيم أساسية مثل التأليف والمعنى والقيمة الفنية في ضوء دخول الآلة طرفًا في الإنتاج الأدبي.
يقوم الإطار النظري الموجّه للبحث على تضافر الفلسفة ما بعد الإنسانية، والإبداع الحسابي، والهرمنيوطيقا الرقمية، مستندًا إلى أعلام هذا الحقل مثل برايدوتي وهايلز وبيري وبودن ومانوفيتش، فضلًا عن مفهوم القراءة عن بُعد لموريتي. ويُفحص في هذا الإطار التفاعل بين الإبداع البشري والعمليات الخوارزمية بغية تحديد كيف تندرج النصوص المولّدة آليًا ضمن المشهد الأوسع للدراسات الأدبية. وتنتمي الورقة إلى عدد خاص من مجلة Shanlax الدولية للفنون والعلوم والإنسانيات صدر بمناسبة مؤتمر دولي حول اليوم العالمي للشعر تحت عنوان الخطابات المعاصرة في الشعر، وهو ما يمنح البحث طابعًا يجمع بين النشر المجلّي المحكّم والسياق المؤتمري.
تعتمد الورقة منهجًا كيفيًا يوظّف خمس أدوات تحليلية متكاملة. أولاها القراءة المتأنية والتحليل النصي، إذ تُحلَّل القصائد المولّدة آليًا من حيث الأسلوب اللغوي والعمق الموضوعي والتركيب البنيوي بما يتيح استكشافًا دقيقًا لكيفية محاكاة الآلة للأعراف الشعرية البشرية أو انحرافها عنها. وثانيتها التحليل الأدبي المقارن الذي يقابل قصائد مختارة مولّدة آليًا بأعمال بشرية لرصد أوجه التشابه والاختلاف الأسلوبية وفهم تميّز التعبير الأدبي الإنساني وقدرة الآلة على تقليد الأشكال الشعرية. وثالثتها التحليل الموضوعي الباحث عن الثيمات والزخارف المتكررة واتساق السرد لتقصّي ما إذا كان الشعر الآلي يعكس أنماطًا سابقة أم يبدي مبادرة إبداعية. ورابعتها تحليل الخطاب النقدي الذي يفحص النقاشات الأكاديمية والشعبية حول الشعر المولّد آليًا لوضعه في سياق مباحث التأليف والتفرد والقيمة الجمالية. وخامستها التقصّي الأخلاقي الذي يحلّل نقديًا قضايا مثل نسبة التأليف والتحيّز في مجموعات بيانات التدريب والتبعات الثقافية للكتابة الآلية.
تحدّد الورقة أربع فجوات بحثية رئيسة تسعى إلى سدّها: قلة الدراسات التي تحلّل الشعر المولّد آليًا بأطر نقدية معترف بها تحليلًا منهجيًا؛ وقصور استكشاف عمق الثيمات واتساقها في هذا الشعر؛ وإهمال التطبيقات التربوية لتوظيف الشعر الآلي في تدريس الكتابة الإبداعية والأدب؛ والغموض الأخلاقي والفلسفي المحيط بانعكاسات عدّ الذكاء الاصطناعي كيانًا مبدعًا. وبمعالجة هذه الفجوات تطمح الورقة إلى إثراء النقاش حول الذكاء الاصطناعي والدراسات الأدبية وتوسيع آفاقه.
ينتظم متن الورقة في محاور محدّدة. ففي الاعتبارات الأسلوبية والموضوعية تبيّن أنّ الشعر الآلي يظهر تنويعات أسلوبية متعددة ويقلّد كثيرًا أساليب أدبية معروفة، لكنّ التحليل الكيفي يكشف تفاوتًا في العمق العاطفي والاتساق الموضوعي، ويتقصّى البحث ما إذا كانت النماذج تعتمد المحاكاة الإحصائية أم تُدخل ملامح أسلوبية جديدة. وفي محور الإمكانات التأويلية والقيمة الأدبية تُقارن القصائد المولّدة بالأعمال المرجعية لبيان كيف يمكن أن يُنير الشعر الآلي التأويل الأدبي ويتيح للباحثين تحدّي القراءات التقليدية وإبراز منظورات جديدة في البنية الشعرية والمعنى. أمّا محور الإبداع والتأليف فيفحص نقديًا ما إذا كان الذكاء الاصطناعي شريكًا في الإبداع أم مجرد أداة تعيد تشكيل أنماط لغوية قائمة، ويناقش تبعات إشراك الآلة في الإنتاج الأدبي ضمن أطر ما بعد الإنسانية والإنسانيات الرقمية.
ويُفرد البحث حيّزًا للتطبيقات التربوية، إذ يرى أنّ الشعر المولّد آليًا يصلح أداة تعليمية تمكّن الطلاب من تحليل الأدوات الشعرية واستكشاف البنى اللغوية والانخراط في التحليل المقارن، ويستطلع كيفية دمجه في مناهج الأدب لتنمية التفكير النقدي والاستكشاف الإبداعي. غير أنّه ينبّه إلى محدوديات هذا الشعر في البيداغوجيا، لافتقاره إلى الوعي التجريبي والثقافي الذي يميّز الأدب البشري، وهو ما يستوجب انخراطًا نقديًا في تطبيقاته التعليمية. وفي المحور الأخلاقي والنظري تُطرح تساؤلات جوهرية حول الملكية والملكية الفكرية ونسبة التأليف، وتُحلَّل الأطر القانونية والأخلاقية المتصلة بالأعمال المؤلَّفة آليًا مع استكشاف نماذج نسبة تعكس الطابع التشاركي للإبداع بين الإنسان والآلة. كما يعالج البحث التحيّزات النظامية المتأصلة في مجموعات بيانات التدريب، وكيف تتجلى في المخرجات الشعرية، ويناقش استراتيجيات لضمان نتاج أدبي أكثر شمولًا وتنوعًا.
تخلص الورقة إلى أنّ الشعر المولّد بالذكاء الاصطناعي يطرح فرصًا وتحديات معًا؛ فهو يقدّم أدوات مبتكرة للتحليل النصي والتجريب الإبداعي، لكنّه في الوقت ذاته يفرض إعادة النظر في مفاهيم أدبية جوهرية كالتأليف والمعنى والقيمة الفنية. وتوصي بأن يتوجّه البحث المستقبلي إلى صقل المنهجيات الكيفية لتقييم الشعر الآلي، وتوسيع التعاون البيني بين التخصصات، واستكشاف الأثر الثقافي بعيد المدى للإبداع الحسابي. وتؤكد في ختامها أنّ الحفاظ على منظور نقدي يمكّن الباحثين من ضمان أن يكون الذكاء الاصطناعي مكمّلًا مثريًا للدراسات الأدبية لا بديلًا اختزاليًا عن الإبداع البشري. وتكمن أهمية هذه الورقة العلمية في كونها تسدّ فجوة في تناول الشعر المولّد آليًا بأطر نقدية راسخة، وتربط بين الإنسانيات الرقمية وقضايا الأخلاق والتأليف والتحيّز، وتضع أساسًا نظريًا ومنهجيًا لأبحاث لاحقة في هذا الميدان الناشئ.
ويتّكئ البحث في بناء حجّته على شبكة مرجعية واسعة تعكس تقاطع الأدب والحوسبة والفلسفة. فمن جهة القراءة الكمية للأدب يستدعي أعمال موريتي في القراءة عن بُعد وأندروود في الأدلة الرقمية والتحوّل الأدبي ومانوفيتش في التحليلات الثقافية، ومن جهة الإبداع الحسابي يستند إلى بودن وإلى تجارب توليد الشعر بالشبكات العصبية مثل مشروع DeepHaiku لتوليد قصائد الهايكو وأبحاث توليد الشعر بالقيود الإبداعية. أمّا في الجانب النقدي والأخلاقي فيحضر تحذير بندر وزملائها من «الببغاوات الإحصائية» وخطر تضخّم نماذج اللغة، وعمل بولوكباسي وزملائه في إزالة التحيّز من متجهات الكلمات، ومقاربة غريملمان لحقوق التأليف في عصر «الروبوتات القارئة»، فضلًا عن التقرير التقني لنموذج GPT-4. وبهذا التنوّع المرجعي تموضع الورقة الشعر الآلي في قلب سجالات معاصرة حول التأليف والتفرد والقيمة الجمالية.
وتنبع القيمة العلمية للورقة من طابعها البيني الذي يجسر بين الدراسات الأدبية والإنسانيات الرقمية وأخلاقيات التقنية، ومن دعوتها الصريحة إلى موقف نقدي متوازن لا يبالغ في تمجيد الآلة ولا يقلّل من شأنها؛ فهي تقرّ بأنّ الشعر المولّد آليًا قد يبرع في المحاكاة الأسلوبية للأشكال والأوزان لكنّه يظلّ مفتقرًا إلى الوعي التجريبي والثقافي وإلى العمق العاطفي الذي يميّز التجربة الإنسانية. ومن ثمّ ترسم الورقة أفقًا بحثيًا يوصي بتطوير أدوات تقييم كيفية أرهف، وبتوسيع التعاون البيني بين الحقول، وبتقصّي الأثر الثقافي بعيد المدى للإبداع الحسابي، على نحو يضمن أن يبقى الذكاء الاصطناعي رافدًا مثريًا للتأمل الأدبي لا بديلًا اختزاليًا يطمس خصوصية الإبداع البشري وسياقاته. وبذلك تسهم الورقة، على وجازة حجمها بوصفها ورقة مؤتمرية منشورة في عدد خاص، في تأطير مسألة الشعر المولّد آليًا ضمن مباحث الإنسانيات الرقمية، وتقدّم للباحثين والمعلمين على السواء مدخلًا نقديًا لتناول هذا الجنس النصّي الناشئ بأدوات القراءة المتأنية والتحليل الموضوعي والمقارن والتقصّي الأخلاقي، مع الإبقاء على وعي دائم بحدود الآلة وإمكاناتها في تجديد النظر إلى بنية الشعر ومعناه وقيمته.
الورقة (PDF)
المصدر: مجلة Shanlax International Journal of Arts, Science and Humanities، المجلد 12، العدد الخاص S4، مايو 2025، الصفحات 59–62.