راقمون

دراسات وأوراق علمية

الذكاء الاصطناعي في ترجمة الشعر: هل تستطيع الآلات التقاط الجوهر الشعري؟

8 يوليو، 2026
اسم المجلةInternational Journal of Social Science Humanity & Management Research (IJSSHMR)
المجلد04
العدد05
الصفحات867-875
تاريخ النشر1 مايو 2025

خلاصة الدراسة

تعالج هذه الدراسة إشكالية مركزية في تقاطع علم اللغة الحاسوبي ودراسات الترجمة, وهي مدى قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على نقل الشعر من لغة إلى أخرى دون أن تفقد جوهره الفني والعاطفي والثقافي. وتنطلق الباحثة موتيكالا سوبا ديوان، رئيسة قسم اللغة الإنجليزية في حرم راتنا راجيالاكشمي بجامعة تريبوفان في كاتماندو بنيبال، من فرضية مفادها أن ترجمة الشعر تتجاوز النقل الحرفي للمعنى، إذ تستلزم حساسية تجاه العمق العاطفي والسياق الثقافي والبنية الشعرية. والسؤال البحثي الجوهري الذي تطرحه هو: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يتجاوز الترجمة كلمة بكلمة ليلتقط الأصالة الشعرية بما فيها من إيقاع واستعارة ورمز، أم أن دوره يظل محصورًا في تحقيق الدقة اللغوية دون الروح؟ وتؤكد الدراسة منذ البداية أن نقاط قوة الذكاء الاصطناعي تكمن في الكفاءة والدقة اللغوية، بينما تظل حدوده واضحة في التعامل مع الاستعارة والإيقاع والسياق الثقافي، بما يجعل التدخل البشري ضروريًا.

يتألف الإطار النظري للدراسة من روافد متعددة في دراسات الترجمة، إذ تستند الباحثة إلى مفهوم رومان ياكوبسون عن “الترجمة بين السيميائية” وفكرة “النقل الإبداعي” التي تعدّ الشعر تحويلًا إلى نظام مختلف من العلامات، كما تستحضر أطروحة أندريه لوفيفر التي ترى أن الترجمة تتجاوز الكلمات لتشمل النقل الثقافي والقصد الفني، وأنها محكومة بقيود أيديولوجية وشعرية داخل الثقافة المستهدفة. وتتكئ الدراسة كذلك على أعمال لورانس فينوتي وماريا تيموزكو وكيرستن مالمكاير حول الطبيعة الإنسانية المتأصلة في الترجمة الأدبية. أما منهجيًا فتعتمد الباحثة على التحليل المقارن النوعي بين ترجمات ينتجها الذكاء الاصطناعي وأخرى ينجزها مترجمون بشر، وذلك عبر انتقاء قصائد من لغات متعددة أبرزها النيبالية والإنجليزية اختيرت لغناها بالاستعارة والإيقاع والإحالات الثقافية والعمق العاطفي، ثم ترجمتها بأدوات مثل Google Translate و DeepL، وعرضها على خبراء أدبيين لتقييمها.

ومن أبرز إسهامات الدراسة المنهجية تصميمها “مِسطرة تقييم” (rubric) منظمة لترجمة الشعر، تقيس الترجمات وفق ثلاثة محاور رئيسة: الدقة اللغوية (النحو والتركيب والمفردات)، والصفات الشعرية (الاستعارة والصورة والإيقاع والنبرة العاطفية)، والحساسية الثقافية (الإحالات الثقافية والدقة السياقية والتكييف الثقافي). ويُقيَّم كل معيار على سلّم من درجة واحدة إلى خمس، حيث تشير الدرجة الأدنى إلى ترجمة تشوّه القصيدة أو تمثّلها تمثيلًا خاطئًا، بينما تشير الدرجة العليا إلى ترجمة نموذجية تلتقط الجوهر والمعنى والقيم الفنية للأصل بامتياز. وتتيح هذه الأداة تقييمًا متوازنًا يجمع بين العوامل التقنية والفنية معًا.

وتخصص الباحثة قسمًا لمراجعة الأدبيات يستعرض النقاش الأكاديمي حول التقاء الذكاء الاصطناعي بترجمة الشعر، مبرزةً أن نماذج الترجمة الآلية العصبية (NMT) مثل نماذج GPT من OpenAI ومحوّل Google قد حسّنت انسيابية النص وفهم السياق، غير أنها لا تزال تتعثر أمام الشعر لأنه ينطوي على بنى فريدة كالإيقاع والقافية والمعاني المضمرة في الاستعارات. وتشرح الدراسة معضلة “الصندوق الأسود” في الترجمة الآلية العصبية، حيث يمكن رؤية المدخل والمخرج دون فهم الخطوات الوسيطة التي تتخذها الآلة لاختيار كلماتها، ما يجعل ضبطها لمهام تتطلب فهمًا ثقافيًا أو سياقيًا عميقًا أمرًا عسيرًا. وتُبرز الباحثة كذلك مشكلة الاعتماد على مجموعات بيانات ضخمة تفتقر إلى العمق والتنوع اللازمين لالتقاط دقائق اللغة الأدبية، فضلًا عن عجز الآلة عن التعامل مع تعدد المعاني (polysemy) الذي يجعل ترجماتها صحيحة تقنيًا لكنها فقيرة في العمق والدلالة.

وتقدّم الدراسة في أقسام النتائج والاستنتاجات أمثلة تطبيقية ملموسة تكشف حدود الذكاء الاصطناعي. فعند ترجمة سطر إسباني، يقدّم الذكاء الاصطناعي نسخة حرفية تفتقر إلى الأناقة الشعرية التي تحققها الترجمة البشرية. وفي الشعر النيبالي، تُبرز الباحثة كيف تُرجم بيت من قصيدة لكشمي براساد ديفكوتا ترجمة حرفية مسطحة إيقاعيًا، بينما حافظت الترجمة البشرية على الموسيقى والبنية. وتستشهد كذلك بأبيات لبوبي شيرشان وسيدهيشاران شريستا وليكناث بوديال، مبيّنة أن الذكاء الاصطناعي وإن أتقن نقل المعنى الحرفي بدقة نحوية عالية، فإنه يخفق في التقاط الرمزية الثقافية والجمال الشعري والإيقاع؛ ومن ذلك عجزه عن استيعاب الدلالة الثقافية لكلمة “شَرَد” (الخريف) في الثقافة النيبالية. كما تستحضر بيتًا لكبير باللغة الهندية لتبيّن أن الآلة تنتج ترجمة دقيقة تقنيًا لكنها ضحلة روحيًا تفقد العمق الاستعاري والصوفي.

وتخلص النتائج إلى أن الخبراء الأدبيين قيّموا الترجمات البشرية باستمرار أعلى من الترجمات الآلية في الجماليات الشعرية والرنين العاطفي والحساسية الثقافية، وأن ترجمات الذكاء الاصطناعي، على دقتها التقنية، كثيرًا ما تُدرك بوصفها مسطحة عاطفيًا وآلية. وتؤكد الباحثة أن قوة الذكاء الاصطناعي تكمن في نقل المعاني الحرفية وتوليد مسودات أولية بسرعة وكفاءة، لكنه يعجز عن محاكاة الحدس والإبداع والحساسية الثقافية التي يجلبها المترجم البشري. ومن هنا تدعو الدراسة إلى “النموذج الهجين” أو المقاربة التعاونية، حيث يتولى الذكاء الاصطناعي الجوانب التقنية وتوليد المسودات وربما اقتراح نسخ متعددة، بينما يتولى الشاعر أو المترجم البشري صقل الإيقاع والعاطفة والأسلوب الشعري واختيار أنسب الصياغات؛ وبذلك تتحقق ترجمة تجمع بين الدقة اللغوية والأصالة الشعرية معًا.

وتمهّد الباحثة لتحليلها بتعريف الذكاء الاصطناعي بوصفه محاكاةً للذكاء البشري في آلات مصمَّمة لأداء مهام تتطلب عادةً إدراكًا بشريًا كحل المشكلات والتعلّم وفهم اللغة واتخاذ القرار، مستندةً إلى أعمال راسل ونورفيغ وغودفيلو وبنجيو وكورفيل، ومبيّنةً أن هذه الأنظمة تُبنى على الخوارزميات والبيانات التي تتيح لها معالجة كميات هائلة من المعلومات والتعرّف على الأنماط والتكيّف مع المدخلات الجديدة. وتستعرض حقولًا فرعية للذكاء الاصطناعي مثل التعلّم الآلي الذي يحسّن أداءه بمرور الوقت عبر التعلّم من البيانات دون برمجة صريحة، ومعالجة اللغة الطبيعية التي تمكّن الأنظمة من تأويل اللغة البشرية وتوليدها، وهي جوهرية لتطبيقات كالتعرّف على الكلام والترجمة الآلية وروبوتات المحادثة. ثم تنبّه إلى أن الترجمة الشعرية بالذكاء الاصطناعي تسعى إلى الحفاظ على الجوهر الفني والعمق العاطفي والرنين الثقافي، خلافًا للترجمة التقليدية التي تُعنى أساسًا بالدقة اللغوية، غير أن اللغة الشعرية تحمل دلالات متعددة وتنويعات تركيبية ومعاني ملتبسة تعجز الآلة عن تأويلها تأويلًا فعّالًا لأنها تعتمد على الأنماط الإحصائية لا على التجربة المعيشة.

ولإسناد حجّتها بشواهد ملموسة، تسوق الباحثة سلسلة من المقابلات بين ترجمة الآلة والترجمة البشرية. فالسطر الإسباني «Sus ojos eran dos luceros en la noche» تنقله الآلة إلى «Her eyes were two bright lights in the night» فتفقد أناقته الشعرية التي تحفظها الترجمة البشرية «Her eyes shone like stars in the night». وفي قصيدة لكشمي براساد ديفكوتا يُترجَم البيت آليًا إلى «If there is love, there is a heart; if there is a heart, there is a beat» ترجمةً مسطّحة إيقاعيًا، بينما تحافظ الترجمة البشرية «Where love resides, the heart does too; where hearts exist, they beat anew» على الموسيقى والبناء. وفي بيتٍ لكبير بالهندية تقدّم الآلة «Without the true guru, the secret is not found, like oil in sesame seeds» وهي دقيقة تقنيًا لكنها ضحلة روحيًا مقابل الترجمة البشرية «Without the true guru, the mystery remains unseen, just as oil hides within the sesame seed». أما السطر الفرنسي «Le vent dans les roseaux soupire doucement» فتنقله الآلة بدقة إلى «The wind in the reeds sighs softly» لكنه يظل دون الصقل الشعري لصياغة بشرية مثل «The whispering reeds bend with the wind»، وهو ما يجسّد براعة الآلة في نقل المعنى الحرفي وعجزها عن التقاط الصورة والحركة.

وتتوسّع الباحثة في الشعر النيبالي بوصفه ميدانها الأقرب؛ فمن قصيدة بوبي شيرشان «Ghumne Mech Mathiko Andho Manchhe» يُترجَم البيت آليًا إلى «This earth is like the flood of Ashar, which carries me away» بينما تصوغه البشرية «This earth, a monsoon torrent, sweeps me adrift, unmoored»، إذ تُترجَم عبارة «bagaudai lagchha» ترجمةً ميكانيكية بـ«carries me away» تفقد ثقلها التصويري. ومن ملحمة «Muna Madan» لديفكوتا يُنقل بيتٌ آليًا إلى «Do not say my country is poor, its roof is gold, its fence is silver» مقابل الصياغة البشرية «Do not call my country poor, its sky is golden, its borders silver-bright»، ويُترجَم بيت آخر إلى «A person is great by heart, not by caste» بدقة لكن دون العمق الشعري الذي تصونه صياغات بشرية مثل «It is the heart that makes one great, not the bounds of caste». وفي بيتٍ لسيدهيشاران شريستا تنقل الآلة «Hanging the sun in our sky, We spread the light» فتضيّع القافية والموسيقى اللتين تحفظهما البشرية «In our sky, we string the sun, And let its golden rays run». وعلى هذا الأساس تدافع الباحثة عن النموذج الهجين الذي يقترحه باحثون مثل تورال وواي (بوصف التحرير اللاحق للترجمات الآلية معزّزًا للدقة والتكامل الفني) وأيدين وقارا (بوصف الذكاء الاصطناعي أداةً مساعدة لا بديلًا للمترجم)، وتشير إلى بحوث ناشئة تدمج التحليل الأسلوبي الأدبي والحوسبة العاطفية، وتتوقع أن يسهم التعلّم المعزَّز والتعلّم بالنقل في تقريب الآلة من تمييز الأساليب الشعرية والنبرات العاطفية.

وتنبع الأهمية العلمية لهذه الدراسة من كونها ذات وجهين: فهي من جهة تُسهم في علم اللغة الحاسوبي عبر فحص كيفية تفاعل الذكاء الاصطناعي مع اللغة الشعرية بوصفها شكلًا رمزيًا وتعبيريًا بالغ الكثافة، وتحدد المواضع التي يمكن أن تتحسن فيها النماذج المستقبلية مثل دمج الخوارزميات الواعية بالسياق التي تفهم البنى الشعرية والإحالات الثقافية. وهي من جهة أخرى تثري دراسات الترجمة بتقييم مدى قدرة الآلة على محاكاة الإبداع البشري في نقل الشعر. وتوجّه الدراسة خلاصاتها إلى المترجمين والباحثين الأدبيين ومطوّري الذكاء الاصطناعي على حد سواء، مؤكدة أن جوهر الشعر وروحه سيظلان في نهاية المطاف مجالًا إنسانيًا يتطلب الحدس والإبداع والحساسية الثقافية، وأن التعاون المتوازن بين الآلة والإنسان هو الطريق الأمثل لترجمة أمينة للأصل لغويًا وفنيًا في آنٍ معًا.

الدراسة (PDF)

تحميل / فتح الملف (PDF)

المصدر: International Journal of Social Science Humanity & Management Research (IJSSHMR)، المجلد 04، العدد 05، مايو 2025، الصفحات 867-875.

Scroll to Top