راقمون

مقالات ومراجعات

السيد نجم: «العالم الافتراضي» يحاصر الإنسان إلى درجات مرضية (حوار)

16 يوليو، 2026
مصدر النشررابطة أدباء الشام
الرابط الأصليwww.odabasham.net
تاريخ النشر13 ديسمبر 2008

حوار مع الروائي والقاص المصري د. السيد نجم، أمين سر اتحاد كتاب الإنترنت العرب، أجراه صالح البيضاني ونُشر في موقع رابطة أدباء الشام بتاريخ 13 كانون الأول 2008م. تعيد مكتبة راقمون نشره لقيمته التوثيقية في تأريخ الوعي العربي المبكر بالثقافة والإبداع الرقمي، والحقوق محفوظة للمصدر.

الدكتور السيد نجم روائي وقاص مصري وأمين سر اتحاد كتاب الانترنت العرب، عُرف من خلال كتاباته عن أدب المقاومة واهتمامه بالأدب الرقمي، وقد صدر له كتاب مهم في هذا المجال حمل عنوان (الثقافة والإبداع الرقمي). في هذا الحوار يتحدث نجم عن بعض آرائه في هذا المجال الذي بات أحد سمات الثقافة العربية في السنوات الأخيرة.

منجزات الإنترنت: ما الجديد في كتابك الصادر مؤخراً (الثقافة والإبداع الرقمي)؟

بداية هذا الكتاب هو الكتاب الأول الذي يسعى كاتبه إلى تحديد عناصر الثقافة الجديدة.. أعنى الثقافة الرقمية من خلال زاوية محددة وهى علاقة تلك الثقافة بما يمكن أن يشكل أدبا جديدا، وهو المعروف بالإبداع الرقمي أو الأدب الافتراضي، وذلك من خلال تعريفها ومعطيات، سلبياتها وايجابيتها، ثم التنقيب عن الصورة الآنية لتفاعل تلك الثقافة مع الأجيال المختلفة في كل الدول العربية.. سواء في المدونات أو غيرها، بل وفى البحث في إمكانية الإجابة حول بعض الأسئلة المتخوفة، كما قيل أن الشبكة العنكبوتية قد تؤثر على الصالونات والندوات الأدبية.

ولأنه الكتاب الأول فقد كان العنوان الآخر الجانبي هو (قراءة في منجزات الانترنت)، حيث يلاحظ القارئ كما لاحظت أنا أثناء التعامل مع مادة الكتاب.. أنني أمام مشروع طموح، وهذا الكتاب ليس إلا بداية. لذلك شرعت في كتاب ثان فور الانتهاء من هذا الكتاب منذ سنتين، وحتى قبل نشر الكتاب الأول. وقد انتهيت بالفعل من الكتاب الآخر، حول معطيات الإبداع الرقمي والانترنت ولم ينشر بعد. كما أظن أن هذا الكتاب قد يحفز آخرين لمزيد من الإبحار في هذا العالم الجديد.. خصوصا في الجانب الابداعى الذي اقتربت منه للمرة الأولى في العالم العربي.

ولأنني انتبهت إلى تنوع الموضوعات وتشعبها، فقد كان هذا الكتاب تحت فكرة «قضايا ومفاهيم».. وأصبح العنوان النهائي للكتاب المنشور هو «الثقافة والإبداع الرقمي.. قضايا ومفاهيم». لذلك جاء الكتاب كي يضع القارئ العادي والمثقف غير المتخصص في النشر الالكتروني والإبداع الرقمي على أعتاب طريق متعدد الأبعاد لتلك الثقافة الجديدة. وكانت القضايا والمفاهيم التي تناولتها بالعرض والفحص هي: الفجوة الرقمية قضية ثقافية قومية، والنشر الالكتروني والطفل بين الحاضر والمستقبل، والنقد الرقمي ومواصفات الناقد الرقمي، والصورة وواقع الإبداع الرقمي، ومعطيات التقنية الرقمية، وتأثير الانترنت على الأدب العربي، والمدونات الشخصية والنشر الالكتروني وغيرها. فمثلا: أليس الإبداع الرقمي في حاجة إلى من ينقده، لذا كان فصل الحديث عن تعريف الناقد الرقمي ومواصفاته ومهامه، وما يمكن أن يكون عليه مختلفا عن الناقد الورقي، وهو بالتأكيد مختلف.

فجوة رقمية: ما نصيب العرب من منجزات الإنترنت التي تحدثت عنها في كتابك؟

لعلك تشير مباشرة إلى ما يعرف ب«الفجوة الرقمية»، أي الفجوة بين منجزات الثقافة الرقمية ومعطياتها في الدول المتقدمة التي سبقتنا في هذا المجال، وبيننا نحن العرب. بداية تؤكد الإحصاءات أن عدد أجهزة الكمبيوتر في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها يفوق عدد الأجهزة المتاحة في دول العالم أجمع.. ونسبة عدد من لديه جهاز كمبيوتر في الدول المتقدمة هو 315 جهازاً لكل ألف فرد، بينما في العالم العربي حوالى 4%. وعن عدد المستخدمين: منذ عام 1995 إلى 2005م من 400 مليون مستخدم إلى مليار مستخدم، وفى بحث مستقبلي أشار إلى أن الدول الثمانية الكبرى سوف تحتكر 80% من نسبة المستخدمين، بينما سنظل في القاع ولا يزيد نصيبنا عن 1% من مستخدمي العالم. وقد أرجع البعض السبب إلى الفقر وأنه يرتبط باستخدام الحاسوب بدرجة كبيرة.

ولأن المعلوماتية والثقافة الرقمية تتشكل من شبكة اتصالات، أي البنية التحتية من إنشاءات ومبان وتجهيزات، ثم العنصر الآخر «المحتوى»، فإن الفجوة الرقمية تقاس أيضاً بمعرفة مقدار النشر الورقي والالكتروني، والإنتاج الاعلامى والسينمائي، والبرمجيات التطبيقية، وقواعد البيانات وبنوك الصور والأرشيفات، وحجم مقتنيات المكتبات التقليدية والرقمية، والأهم بمدى توافر العنصر البشرى المدرب أو التقني. وبالقطع أسباب تلك الفجوة بين الغرب والعرب ترجع إلى أسباب اقتصادية وثقافية وغياب بعض المؤسسات والحكومات عن هذا التوجه العالمي الجديد. ولا يبقى أمامنا لتلافى تلك الفجوة إلا توافر الكوادر البشرية الفنية والمتخصصة، ووضع التشريعات والآليات التنفيذية التي تسهل إنشاء البنية التحتية، مع ضرورة تنشيط وسائل الإعلام من أجل زيادة الوعي. ومع ذلك يجب أن نشير إلى بعض التجارب المضيئة نسبياً كما في مصر وتونس، ولعل أهم الجميع تجربة دبي التي ارتكزت على نموذج الصناعات الخفيفة لاقتصاد المعرفة، ونجحت في إنشاء شبكة اتصالات عالية الكفاءة منذ عام 1997م مع توفيق الأوضاع القانونية والتشريعية.

تضييق الهوة: هل يعكس العرب ضعفهم في المنجز الثقافي على الإنترنت أم يكرسون جهلهم التقني والتكنولوجي؟

لعل القول بأن مشاكل العالم العربي يمكن تجاوزها بتضييق الفجوة المعرفية التي تفصل بيننا وبين العالم المتقدم باتت من المقولات الأكثر إلحاحاً وضرورة الآن. فالإنتاج العلمي يقاس بعدد من المؤشرات: عدد براءات الاختراع، عدد البحوث العلمية، حجم إنتاج الكتب المؤلفة والمترجمة، ومعدل تكلفة التعليم لكل نسمة. بالنظر إلى العالم العربي يلاحظ: إنفاق على البحث العلمي 0.2% من اجمالى الإنتاج المحلى، والإنفاق على البحوث يمثل 6 دولارات لكل نسمة (مقابل 953 دولاراً في الولايات المتحدة). أما في الثقافة والإعلام: معدل الصحف لكل 1000 نسمة في العالم العربي أقل من 3 صحف مقابل 385 صحيفة في العالم المتقدم.

إلا أن الصورة ليست قاتمة تماماً، ويمكن تجاوزها بالتعاون العلمي عن بعد، والمقصود تفعيل الاستفادة من شبكة الانترنت في التعليم المفتوح وتحصيل المعلومات وتوظيفها.. فتلك الوسيلة من أرخص وأبسط سبل تغيير الصورة. وبالإجمال يمكن الإشارة إلى أن رفع شعار «الحكومة الالكترونية»، ويقصد به إعادة هيكلة المؤسسات الحكومية لكل مرافق التعامل مع الجماهير بحيث يلعب الانترنت دوره (وقد نجحت دبي وقطر في انجاز صورة جيدة من مستلزماتها)، قد أدى إلى تحسين الخدمات وتنمية المهارات الإدارية ونشاط استثماري وسياحي مع قلة الإنفاق الحكومي.

سلبيات: البعض يقول إن الإنترنت جعل من الشهرة والانتشار قرينة بالنشاط والإلمام التقني وليس الإنجاز الإبداعي؟

أظن أن السؤال يشير إلى بعض جوانب سلبيات التعامل غير الرشيد مع شبكة الانترنت، ومنها في مجال الإبداع من يعتمدون على فكرة الإلحاح والتكرار على الاسم حتى يروج الاسم دون إنتاج حقيقي. والحقيقة هناك سلبيات فرضت وجودها على الإنسان العربي مع شيوع الفضائيات والانترنت وأجهزة التليفون المحمول، وهو ما يعرف بسلبيات ثقافة الصورة التي طغت على الكلمة.. حتى قال أحد العلماء بوجود «العالم الافتراضي» الذي يحاصر الإنسان إلى درجات مرضية، وفى مجال الطفل وجد بعض الأطفال يصابون بأمراض نفسية. ومن السلبيات: هيمنة ثقافة المظهر والإبهار على حساب ثقافة الجوهر والمضمون، وهيمنة ثقافة صناعة النجوم، وجرائم الصورة (جرائم الانترنت) القائمة على الخداع.

مع ذلك فان المبدع الحقيقي والجاد هو الباقي، وقد قسمت إبداعات تلك المحاولات الجادة حسب التوظيف التقني فيما يلي: الأدب الرقمي (المعتمد على استخدام الشاشة بدلاً عن الورقة)، والأدب السمعي البصري (المعتمد على توظيف الصورة والصوت إلى جانب الكلمة)، والأدب التفاعلي (المعتمد على تفاعل القارئ بإضافة شعرية إلى قصيدة الشعر، أو إضافة بعض الأحداث إلى القصة المنشورة). والغالب الآن هو الأدب الرقمي، بينما السمعي البصري أقل منه، أما الأدب التفاعلي فلعله لم يتضح بعد في محاولات الكاتب العربي، وإن كانت هناك بعض المحاولات.

إبداع فردي: بحكم اهتمامك المعروف بأدب المقاومة.. هل تعتقد أن المجال بات مفتوحاً بشكل أكبر لهذا النوع من الأدب في ظل الفضاءات المفتوحة؟

لم ترصد التجربة البشرية طغيان تقنية تكنولوجية على أخرى، بل ما يحدث أن تتم الاستفادة المتبادلة. لعل أقرب الأمثلة أنه بعد ظهور التليفزيون قيل أن فن السينما في خطر، وما حدث أن استفاد الفن التليفزيوني من السينما وكذلك السينما من تقنيات التليفزيون. لكن ما نخشاه في مجال الانترنت وتكنولوجيا المعلومات التي يحتكرها الآن عدد محدود من الدول المتقدمة.. أن تزداد الفجوة الرقمية بكل تبعاتها. إذن من المتوقع أن الثروة المعرفية متمثلة في تكنولوجيا المعلومات، بالتضافر مع الثروة المادية ستزيد من قبضة الأغنياء على فقراء العالم.. بلا جيوش أو أسلحة فتاكة! حتى «بيل جيتس» نفسه قال: الأولويات في الدول الفقيرة هي الطعام والدواء والتعليم، وليست توفير الكمبيوتر والنفاذ إلى الانترنت!

ربما أهم ما يتميز به الإبداع الرقمي الجديد، هو كون المبدع هو المنتج والموزع وصاحب حق النشر وهو ما يجعله يشعر بقدر أكبر من الحرية، الحرية بالمعنى الفني والابداعى، وبالمعنى الاقتصادي. فالإبداع الرقمي وإن التقط من فنون السينما وتقنياتها، وفنون أجهزة الحاسوب بالإضافة إلى فنون الصوت والحركة.. هو إبداع فردى متخصص بصاحبه من الخطوة الأولى في عمله حتى الانتهاء منه. دعني أقول في النهاية، لقد ولدت تقنية جديدة، وأفرزت معطياتها، ولن تموت.. وعلينا أن نتابع ونشارك في معطياتها، مع السعي والوعي بمعرفة سلبياتها وايجابيتها.

المصدر: رابطة أدباء الشام، حاوره صالح البيضاني، 13 كانون الأول 2008م — رابط المادة الأصلية

Scroll to Top