الشروط الأخلاقية لتبنّي طلبة الجامعات النماذج اللغوية الكبيرة في سياقات التحضير للامتحانات

خلاصة الدراسة
تعالج هذه الدراسة الأثر المتنامي للنماذج اللغوية الكبيرة مثل ChatGPT في التعليم العالي، بوصفها قوة تحويلية تساعد الطلبة في مهام كتلخيص المحتوى وتوضيح المفاهيم والتحضير للامتحانات، لكنها أثارت في الوقت ذاته حماسة وقلقًا أخلاقيًا يتعلق بالإنصاف والاستخدام المسؤول في سياقات التقويم. وتفحص الدراسة ما إذا كانت التصورات الأخلاقية لطلبة الجامعات تجاه استخدام هذه النماذج في التحضير للامتحانات تؤثر في نيتهم لاستخدامها، وما إذا كانت هذه النية تؤثر بدورها في الاستخدام الفعلي. ولا تدخل الدراسة في جدل حول ما إذا كان استخدام النماذج ينتهك الأعراف الأكاديمية، بل تتبنّى منظورًا تأويليًا يرى أن الطلبة يبنون فهمهم الخاص لما يُعدّ سلوكًا مقبولًا اعتمادًا على التعلم بالملاحظة والإشارات الاجتماعية من المعلمين والأعراف غير المعلنة في الصف. وتنطلق من واقع التعليم الجامعي الإسباني الذي تُعدّ الامتحانات المشرَف عليها فيه الصيغة الرئيسة للتقويم، إذ يتضمن نحو 70% من المقررات امتحانًا نهائيًا مكتوبًا يشكّل قرابة 60% من الدرجة الإجمالية.
يعتمد الإطار النظري على نسخة معدّلة من مقياس الأخلاق متعدد الأبعاد الذي طوّره شافر وسينيتي، والذي يدمج ثلاثة منظورات معيارية بوصفها سوابق للنية في الاستخدام: العدالة الأخلاقية المرتبطة بفضيلة الإنصاف والعدل والحقوق الفردية، والعواقبية التي تقيس صحة الفعل بمحصلة نتائجه سواء من منظور أناني يركز على المنفعة الشخصية أو نفعي موجّه نحو الرفاه الجمعي، والواجبية التي ترى أن التقويم الأخلاقي ينبع من الامتثال لقواعد متفق عليها كونيًا ضمن عقد اجتماعي ضمني يحدد الواجبات المتبادلة. وتُبنى النية في الاستخدام سابقةً مباشرة للاستخدام الفعلي انسجامًا مع نموذجي قبول التقنية TAM والنظرية الموحدة لقبول التقنية واستخدامها UTAUT. وقد اشتُقت من هذا الإطار فرضيات تربط كل بُعد أخلاقي بالنية بوصفه شرطًا ضروريًا (H2a وH3a وH4a) وشرطًا كافيًا (H2b وH3b وH4b)، إضافة إلى فرضيتين تجعلان النية شرطًا ضروريًا وكافيًا للاستخدام (H1a وH1b).
تألف مجتمع الدراسة من طلبة البكالوريوس في العلوم الاجتماعية، لا سيما الاقتصاد وإدارة الأعمال والعمل الاجتماعي، في جامعتين إسبانيتين، لملاءمة هذه البرامج التي تجمع بين كفايات التواصل والاستدلال التحليلي وتعتمد بكثافة على الامتحانات النهائية. واستُخدمت عينة قصدية مع أسلوب كرة الثلج عبر استبانة إلكترونية طوعية مجهولة ذاتية الإدارة أُتيح فيها رد واحد لكل عنوان بروتوكول إنترنت، وطُبّقت خلال أبريل ومايو ويونيو من عام 2025 باللغة الإسبانية. وبلغ عدد الاستجابات الصالحة 151 استجابة، تألفت من 108 إناث (72.5%) و43 ذكرًا (28.5%)، وكان معظم الطلبة في الثانية والعشرين أو أصغر، وأفاد 70.9% منهم بأداء أكاديمي متوسط أو دونه. وبدأت الاستبانة بسيناريو يطلب من المشارك تخيّل التحضير لامتحان مشرَف عليه يُسمح فيه باستخدام آلة حاسبة علمية أساسية فقط، ثم التفكير في استخدام أداة قائمة على نموذج لغوي كبير لشرح المفاهيم الصعبة وإعداد الملخصات وتوليد أسئلة اختيار من متعدد وتنظيم جدول الدراسة.
اتّبعت الدراسة تطبيقًا تتابعيًا لأسلوبين تكميليين لمعالجة الهدفين البحثيين. فالهدف الأول يتقصى ما إذا كانت التصورات الأخلاقية شروطًا ضرورية لقبول النماذج، ويُعالَج عبر تحليل الشروط الضرورية NCA المبني على أسس دُل، إذ حُدّدت أغلفة CE-FDH وحُسب حجم أثر الضرورة (d) لكل زوج من المتغيرات، وعُدّت الفرضية مدعومة عندما يتجاوز d العتبة 0.1 وتقل القيمة الاحتمالية عن 0.05 وفق اختبار تبديل، مع بناء جداول عنق الزجاجة لتحديد الحد الأدنى المطلوب من كل متغير. أما الهدف الثاني فيفحص ما إذا كانت هذه الأبعاد شروطًا كافية، ويُعالَج عبر نمذجة المعادلة البنائية بالمربعات الصغرى الجزئية PLS-SEM المناسبة للعينات الصغيرة، بتقدير النموذج عبر إعادة العينة التمهيدية بعشرة آلاف عينة فرعية. ونُفّذ تحليل الشروط الضرورية بحزمة NCA في R، وأُجري التحقق من المقاييس ونمذجة PLS-SEM بحزمة cSEM، وأظهرت المقاييس اتساقًا داخليًا وصدقًا تمييزيًا مقبولين وفق معيار فورنيل-لاركر.
كشف تحليل الشروط الضرورية أن الأبعاد الأخلاقية الثلاثة جميعها تمثّل شروطًا ضرورية للنية في الاستخدام. فقد كانت العدالة الأخلاقية أقوى شرط ضروري (d=0.338؛ p<0.001) بل أقوى حتى من ضرورة النية للاستخدام، تلتها العواقبية (d=0.274؛ p<0.001) فالواجبية (d=0.207؛ p<0.001)، وتجاوزت جميعها عتبة 0.1 بقوة إحصائية تقارب 100%. كما تبيّن أن النية شرط ضروري قوي للاستخدام الفعلي (d=0.325؛ p<0.001). وأوضحت جداول عنق الزجاجة أن بلوغ مستوى متوسط من الاستخدام يتطلب على الأقل المئين العشرين من النية، وأن الاستخدام الكامل يتطلب تجاوز المئين السبعين منها، كما أن بلوغ مستوى محايد من النية يستلزم نحو المئين 23.8 في العدالة الأخلاقية والمئين العشرين في الواجبية، فيما لا تكون العواقبية شرطًا ضروريًا عند هذا المستوى، بينما تتطلب المستويات الأعلى من النية عتبات أكثر تطلبًا في العدالة الأخلاقية والعواقبية.
وعلى صعيد الكفاية، بيّنت نتائج نمذجة المعادلة البنائية أن العواقبية (β=0.350؛ p=0.038) والواجبية (β=0.329؛ p=0.013) تمارسان أثرًا دالًا إحصائيًا وكافيًا في النية بأحجام أثر صغيرة إلى متوسطة، في حين لم يكن أثر العدالة الأخلاقية دالًا (β=0.108؛ p=0.414). كما تأكّد أن النية شرط كافٍ وقوي جدًا للاستخدام الفعلي (β=0.905؛ p<0.001؛ f²=4.505). وبلغت جودة المطابقة للاستخدام مستوى جوهريًا (R²=81.8%) وللنية مستوى متوسطًا (R²=54.3%)، مع قيم تضخم تباين دون الخمسة تنفي وجود مشكلات ارتباط خطي متعدد خطير، وملاءمة تنبؤية متوسطة للاستخدام (Q²=36.9%) وعالية للنية (Q²=50.5%). ويكشف هذا التباين بين الضرورة والكفاية أن الشرط قد يكون ضروريًا دون أن يكون كافيًا، فالعدالة الأخلاقية لا غنى عنها لوجود النية لكنها لا تكفي وحدها لتفسيرها، إذ يستقر تأثيرها بمجرد بلوغ عتبتها ولا تعمل بطريقة تعويضية على خلاف العواقبية والواجبية.
يفسّر الباحثون هذه النتائج عبر التمييز المفاهيمي بين قابلية القبول والقبول الفعلي للتقنية. فالعدالة الأخلاقية تحدّد بالأساس قابلية القبول، أي ما إذا كان استخدام النماذج يُدرك بوصفه منصفًا ومشروعًا ومقبولًا أخلاقيًا، وتمثّل من منظور أخلاق الفضيلة العتبة الأخلاقية التي يجب بلوغها قبل أن تنشأ أي نية سلوكية. أما القبول والاستخدام الفعلي فيتطلبان محرّكات دافعية إضافية، إذ يعتمد مقدار النية بعد إدراك القبول الأخلاقي بصورة رئيسة على الاعتبارات العواقبية المرتبطة بمكاسب الكفاءة والأداء، والاعتبارات الواجبية المتصلة بالإحساس بواجب تلبية التوقعات الأكاديمية تجاه المعلمين والأقران والأسرة. وبذلك تُرسي العدالة الأخلاقية المشروعية الأخلاقية للاستخدام، بينما توفّر العواقبية والواجبية القوة الدافعة التي تحوّل قابلية القبول إلى قبول واستخدام فعليين، وهو ما يتسق مع دراسات سابقة أبرزت مركزية البنى العواقبية كالمنفعة المدركة وسهولة الاستخدام والدافع المتعوي في نماذج قبول التقنية.
وفيما يخص كفاية حجم العينة، يوضّح الباحثون أنه يتوقف على الأساليب التحليلية المستخدمة. فبالنسبة إلى تحليل الشروط الضرورية لا يُشترط حد أدنى صارم للحجم، إذ تقارب القوة الإحصائية 100% للكشف عن أحجام أثر لا تقل عن 0.1 بافتراض توزيع منتظم. أما بالنسبة إلى تحليل الانحدار فقد قُيّمت كفاية العينة بواسطة برنامج G*Power، إذ توفّر عينة من 151 مشاهدة قوة إحصائية تبلغ 0.80 للكشف عن حجم أثر صغير إلى متوسط (f²=0.075) عند مستوى دلالة 5% بافتراض ثلاثة متغيرات مستقلة، بما يقابل حدًا أدنى قابلًا للكشف من معامل التحديد قدره نحو 6.98% وهو أدنى بكثير من أحجام الأثر في الدراسات السابقة. وقد قِيست النية بمقياس مقتبس من فينكاتيش وديفيس، فيما اقتُبست مقاييس الأبعاد الأخلاقية من مقياس الأخلاق متعدد الأبعاد لشافر وسينيتي، مع بناء بُعد العواقبية بدمج مقياسي الأنانية والنفعية الفرعيين.
وقد أظهرت الإحصاءات الوصفية للبنود اتجاهًا مؤيدًا لاستخدام النماذج بوصفها مادة دراسية، إذ تراوح متوسط بندي النية بين 6 و7 على مقياس من 11 نقطة يمثّل فيه الرقم 5 تقييمًا محايدًا، وجاء تقييم الاستخدام الفعلي أدنى قليلًا (متوسط 6.46). وكانت أحكام العدالة الأخلاقية والعواقبية أكثر إيجابية بمتوسطات بين 7 و8، بينما جاءت أحكام الواجبية دون 7 قليلًا. وأثبتت المقاييس اتساقًا داخليًا ملائمًا، إذ تجاوزت معاملات ألفا كرونباخ والثبات المركّب عتبة 0.70 في جميع الحالات تقريبًا (النية: ألفا 0.96؛ العدالة الأخلاقية: 0.89؛ العواقبية: 0.86؛ الواجبية: 0.90)، وتجاوزت التحميلات العاملية 0.70، وتخطّى متوسط التباين المستخلَص 0.50. كما دعم معيار فورنيل-لاركر الصدق التمييزي للمقاييس، إذ فاق الجذر التربيعي لمتوسط التباين المستخلَص ارتباطات بيرسون بين الأبعاد، على الرغم من الارتباطات المرتفعة نسبيًا بين الأبعاد الأخلاقية الثلاثة.
تُبرز الدراسة أن الاستدلال الأخلاقي محوري في التبنّي المسؤول للنماذج اللغوية الكبيرة في التحضير للامتحانات، وتقدّم إرشادًا عمليًا للمعلمين والمؤسسات الساعية إلى تعزيز النزاهة الأكاديمية. فمن منظور اتخاذ القرار، لكي يفكّر الطالب في استخدام هذه النماذج بديلًا عن أدوات أخرى عليه أولًا أن يدرك هذا الاستخدام عادلًا ومقبولًا واجبيًا ومنطويًا على منفعة، وعندئذ فقط تصبح النية ممكنة، ثم يترجم الإدراك الأكبر لإسهام النماذج في الوفاء بالالتزامات تجاه المجتمع والبيئة المحيطة والمؤسسة الأكاديمية إلى نية أعلى للاستخدام. وتؤكد الدراسة قيمة الجمع بين منهجيتين متكاملتين هما تحليل الشروط الضرورية ونمذجة المعادلة البنائية لفهم كيفية تأثير الأخلاق في القرار، بوصف ذلك ظاهرة معقدة يقصر أي منهج منفرد عن الإحاطة بها، مع الإقرار بمحدودية العينة القائمة على الاختيار الطوعي في العلوم الاجتماعية بجامعتين إسبانيتين.
الدراسة (PDF)
المصدر: Computers and Education Open، المجلد 10 (2026)، رقم المقال 100323، الناشر Elsevier، DOI: 10.1016/j.caeo.2025.100323.