راقمون

رسائل جامعية

النص الأدبي من الورقية إلى الرقمية: آليات التشكيل والتلقي

4 يوليو، 2026
الدرجة العلميةماجستير
الجامعةالمركز الجامعي العقيد أكلي محند أولحاج – البويرة، الجزائر
الكليةمعهد اللغات والأدب العربي
المشرفأ.د. أحمد حيدوش
تاريخ المناقشة1 يناير 2009

خلاصة الأطروحة

تنتمي هذه الدراسة إلى الجيل الأول من الأبحاث الأكاديمية الجزائرية والعربية التي تصدت لظاهرة انتقال الأدب من الوسيط الورقي إلى الوسيط الرقمي؛ وهي بحث مقدم لنيل شهادة الماجستير أعده الطالب جمال قالم بإشراف الأستاذ الدكتور أحمد حيدوش، في معهد اللغات والأدب العربي بالمركز الجامعي العقيد أكلي محند أولحاج بالبويرة في الجزائر، خلال السنة الجامعية 2008/2009. وينطلق الباحث من ملاحظة أن الحاسوب وما صاحبه من ثورة معلوماتية قلبت الأمور رأساً على عقب يُعدّان من أكبر إنجازات العقل البشري في هذا العصر، وأن هذه الثورة شملت كل نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأن من أهم الجوانب المتصلة بثقافة أي أمة منتوجها الأدبي بوصفه وجهها المعبر عن ذوقها وآمالها وآلامها. ومن هنا تتبلور إشكالية البحث في جملة من الأسئلة يطرحها الباحث بحدة في مقدمته: هل يمكن أن يكون المنتَج الأدبي الرقمي بديلاً لما ألفته الطباع أو على الأقل مضاهياً له أو مدانياً؟ وهل يصلح أن يكون معبّراً عن ذات الأمة وهمومها؟ وهل أنتج حقاً أجناساً أدبية جديدة تعبر بصدق عن روح العصر، وفي أي إطار يمكن تصنيفها؟ وهل تغيرت بهذا الشكل معطيات الإبداع والتلقي ونتائجهما؟ ثم ما هذا المصطلح الجديد الذي أصبح محور نقاش حاد بين المثقفين والأدباء والمفكرين، وأعني به مصطلح الأدب التفاعلي؟ وهل يؤدي بروزه بالضرورة إلى التخلي عن الصيغ التقليدية للإبداع، وهل يتطلب فعلاً نمطاً جديداً من التعامل في إنتاجه وتلقيه؟ ويوضح الباحث أن الدراسة امتداد لمذكرة الليسانس التي أعدها بعنوان «الوسائل التكنولوجية الحديثة ودورها في البحث الأدبي: القرص المدمج أنموذجاً»، وأنه واجه صعوبات جمة أهمها قلة الدراسات والمراجع المتخصصة وصعوبة الوصول إليها، وقلة الترجمة، فضلاً عن كون الموضوع نفسه ما يزال محل شك وريبة لدى أوساط ثقافية كثيرة في الوطن العربي.

أما الإطار النظري فيؤسسه الباحث في مدخل تمهيدي عنوانه «النص الأدبي في عالم الورق»، يعرض فيه مفهوم النص الأدبي وأهم المفاهيم المتصلة بالعلاقات النصية التي مهدت نظرياً لفكرة الترابط، وهي التناص، والتعلق النصي، والمناص والميتانص، والتفاعل النصي، مع عناية لافتة بالجوانب اللغوية لكل مصطلح جديد قبل الخوض في دلالته الاصطلاحية. ويشير في هذا المدخل إلى تجارب أدبية عرفها العرب منذ قرون تقترب من فكرة الترابط أو التشعب، وبخاصة ما يعرف بالشعر الهندسي وغيره من الأشكال التراثية. ويعتمد البحث على مرجعيات عربية مؤسسة في هذا الحقل، في مقدمتها كتابا سعيد يقطين «من النص إلى النص المترابط: مدخل إلى جماليات الإبداع التفاعلي» و«النص المترابط ومستقبل الثقافة العربية»، وكتاب فاطمة البريكي «مدخل إلى الأدب التفاعلي»، إلى جانب مقالات ودراسات ورقية ورقمية متنوعة. كما يعالج الباحث مسألة تعدد المصطلح واضطرابه بين «النص المترابط» و«المتشعب» و«الفائق»، محاولاً تغليب المصطلح الذي يعبر عن حقيقة هذا النص الجديد.

وتتوزع مادة البحث على ثلاثة فصول. يتتبع الفصل الأول «النص الأدبي من عالم الورق إلى عالم الرقم» التطور الحاصل في تكنولوجيا المعلوماتية، ثم يرصد تزاوج الأدب والتكنولوجيا من خلال الكتابة الإلكترونية، والكتابة بين الورقية والرقمية، والنشر الإلكتروني، والكتاب والمكتبة الإلكترونية، مبيّناً ما تتيحه برامج معالجة النصوص من إمكانات في إنشاء الفهارس والكشافات وتنفيذ الحواشي السفلية والتعليقات الهامشية والبحث والاستبدال والتدقيق الإملائي، وراصداً كيف أفرز كل عصر أشكاله التعبيرية: من الملاحم التي ولدت مع اكتشاف الكتابة، إلى الرواية التي هي ملحمة برجوازية على حد تعبير لوكاتش في العصر الصناعي، إلى أدب الحداثة وما بعد الحداثة في العصر التكنولوجي، وصولاً إلى الكتابة المختلفة التي ولدها العصر الرقمي، ومن ثم إلى ماهية النص الأدبي الرقمي المترابط؛ ويميز الباحث هنا تمييزاً منهجياً دقيقاً بين النص الأدبي الإلكتروني الذي هو نص ورقي مرقمن نُقل إلى وسيط جديد ييسر الوصول إليه، والنص الرقمي المترابط الذي وُلد من رحم التكنولوجيا ونما وتشكل في بيئة غير ورقية بحيث إذا خرج منها ضاعت خصوصيته. ويخصص الفصل الثاني للأدب التفاعلي، فيضبط مفهومه بالتفريق بين تفاعلية النصوص المطبوعة التي يقتصر تفاعل قارئها على الانفعال بها أو التعليق عليها بصفتها منجزات تامة، والأدب التفاعلي بوصفه جنساً أدبياً جديداً تنطوي تحته أشكال كتابية مستحدثة منها الرواية التفاعلية والشعر التفاعلي والمسرحية التفاعلية، مستنداً إلى تعريف سعيد يقطين للإبداع التفاعلي بأنه مجموع الإبداعات التي تولدت مع توظيف الحاسوب ولم تكن موجودة قبله أو تطورت من أشكال قديمة فاتخذت معه صوراً جديدة في الإنتاج والتلقي. ثم يعرض الأجناس الأدبية التفاعلية عرضاً تفصيلياً يشمل أنماط الرواية الرقمية والتفاعلية النصية والمرئية والمسموعة، والشعر التفاعلي، والمسرح التفاعلي، مع الإحالة إلى تجارب رائدة غربية، منها نصوص روبرت كاندل التي لا يتحقق فعل تلقيها إلا إلكترونياً وباستخدام الآلة التكنولوجية، وتجربة بوبي رابيد الذي تحول موقعه الروائي على الشبكة إلى فضاء تفاعلي يتلقى آلاف الرسائل في الأسبوع الواحد، وشهادة محمد حسين حبيب في المسرح التفاعلي حيث تتحول شاشة الحاسوب إلى جمهور يواجهه الممثل في لقاء يكتسح الزمان والمكان. ويقف الباحث مطولاً عند واقع وآفاق الأدب التفاعلي في الوطن العربي، راصداً تجارب محمد سناجلة الروائية الرقمية ومنها «شات» و«صقيع»، والجدل النقدي حول الريادة الشعرية التفاعلية التي تُنسب إلى الشاعر العراقي مشتاق عباس معن بمجموعته «تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق» التي عدّتها فاطمة البريكي أول قصيدة عربية تفاعلية طال انتظارها من المهتمين بالأدب التفاعلي في العالم العربي. أما الفصل الثالث «آليات تشكيل وتلقي الأدب التفاعلي» فيتركز على الناحية التنظيرية، ويتناول في محاور ثلاثة: التوجه نحو إبداع جديد ومبدع مغاير يُطلب منه الإلمام بلغات البرمجة والتقنيات الحاسوبية حتى يتحول من كاتب إلى كاتب مصمم، ثم جمالية التلقي التفاعلي حيث تتغير المواقع في الأعمال التفاعلية فيصبح القارئ كاتباً وسيد الموقف ومالك زمام النص، وهو ما يفسر الرواج الكبير لفكرة موت المؤلف عند رولان بارت لدى منظري الأدب التفاعلي، مع رصد أنماط قراءة جديدة كالقراءة العمودية والقراءة القائمة على الصيد أو القنص، وأخيراً ملامح نظرية جديدة في النقد الأدبي التفاعلي تقوم على بلاغة جديدة ينبغي للمتلقي إدراك قواعدها وتذوق جمالياتها، من غموض الروابط إلى صور الحذف والاستعارة الرقمية. كما يؤكد الباحث أن للأدب الرقمي خصوصية تجعل التقنيات الرقمية ولغات البرمجة جزءاً لا يتجزأ من النص الأدبي، فلا يمكن نقله بفاعلية بعيداً عن هيئته الرقمية التي تجعله يتحدث عن نفسه بالكلمة والصوت والصورة، مستشهداً بدعوة محمد سناجلة إلى جنس أدبي جديد عابر للأجناس السابقة وعصي على التجنيس، يجمع الكلمة والصورة والحركة والموسيقى والمشهد السينمائي وفن الغرافيكس في ما يسميه «الواقعية الرقمية».

وينتهي البحث في خاتمته إلى جملة نتائج، أبرزها أننا نعيش عصراً رقمياً بكل ما توحيه الكلمة من دلالات، وأن الأدب ثابت في جوهره التعبيري بينما تتغير الأداة الحاملة له من الحافظة إلى الورق إلى الحاسوب، وأن الحاسوب تجاوز كونه مجرد أداة يقدَّم من خلالها النتاج الأدبي إلى دخول معترك الأدبية نفسها حين أصبح جزءاً من جسد النص عبر إمكاناته الهائلة في ربط أجزائه، فتولد عن ذلك النص المترابط الذي يمثل قفزة نوعية نحو بلاغة جديدة ومشاركة قصدية بين منتج النص ومتلقيه في دورة إبداعية تقوم على التكامل والتفاعل الإيجابي. ويقدر الباحث أن الأدب الورقي سيبقى راسخ القدم في المسيرة الإبداعية جنباً إلى جنب مع الوافد الجديد، داعياً إلى تجاوز التوجس الذي يعيشه المثقف العربي والتعصب للورق، وإلى ضبط المصطلحات وتوحيدها بما يخدم اللغة العربية وأدبها، وإلى نقد رقمي شجاع يتصدى للتعريف بأسرار العمل الإبداعي الرقمي وتبسيط مفاهيمه للقارئ العادي وكشف جمالياته وفك أسرار تداخل الأجناس فيه. وتكمن الأهمية العلمية للدراسة في أنها من الأبحاث الجامعية العربية المبكرة التي وثقت المرحلة التأسيسية للأدب الرقمي العربي بمنهج وصفي تحليلي يجمع بين التأصيل النظري والرصد التطبيقي، وفي ما ألحقه الباحث بها من ثبت ثنائي اللغة بالمصطلحات الواردة في البحث وصور توثيقية لواجهات الأعمال الرقمية العربية، فضلاً عن قيمتها بوصفها شاهداً على تلقي الجامعة الجزائرية المبكر لقضايا الأدب التفاعلي وحلقة وصل بين منجز يقطين والبريكي التنظيري وبين الدرس الأكاديمي المغاربي.

الأطروحة (PDF)

تحميل / فتح الملف (PDF)

المصدر: جمال قالم، النص الأدبي من الورقية إلى الرقمية: آليات التشكيل والتلقي، بحث لنيل شهادة الماجستير، إشراف: أ.د. أحمد حيدوش، معهد اللغات والأدب العربي، المركز الجامعي العقيد أكلي محند أولحاج، البويرة – الجزائر، السنة الجامعية 2008/2009.

Scroll to Top