راقمون

دراسات وأوراق علمية

تصميم استبانة حول استخدامات المعلمين للذكاء الاصطناعي التوليدي والتحقّق من صدقها

8 يوليو، 2026
اسم المجلةComputers and Education Open
المجلد10
الصفحات100332
تاريخ النشر8 يناير 2026

خلاصة الدراسة

تتناول هذه الدراسة إشكاليةً تربويةً وتقنيةً متصاعدة تتمثّل في أنّ استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative Artificial Intelligence – GAI) في التعليم الثانوي بات يُحدث تحوّلًا عميقًا في الممارسات التدريسية وفي خبرات تعلّم الطلبة، بينما يظلّ الحقل التربوي مفتقرًا إلى أدوات قياسٍ مُتحقَّقٍ من صدقها قادرةٍ على رصد الطرائق الفعلية التي يوظّف بها المعلمون هذه التقنيات بصورةٍ منهجيةٍ وموثوقة. ومن هذا المنطلق يهدف الباحثون إلى تصميم استبانةٍ متعدّدة الأبعاد للكشف عن الاستخدامات التعليمية المتنوّعة للذكاء الاصطناعي التوليدي لدى معلمي المرحلة الثانوية، ثمّ التحقّق من خصائصها السيكومترية بما يجعلها أداةً صالحةً للبحث ولاتخاذ القرارات المؤسسية ولتوجيه برامج تدريب المعلمين.

يستعرض الإطار النظري للدراسة تطوّر مفهوم الذكاء الاصطناعي بدءًا من تعريف كايلبلينغ ومور (Kaelbling & Moore) الذي عدّه قدرة الأنظمة الحاسوبية على التكيّف مع البيئات الديناميكية ومعالجة المشكلات المعقّدة، مرورًا بإعادة تعريف سكيلتون وهوفسبيان (Skilton & Hovsepian) له بوصفه أنظمةً تؤدّي مهامًّا كان يضطلع بها البشر، وصولًا إلى التعريف العام للمفوّضية الأوروبية. ويميّز الباحثون مراحل تطوّره: الذكاء الرمزي، والذكاء القائم على البيانات، والذكاء المدرك للسياق. ويؤكّدون أنّ الذكاء الاصطناعي التوليدي يتجاوز تحليل البيانات وأتمتة المهام الروتينية إلى إنتاج محتوى مبتكرٍ وحسّاسٍ للسياق يكاد لا يُميَّز عن المحتوى البشري، وأنّ إطلاق ChatGPT وسّع بدرجةٍ كبيرة وصول الجمهور إلى هذه الأدوات وسرّع النقاش حول استخداماتها التعليمية.

يستند التأطير المفاهيمي إلى نموذج أويانغ وجياو (Ouyang & Jiao) الذي يفرّق بين ثلاثة نماذج للاستخدام: الذكاء الاصطناعي الموجِّه (حيث يكون الطالب متلقّيًا)، والذكاء الاصطناعي الداعم (حيث يتعاون الطالب)، والذكاء الاصطناعي المُمكِّن (حيث يقود الطالب تعلّمه). كما يوظّف تصنيف مارتينيث-كوميسانيا وزملائه (Martínez-Comesaña et al.) الذي يجمع استخدامات الذكاء الاصطناعي التوليدي في الثانوي ضمن ثلاث فئاتٍ عريضة: إدارية، وتعليمية، ومرتبطة بالتعلّم. ويستعرض الباحثون أدبياتٍ غنيّةً حول أثر الذكاء الاصطناعي التوليدي في تخفيف العبء الإداري، وإنشاء المواد التعليمية والأنشطة، ودعم التقويم عبر توليد أدواتٍ آليةٍ وتغذيةٍ راجعةٍ فورية، وتعزيز الانتباه إلى التنوّع والدمج والتخصيص، فضلًا عن رفع دافعية الطلبة واستقلاليّتهم، مع الإقرار بمخاوف تتعلّق بالتحيّز ودقّة المعلومات وضعف التفاعل الإنساني وإمكانية إساءة الاستخدام. ويشير الباحثون إلى أنّ التحليل البُعدي لأثر التغذية الراجعة (وفق ويسنيوسكي وزملائه Wisniewski et al.) يبيّن أنّ التغذية الراجعة المُفصَّلة المتضمّنة شروحًا لا مجرّد الإجابة الصحيحة أشدّ فعّاليةً في تعزيز مهام التعلّم عالية الرتبة. كما تستشهد الورقة بدراسة ماير وزملائه (Meyer et al.) التي شملت عيّنةً من 459 طالبًا وأظهرت أثرًا موجبًا في الدافعية، وبدراسةٍ مقارنةٍ واسعةٍ لرافشيلي وزملائه (Ravšelj et al.) غطّت 109 دولةً وخلصت إلى أنّ الطلبة يرون الذكاء الاصطناعي التوليدي مفيدًا خصوصًا للعصف الذهني والتلخيص واسترجاع المعلومات وتبسيط المهام المعقّدة، مع تباينٍ في نظرة معلمي الثانوي بين الإقرار بمزايا إنشاء المواد والأنشطة والتحفّظ حيال إساءة استخدام الطلبة لهذه الأدوات على نحوٍ قد يقوّض مهاراتٍ جوهريةً كالتفكير النقدي ومحو الأمّية المعلوماتية.

اعتمدت الدراسة منهجًا كميًّا قائمًا على تصميمٍ مسحيٍّ مقطعي (cross-sectional) لبناء أداةٍ صالحةٍ وموثوقة. وقد مرّ إنشاء الأداة بعدّة مراحل: تطوير بنكٍ أوّليٍّ من البنود مستندًا إلى مراجعةٍ شاملةٍ للأدبيات العلمية الحديثة وإلى تحليل خبرات التدريس السابقة، ثمّ التحكيم بواسطة الخبراء، فدراسةٌ استطلاعيةٌ لتنقيح البنود، وأخيرًا التحقّق من صدق المقياس النهائي. وقد قُيِّم صدق المحتوى عبر إجراء تحكيمٍ شارك فيه ستّة خبراء من ذوي الخبرة الواسعة في منهجية البحث التربوي، أربعةٌ منهم درّسوا في المرحلة الثانوية، قيّموا ستّين بندًا وفق معايير الوضوح والملاءمة والانتماء على مقياسٍ خماسي، وحُسب معامل أيكن (Aiken’s V) لتحليل الاتفاق بين المحكّمين وتجاوزت قيمه 0.80 لمعظم البنود. ولم يُبقَ إلّا على البنود التي حصلت على قيمة V لا تقلّ عن 0.78 ومتوسّط تقديرٍ 4.8 فأعلى، ما أفضى إلى نسخةٍ نهائيةٍ مؤلّفةٍ من ثلاثين بندًا.

طُبّقت النسخة الأوّلية على عيّنةٍ بلغت 486 معلمًا ومعلمةً من المرحلة الثانوية في إسبانيا اختيروا بأسلوب المعاينة القصدية الميسّرة، وكان 45.47% منهم ذكورًا و54.53% إناثًا، توزّعت أعمارهم عبر فئاتٍ من العشرين إلى ما فوق الستّين، وتباينت مؤهّلاتهم بين الآداب والإنسانيات (37.65%) والعلوم والصحة والعلوم الاجتماعية والقانونية والهندسة والعمارة، كما تراوحت خبراتهم التدريسية إذ حاز نحو 50.41% منهم خبرةً بين سنةٍ وعشر سنوات. وأُجريت دراسةٌ استطلاعيةٌ على عيّنةٍ عارضةٍ من 52 معلمًا لتحسين صياغة بعض البنود. واستُخدم مقياس ليكرت من عشر درجاتٍ يمتدّ من 1 (أبدًا) إلى 10 (دائمًا)، وجُمعت الاستجابات بين تمّوز وكانون الأول من عام 2024 عبر رابط Microsoft Forms مع فحوصات اتّساقٍ لرصد أنماط الاستجابة الشاذّة مثل التسطير المستقيم (straight-lining).

أُجري التحليل باستخدام برنامجَي IBM SPSS الإصدار 29 وJASP الإصدار 0.19. وقُيِّمت الثقة بمعامل ألفا كرونباخ، والصدق البنائي بالتحليل العاملي التوكيدي (CFA) بطريقة الاحتمال الأقصى (ML) بعد تحقّق شرط الاعتدالية، إذ تراوحت قيم الالتواء بين 1.07- و0.17 والتفلطح بين 0.58 و0.78. وأيّدت النتائج بنيةً سداسية الأبعاد هي: إدارة المعلم، وإنشاء المواد التعليمية، وتقويم الطلبة، وتمكين الطلبة، ومراعاة التنوّع، ودافعية الطلبة. وتجاوزت جميع قيم R² للبنود عتبة 0.50، وتراوحت التشبّعات العاملية المعيارية بين 0.76 و0.96 وكانت جميعها دالّةً إحصائيًّا عند مستوى p أقلّ من .001، ما يوفّر دعمًا قويًّا للصدق البنائي للنموذج.

أظهر تحليل الثقة الداخلية قيمةً مرتفعةً لألفا كرونباخ بلغت 0.92 للمقياس الكلّي، فيما تراوحت قيم الأبعاد الفرعية بين 0.86 (مراعاة التنوّع) و0.92 (إنشاء المواد التعليمية)، ولم يُرصد أيّ بندٍ يؤدّي حذفه إلى تحسين الثقة. أمّا مؤشّرات مطابقة النموذج فقد دلّت على مطابقةٍ جيّدةٍ رغم دلالة إحصاء مربّع كاي (χ²) المعروف بحساسيّته المفرطة لحجم العيّنة الكبير الذي يتجاوز أربعمئة حالة؛ إذ بلغ مؤشّر جودة المطابقة (GFI) قيمة 0.914، ومؤشّر المطابقة المعيّر (NFI) قيمة 0.944، وجذر متوسّط مربّع خطأ التقريب (RMSEA) قيمة 0.045، ومؤشّر المطابقة المقارن (CFI) قيمة 0.963، ومؤشّر تاكر-لويس (TLI) قيمة 0.955، وجذر متوسّط مربّع البواقي المعياري (SRMR) قيمة 0.04، وكلّها تتّسق مع معايير المطابقة الجيّدة.

أمّا الصدق التقاربي فقد قُيّم بحساب متوسّط التباين المستخلَص (AVE) والثقة المركّبة (CR) لكلّ عاملٍ من العوامل الستّة، فتجاوزت جميع قيم AVE عتبة 0.50 وتراوحت بين 0.70 (تقويم الطلبة) و0.90 (دافعية الطلبة)، فيما تراوحت قيم CR بين 0.92 و0.98 متجاوزةً بوضوحٍ الحدّ الأدنى المقبول البالغ 0.70. وأُثبت الصدق التمييزي بطريقتين: فقد جاءت الارتباطات البينية بمعامل بيرسون دون عتبة 0.70 (وتراوحت بين 0.52 و0.67)، كما تبيّن أنّ قيمة AVE لكلّ عاملٍ تفوق مربّع ارتباطه بأيٍّ من العوامل الأخرى وفق محكّ فورنيل ولاركر (Fornell & Larcker)، ما يؤكّد أنّ الأبعاد الستّة متمايزةٌ بما يكفي وإن ظلّت مترابطةً.

تخلص الدراسة إلى أنّها نجحت في تصميم استبانةٍ متعدّدة الأبعاد للتحقّق من استخدامات المعلمين للذكاء الاصطناعي التوليدي وأثبتت لها خصائص سيكومتريةً قويّة. وتقدّم البنية السداسية رؤيةً أكثر دقّةً وتفصيلًا من التصنيف الثلاثي السابق، إذ تكشف أنّ المعلمين يميّزون داخل المجال التعليمي بين إنشاء المواد وتقويم الطلبة، وداخل مجال التعلّم بين التمكين ومراعاة التنوّع والدافعية. ويبيّن هذا التمايز أنّ المعلمين ينظرون إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي بوصفه أداةً متعدّدة الاستعمالات تخدم مهامّهم المهنية (الإدارة وإنتاج الموارد والتقويم) وتُثري خبرات تعلّم الطلبة (التخصيص والدافعية وتعزيز الاستقلالية) في آنٍ معًا، بما يتّسق مع تعايش نماذج الذكاء الاصطناعي الداعم والمُمكِّن. وتناقش الدراسة انعكاساتٍ تطبيقيةً تتّصل بتدريب المعلمين واتخاذ القرار المؤسسي، مع الإقرار بمحدّداتٍ أبرزها اقتصار العيّنة على معلمي الثانوي في إسبانيا واختيارهم بالمعاينة الميسّرة، ما يستدعي حذرًا في التعميم وتفسير النتائج بوصفها أدلّةً مرتبطةً بالسياق.

الدراسة (PDF)

تحميل / فتح الملف (PDF)

المصدر: Computers and Education Open، المجلد 10 (2026)، رقم المقال 100332، الناشر Elsevier، DOI: 10.1016/j.caeo.2026.100332.

Scroll to Top