تصورات طلاب التعليم العالي حول الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعلم ومستقبل المسار المهني في دول مجموعة فيشغراد

خلاصة الدراسة
تعالج هذه الدراسة إشكالية أن الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم العالي أحدث تحولات عميقة في طرائق تعلّم الطلاب وتفاعلهم وإعدادهم لمستقبلهم المهني، مثيراً الحماسة والقلق في آن معاً. فقد انتقلت أدوات الذكاء التوليدي من كونها ابتكارات هامشية إلى بنية تحتية أساسية مندمجة في الروتين الأكاديمي للطلاب، تقدّم منافع مُدرَكة في التخصيص والكفاءة والإنتاج الإبداعي. وتشير الدراسة إلى أن خبرات الطلاب اليومية مع الذكاء الاصطناعي تتّسم بالحماسة والقيد معاً؛ فكثيرون يستخدمونه في توليد الأفكار وإعادة الصياغة وإدارة الوقت، لكنهم يبدون في المقابل مخاوف جوهرية تتعلق بغياب الوضوح حول آلية عمله، ومخاطر خصوصية البيانات، ونقص التدريب، والغموض الأخلاقي المرتبط بالنزاهة الأكاديمية والتقنيات القادرة على المراقبة. وبينما ركّزت الأبحاث السابقة على قبول التكنولوجيا عبر نماذج كمية، ظلّت الرؤى النوعية حول كيفية تفسير الطلاب لهذه الأدوات محدودة، ولا سيما في منطقة مجموعة فيشغراد. وتؤكد الدراسة أن السياق المؤسسي يعقّد هذه التوترات، إذ يرتبط توافر الإرشادات الواضحة والسقالة بمستويات أعلى من الثقة والكفاءة والقبول، بينما تقترن السياسات الغامضة بالارتباك والريبة والمقاومة. وتبرز الدراسة أن مواقف الطلاب من الذكاء الاصطناعي لا تتعلق بالمنفعة الأكاديمية الراهنة فحسب، بل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتصوراتهم لأهميته المهنية المستقبلية، وأنهم تحوّلوا من مجرد مستخدمين إلى أصحاب مصلحة رئيسين في تحديد القيمة التعليمية للذكاء الاصطناعي ومخاطره.
هدفت الدراسة إلى رسم خريطة لخبرات الطلاب وإسقاطها على النظرية الموحّدة لقبول واستخدام التكنولوجيا في نسختها الثانية (UTAUT2)، وتحديد الامتدادات النظرية اللازمة لها. وصاغ الفريق أربعة أهداف محددة: استكشاف كيفية استخدام طلاب دول فيشغراد لأدوات الذكاء التوليدي وخبرتهم بها في دراستهم، وفحص كيفية إسقاط هذه الخبرات على بُنى UTAUT2، وتحديد الأبعاد الإضافية التي تمتد أو تتحدى الإطار، وتحليل كيفية تشكيل الاستخدام الراهن لتصورات الطلاب عن مساراتهم المهنية المستقبلية. وقد استُخدم الإطار بوصفه عدسة تشخيصية تكشف حدوده لا مجرد أداة تطبيق.
اعتمدت الدراسة تصميماً بحثياً نوعياً منسّقاً عبر مواقع متعددة، مستخدمة مقابلات مجموعات النقاش المركّزة لملاءمتها استكشاف الظواهر الاجتماعية الناشئة التي تتمحور حول صنع المعنى الفردي والسياق والتفسير الموضعي. وأُجريت 24 مجموعة نقاش مركّزة وجهاً لوجه في أبريل 2024 عبر أربع جامعات في دول مجموعة فيشغراد (التشيك وسلوفاكيا وبولندا والمجر)، شارك فيها 225 طالباً من برامج العلوم الاجتماعية والتعليم والأعمال والإدارة. واعتُمدت استراتيجية عيّنة قصدية باشتراط أن يكون المشاركون طلاباً مسجّلين لديهم خبرة سابقة بأدوات الذكاء التوليدي، مع السعي إلى أقصى تباين في الخبرة والعمر والنوع الاجتماعي وسنة الدراسة. وبلغ توزيع العيّنة 116 طالباً من التشيك، و24 من المجر، و37 من سلوفاكيا، و48 من بولندا، وكانت الغالبية من الإناث بنسبة 75.6 بالمئة، ومن طلاب الماجستير بنسبة 69.8 بالمئة، ومن تخصصات التعليم بنسبة 51.1 بالمئة والأعمال والإدارة بنسبة 44.4 بالمئة.
ولضمان اتساق التطبيق عبر الفرق الوطنية الأربعة، اتُّبعت عملية توحيد صارمة؛ إذ طُوّر بروتوكول المجموعات وأسئلتها الموجِّهة في اجتماعات تخطيط دولية في نوفمبر 2024، وأُجريت مجموعة تجريبية على يد الفريق التشيكي في ديسمبر 2024، ثم نُقّح البروتوكول في اجتماع دولي في مارس 2025. واستُخدم دليل معياري وقالب تدوين ملاحظات موحّد، وسُجّلت النقاشات عبر تدوين ملاحظات تفصيلية بلغات المشاركين الأصلية بدلاً من التسجيل الحرفي، ثم تُرجمت الملخصات إلى الإنجليزية للتحليل التعاوني مع إعطاء الأولوية للتكافؤ الدلالي. وتمحور الدليل شبه المنظّم حول ثلاثة محاور: الخبرات الراهنة بأدوات الذكاء التوليدي، وتطبيقها في الجامعة، وعلاقتها بالمسار المهني المستقبلي. وقد حصل البحث على موافقة أخلاقية من جامعة المنسّق.
استُلهم تحليل البيانات من طريقة الإطار (Framework Method) عبر أربع مراحل: التآلف، والترميز الاستقرائي المفتوح، والترميز المحوري، والتفسير. وقاد المؤلف الأول التحليل الأساسي بتحقّق تكراري من فريق البحث الأوسع، ونُظّمت الرموز حول أسئلة البحث ثم أُسقطت الموضوعات على إطار UTAUT2 مع تحديد الموضوعات الشاذّة التي تمتد أو تتحدى النموذج. ولم يُستخدم أي برنامج متخصص، بل اعتُمدت المراجعة اليدوية والتنظيم الموضوعاتي حفاظاً على قرب البيانات. وقد وُلّد ما بين 5 و13 رمزاً لكل سؤال بإجمالي 100 رمز استقرائي.
كشف التحليل عن سبعة موضوعات مركزية. أولها تبنّي أدوات الذكاء التوليدي ومنفعتها، إذ انتقل الطلاب من رؤيتها ابتكارات إلى معاملتها أدوات عملية أساسية للكفاءة الأكاديمية والشخصية، ووصفوها بأنها توفّر الوقت وتكسر الجمود المعرفي، مع تفضيل واضح للنسخ المجانية. وثانيها المخاوف بشأن مخرجات الذكاء التوليدي وموثوقيتها، حيث أبدى الطلاب يقظة معرفية وتعاملوا مع المخرجات بريبة بسبب الأخطاء المتكررة و«الهلوسات» والاستشهادات الملفّقة، فوصفوا أنفسهم مدقّقين لأدواتهم الخاصة في تحوّل من الثقة العمياء إلى القبول المشروط. وثالثها مهارة المستخدم وانخراطه، إذ رأوا أن الفجوة الرقمية في عصر الذكاء التوليدي تتحدد بمحو أمية صياغة الأوامر (prompting) وهي مهارة ذاتية التعلّم وموزّعة بتفاوت.
ورابع الموضوعات المعضلات الأخلاقية والعنصر الإنساني، حيث عبّر الطلاب عن تناقض بين كفاءة الأداة وفقدان التأليف الإنساني وشعور بأن استخدامها في المهام الإبداعية «يشبه الغش»، مع مخاوف من الخصوصية والتضليل. وخامسها الأثر في الانخراط المعرفي والتعلم، إذ برز قلق عميق من «تآكل المهارات» (deskilling) وإضعاف التفكير النقدي والكتابة، وخشية من التجانس إن استخدم الجميع الأداة نفسها. وسادسها دور الجامعة في دمج الذكاء التوليدي، إذ عبّر الطلاب عن إحباط من الاستجابة المؤسسية السلبية أو المجزّأة ورأوا غياب الإرشاد فشلاً في الشرعية المؤسسية، مطالبين لا بالتنظيم فحسب بل بالبيداغوجيا والتدريب على هندسة الأوامر. وسابعها السلاح ذو الحدين للمسار المهني المستقبلي، إذ رأى الطلاب الذكاء التوليدي مهارة نجاة إلزامية و«رأس مال مهني» في آن، وتهديداً لأمنهم الوظيفي في الوقت نفسه.
على الصعيد النظري، بيّنت الدراسة أن بعض بُنى UTAUT2 مثل توقّع الأداء وتوقّع الجهد مدعومة، بينما كانت أخرى كالتأثير الاجتماعي والظروف الميسّرة غائبة أو متحوّلة إلى حد كبير. واقترحت الدراسة أربعة امتدادات نظرية نقدية: «ثقة الأداء المشروطة» (توسيعاً لتوقّع الأداء)، بحيث تصبح المنفعة المُدرَكة معتمدة على تحقّق المستخدم النشط من المخرجات؛ و«اليقظة المعرفية» (توسيعاً لسهولة الاستخدام)، إذ يتطلب التبنّي الفعّال جهداً أكبر لا أقل عبر «عمل معرفي» يمنع الاستهلاك السلبي للمعلومات الزائفة؛ و«التفاوض على الهوية» (داخلة للتأثير الاجتماعي)، حيث حلّ الصراع الأخلاقي الداخلي محل ضغط الأقران بوصفه المحرك؛ و«الشرعية المؤسسية» (توسيعاً للظروف الميسّرة)، إذ كان العائق الأساس «فراغاً أخلاقياً» ناجماً عن الصمت المؤسسي لا نقصاً في الأجهزة أو البرمجيات.
خلصت الدراسة إلى أن النماذج القائمة لا تلتقط سوى جزء من تعقيد الذكاء التوليدي، وأن الطلاب يرونه «رأس مال مهني» إلزامياً مع معايشتهم قلق «تآكل المهارات» العميق، وأن السياق المؤسسي شكّل تفسيراتهم وخلق «فراغاً أخلاقياً». ودعت الجامعات إلى الانتقال من التنظيم السلبي إلى السقالة النشطة عبر تنفيذ تدريب على محو أمية صياغة الأوامر واعتماد التقويم الموجّه نحو العملية، مؤكدة أن التحديات الجوهرية للذكاء التوليدي في التعليم العالي ليست تقنية بل معرفية ومؤسسية بالدرجة الأولى، وأن هذه المساهمة النوعية متعددة المؤسسات والدول تسدّ فجوة في الأدبيات التي غلب عليها التركيز الغربي أو الآسيوي، مقدّمة رؤى إقليمية فريدة من منطقة فيشغراد.
الدراسة (PDF)
المصدر: Computers and Education Open، المجلد 10 (2026)، رقم المقال 100357، الناشر Elsevier، DOI: 10.1016/j.caeo.2026.100357.