تعليم المعلِّمين: مراجعة منهجية للمعرفة التربوية التكنولوجية الخاصة بالذكاء الاصطناعي التوليدي في إعداد المعلمين

خلاصة الدراسة
تنطلق هذه الدراسة من إشكالية محورية مفادها أنّ الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم منذ أواخر عام 2022 قد أحدث تحوّلًا عميقًا في مشهد التعليم، غير أنّ الأدبيات ما زالت تفتقر إلى فهم واضح للكيفية التي يمكن بها لمعدّي المعلمين (Teacher Educators) أن يطوّروا المعرفة التربوية التكنولوجية الخاصة بهذا النوع من الذكاء الاصطناعي. ويرى الباحثان T. J. Ó Ceallaigh وStephen Murphy من جامعة كورك في أيرلندا أنّ أدوات مثل ChatGPT وسواها من أنظمة الذكاء التوليدي تفتح آفاقًا جديدة للتعليم والتعلّم والتقويم، لكنها تثير في الوقت نفسه تحديات تربوية وأخلاقية معقّدة تتعلق بخصوصية البيانات والتحيّز الخوارزمي والتأليف والمساءلة، وهي قضايا تزداد حدّةً في سياق إعداد المعلمين داخل مؤسسات التعليم العالي. وتهدف الدراسة إلى استكشاف وتوليف الأدبيات القائمة حول المعرفة التربوية التكنولوجية الخاصة بالذكاء التوليدي لدى معدّي معلمي المرحلة ما بعد الابتدائية، عبر الإجابة عن سؤال البحث الرئيس: ما المعرفة التربوية التكنولوجية التي يحتاجها معدّو المعلمين لإعداد معلمي المرحلة ما بعد الابتدائية قبل الخدمة وأثناءها بفاعلية؟
ينطلق الإطار النظري للدراسة من نموذج TPACK المتجذّر في مفهوم المعرفة التربوية للمحتوى الذي طرحه شولمان، والذي وسّعه ميشرا وكوهلر عام 2006 بإضافة المعرفة التكنولوجية ليشمل المعرفة التكنولوجية للمحتوى والمعرفة التربوية التكنولوجية والمعرفة التربوية التكنولوجية للمحتوى. ويجادل الباحثان بأنّ هذا الإطار التقليدي لم يعد كافيًا لأنّه لا يستوعب الأبعاد التكيّفية والمستقلة والتأملية والأخلاقية الفريدة التي يفرضها الذكاء التوليدي، إذ إنّ هذه الأنظمة تولّد محتوى وتغذية راجعة ومواد تعليمية، ما يطرح أسئلة جديدة حول التأليف والتحيّز والمساءلة وفاعلية المتعلّم. ولذلك يستدعي الباحثان أطرًا مكمّلة مثل نموذج Intelligent-TPACK الذي طوّره تشيليك عام 2023 بدمج بُعد المعرفة الأخلاقية، ومفهوم المعرفة السياقية (XK) الذي أضافه ميشرا لاستيعاب الآثار الاجتماعية والأخلاقية بعيدة المدى، وإطار تمكين الذكاء الاصطناعي (Enabling AI) الذي يضع دمج الذكاء ضمن سياقات مؤسسية وسياساتية أوسع.
اعتمدت الدراسة منهج المراجعة المنهجية المتوائم مع إرشادات PRISMA، مستخدمةً نسخةً مبسّطة من إطار PICO أطلق عليها الباحثان إطار PIO الذي يدمج عنصرَي التدخّل والمقارنة في فئة واحدة، تجنّبًا لتضييق حجم الدراسات المؤهّلة في البحث التربوي الذي نادرًا ما يستخدم مجموعات ضابطة. وشملت الفئة المستهدفة معدّي معلمي المرحلة ما بعد الابتدائية والمعلمين قبل الخدمة وأثناءها في هذه المرحلة، وركّزت النتيجة المرجوّة على المعرفة، ولا سيما المعرفة التربوية التكنولوجية والمهارات والكفايات. وجرى البحث النهائي في نيسان/أبريل 2025 عبر قاعدتي بيانات هما ERIC وEBSCO، اللتين اختيرتا لتغطيتهما الشاملة لبحوث التعليم، بعد أن تبيّن وجود تداخل كبير مع نتائج Scopus وWeb of Science. واستُخدمت سلسلة بحث رئيسة تجمع مصطلحات المعرفة التربوية التكنولوجية والذكاء الاصطناعي التوليدي وإعداد المعلمين والتكامل الأخلاقي والنقدي والتربوي عبر روابط بوليانية ورموز البتر.
طُبِّقت معايير استبعاد صارمة استبعدت الدراسات التي لا يتوفّر نصّها الكامل، أو التي تتناول معدّي معلمي المرحلة الابتدائية، أو التي لا تتناول الذكاء الاصطناعي في سياق الإعداد الأولي للمعلمين أو التطوير المهني المستمر أو المرحلة ما بعد الابتدائية، أو التي لا تشير أهدافها إلى التطوير المهني، أو التي لا تجمع بيانات تجريبية، أو غير المحكّمة. وأدخلت النتائج إلى برنامج Mendeley لإزالة التكرارات، وفحص الباحثان العناوين والمستخلصات ثم النصوص الكاملة، مع حسم الخلافات بالتوافق، ليستقرّ العدد النهائي على سبع عشرة دراسة كاملة النصّ. واعتمد استخراج البيانات إطار ترميز موحّدًا مستندًا إلى النموذج التحليلي ثنائي المرحلة لمايلز وهوبرمان، إذ أُجري في المرحلة الأولى تحليل عمودي داخل كل حالة على حدة، وفي المرحلة الثانية تحليل أفقي مقارن عبر الحالات في ضوء أسئلة البحث الثلاثة، مع معالجة القضايا الأخلاقية بوصفها موضوعات عابرة للتصنيفات لا مسائل منعزلة.
اتّسمت الدراسات السبع عشرة المدرجة بتنوّع كبير في السياقات والأساليب والعيّنات؛ فقد امتدّت جغرافيًا من النرويج والولايات المتحدة وفنلندا وألمانيا وكندا والهند إلى هونغ كونغ وتونس والإمارات وإسبانيا وغانا، وتنوّعت مناهجها بين النوعي دراسات الحالة والكمّي مسوح ونمذجة معادلات بنيوية والمختلط. فقد شملت دراسة أاغارد وزملائه (2022) ثمانية عشر معدَّ معلمين وثلاثة معلمين مدرسيين في مقرّر ماجستير، ودرست باريت وباك (2023) ثمانية وستّين معلمًا ومئةً وثمانية وخمسين طالبًا جامعيًا، وحلّلت كامون وزملاؤه (2024) استجابات 855 طالبًا جامعيًا و145 عضو هيئة تدريس، فيما استقصت مورهاوس وكوهنكه استجابات 604 من مدرّسي التعليم العالي، وتناولت نياآبا وجاي (2024) ندوة تطوير مهني ضمّت 307 من معدّي المعلمين والإداريين في غانا، ودرست غوان وزملاؤه (2025) أربعةً وعشرين معلمًا قبل الخدمة في هونغ كونغ. وقد وفّر هذا التنوّع قاعدة أدلّة ثريّة، وإن حدّ في الوقت نفسه من إمكانية التجميع الكمّي أو إجراء تحليل بَعدي بسبب التباين الكبير بين الدراسات.
كشفت النتائج أنّ الأبعاد الأخلاقية والنقدية للمعرفة التربوية التكنولوجية الخاصة بالذكاء التوليدي كانت الأكثر بروزًا وتكرارًا، وانتظمت في موضوعات فرعية تشمل التحيّز والإنصاف، والمساءلة والشفافية، والخصوصية وأخلاقيات البيانات، وإفراط الطلبة في الاعتماد على الذكاء التوليدي، والحاجة إلى الثقافة الأخلاقية. فقد بيّنت دراسة وار وهيث (2025) وجود تحيّز منهجي في تقديرات الذكاء التوليدي وتغذيته الراجعة يعيد إنتاج اللامساواة المرتبطة بالعرق وسياق المدرسة، فيما أظهرت دراسة تشيليك (2023) أنّ الإنصاف والشمول الأخلاقيين يتنبّآن بقوة باستعداد المعلمين للاستخدام المسؤول. كما أبرزت الدراسات الطبيعة “الصندوقية السوداء” للنماذج اللغوية الكبيرة التي تصعّب تتبّع كيفية توليد المخرجات وتقوّض الثقة، ولا سيما في المهام عالية المخاطر مثل التقدير والتغذية الراجعة، فضلًا عن مخاوف المراقبة وإساءة استخدام البيانات ونصح كثير من مؤسسات التعليم العالي بعدم إدخال بيانات حسّاسة أو معرّفة للهوية.
أما الموضوع الثاني، وهو التصميم التعليمي المعزَّز بالذكاء الاصطناعي، فقد نُظِّم في أربعة موضوعات فرعية متداخلة هي فهم الأدوات، وتفسير السياسات، والهوية والاستقلالية، والتأليف المشترك. وبيّنت النتائج أنّ أدوات الذكاء التوليدي يمكن أن تدعم مسارات التعلّم الشخصية والتعليم المتمايز، لكنّ الاستفادة الفعلية تتطلّب أن يدمج معدّو المعلمين هذه الأدوات بشكل هادف داخل تخصّصاتهم، وأن يميّزوا مواضع الدعم الحقيقي من مواضع عدم الملاءمة. وأشارت دراسة ديلينغ وهيرمان (2024) حول استخدام ChatGPT في بناء البراهين الرياضية إلى نشوء “تكوين أدواتي” لدى المعلمين، مع كشف فهم سطحي لآليات الذكاء وميل إلى قبول المخرجات دون نقد. كما برز التوتّر بين الأفدنة التوليدية للأداة والحاجة إلى الحفاظ على فاعلية المتعلّم وإبداعه، وشعور المعلمين قبل الخدمة بالتناقض إزاء تأثير المحتوى المولَّد في هويتهم المهنية، إضافة إلى ظاهرة التأليف المشترك مع الذكاء التي تتحدّى المفاهيم التقليدية للنزاهة الأكاديمية والأصالة، وتدعو إلى الانتقال من نماذج عقابية للانتحال نحو مقاربات تشاركية إبداعية.
وأظهر الموضوع الثالث المتعلق بفجوات المعرفة المهنية أنّ كثيرًا من المعلمين ما زالوا يُظهرون فهمًا سطحيًا لكيفية عمل هذه الأدوات وطرائق دمجها تربويًا، مع وجود نقص واضح في المعرفة التربوية التكنولوجية، ولا سيما في مواءمة استخدام الذكاء مع الأهداف التربوية، وتعزيز الثقافة النقدية، وتوسيع فرص التطوير المهني. فقد عبّر معدّو المعلمين عبر المؤسسات عن حاجة ملحّة إلى تدريب عملي ووضوح في السياسات وإرشادات أخلاقية لدعم التبنّي الواثق والمسؤول. وأوصت دراسة ديليك وزملائه (2025) بنموذج “الاكتشاف المشترك النقدي” الذي يدعم تطوير ثقافة ذكاء اصطناعي تأملية وحسّاسة للسياق تردم الفجوة بين المعرفة التربوية التكنولوجية والاستدلال الأخلاقي. أما الموضوع الرابع المتعلق بالدعم المؤسسي والاستراتيجية، فقد بيّن أنّ مؤسسات التعليم العالي تؤدّي دورًا محوريًا، لكنّها تفتقر في كثير من الأحيان إلى استراتيجيات شاملة وأطر حوكمة، ما يؤدّي إلى تطبيق متفاوت وإرشادات غامضة، مع دعوة إلى تضمين الذكاء التوليدي بشكل منهجي في برامج الإعداد الأولي بدلًا من ورش معزولة.
خلص الباحثان إلى أنّ الأبعاد الأخلاقية ينبغي أن تُفهم بوصفها مكوّنًا ناشئًا ومتكاملًا من المعرفة التربوية التكنولوجية الخاصة بالذكاء التوليدي لا خطًّا بحثيًا منفصلًا، وأنّ ثمّة حاجة ملحّة إلى إعادة تصوّر هذه المعرفة بما يتجاوز مجرّد إتقان الأداة نحو معرفة راسخة في الوعي الأخلاقي والتأمّل النقدي والحسّاسية السياقية. وأكّدت الدراسة أنّ تقوية المعرفة التربوية التكنولوجية الخاصة بالذكاء التوليدي لدى معدّي المعلمين شرطٌ جوهري لإعداد المعلمين المستقبليين لدمج الذكاء الاصطناعي بمسؤولية وفاعلية، وأنّ مؤسسات التعليم العالي تؤدّي دورًا مركزيًا عبر تبنّي استراتيجيات متماسكة وسياسات داعمة وتطوير مهني مستدام. وأقرّت الدراسة بمحدوديّاتها، وأبرزها قلّة عدد الدراسات المدرجة الذي يعكس حداثة الحقل، واقتصار البحث على قاعدتين، وطبيعة التحليل الموضوعي التفسيرية، مع تأكيد أنّ المقاربة الموضوعية وفّرت رؤى تفسيرية غنية حول كيفية بروز هذه المعرفة عبر السياقات التعليمية المختلفة.
الدراسة (PDF)
المصدر: Computers and Education Open، المجلد 10 (2026)، رقم المقال 100367، الناشر Elsevier، DOI: 10.1016/j.caeo.2026.100367.