راقمون

دراسات وأوراق علمية

تعلّم الأيض بالواقع الافتراضي لتحسين تعليم الكيمياء الحيوية في المنطقة الناطقة بالإسبانية

8 يوليو، 2026
اسم المجلةComputers and Education Open
المجلد10
الصفحات100326
تاريخ النشر13 ديسمبر 2025

خلاصة الدراسة

تنطلق هذه الدراسة من إشكالية جوهرية في تعليم العلوم الأساسية بمجال الصحة، وهي صعوبة إيصال المفاهيم الأيضية المعقّدة إلى الطلاب الجدد الذين نشؤوا في بيئة رقمية مشبعة بالألعاب والفيديو والرسوم المتحركة، بحيث صار أسلوبهم في التعلّم أكثر ارتباطًا بالموارد البصرية والديناميكية منه بالنصوص المجرّدة. ويركّز الباحثون تحديدًا على موضوعَي سلسلة نقل الإلكترون (ETC) والفسفرة التأكسدية (OXPHOS)، وهما من أصعب موضوعات الكيمياء الحيوية بسبب كثرة مكوناتها البروتينية ووسائطها وحدوثها على مقياس خلوي دقيق يتعذّر تخيّله بالحواس البشرية. فالأيض علم أساسي وضروري لفهم كثير من الظواهر البيولوجية في مجالات الصحة، إذ يفسّر عمليات هدم الجزيئات وبنائها للحصول على الطاقة الخلوية واستعمالها. وعلى هذا الأساس صيغ هدف البحث: تصميم بيئة واقع افتراضي وتنفيذها وتقييمها بوصفها آلية تعليم مصغّر (Microteaching) للأيض البشري، ثم قياس أثرها في اكتساب المعرفة وفي تصوّر الطلاب لفائدتها مقارنةً بالأساليب التقليدية القائمة على المحاضرات والقراءات والأنشطة التعاونية والاختبارات القصيرة.

يستعرض الباحثون في خلفيتهم النظرية المزايا الجوهرية للواقع الافتراضي في التعليم الطبي، ولا سيما في العلوم الأساسية كالكيمياء الحيوية؛ فهو يقدّم خبرات غامرة وواقعية تتيح التفاعل مع نماذج ثلاثية الأبعاد للبنى البيولوجية، ويحاكي مواقف سريرية دون خطر على المرضى الحقيقيين، ويمكن تخصيصه لحاجات كل طالب، فضلًا عن أنه يجعل المفاهيم المعقّدة أيسر منالًا ويشجّع الإبداع والخيال. وتُعدّ البيئات الافتراضية منصّات مثالية للتعلّم المصغّر (Microlearning) للمفاهيم في مواقف قصيرة وتجريبية موجّهة نحو هدف محدّد. وقد استند الإطار المفاهيمي إلى منظور عصبي-معرفي يرى أن الفاعلية التعليمية تبلغ ذروتها حين تعزّز الاستراتيجيات التطوّر المعرفي أو الإجرائي أو المزج بينهما عبر بيئات تعلّم تجريبية، بما يوائم بين خبرات التعلّم والمبادئ العصبية-المعرفية ويرفع مستوى الاحتفاظ بالمعرفة وتطبيقها حتى بلوغ مستوى الإبداع في تصنيف بلوم. وتقوم فكرة التصميم على نقل الطالب افتراضيًا إلى الفراغ بين غشائي الميتوكوندريا حيث تحدث هذه العمليات، فيتعرّف على المركّبات من الأول إلى الخامس وعلى العناصر المصاحبة مثل NADH/NAD وأيونات الهيدروجين وFAD/FADH2 والإلكترونات والبروتونات واليوبيكينون والسيتوكروم c والأكسجين والماء.

أُجريت الدراسة بوصفها دراسة تجريبية استكشافية (Pilot study) داخل مؤسسة Tecnologico de Monterrey، في مدرسة الطب وعلوم الصحة، واستهدفت طلاب السنة الأولى المسجّلين في مقرّر الأيض والطاقة المدمج مع الكيمياء الحيوية، وهو مقرّر بواقع أربع ساعات أسبوعيًا يُدرَّس في الفصل الأول من السنة الأولى. وشمل التصميم المنهجي ثلاث مراحل: تصميم تجربة الواقع الافتراضي وتطويرها، ثم لوجستيات تنفيذ النشاط، ثم تقييم المعرفة وتصوّرات الطلاب للفائدة. استُخدمت نظارات Oculus Quest 2 ووحدات تحكّم تتيح للطالب التنقّل بحرية في الفضاء الافتراضي على نحو طبيعي وبديهي أشبه بلعبة فيديو، وعُرض تفاعل الطالب في الوقت الحقيقي على شاشات إضافية ليتابعه زملاؤه ويدمجوا المعلومة. ولتفادي الإزعاج حُدّد زمن الاستخدام بعشر دقائق كحدٍّ أقصى لكل مشارك، مع تنظيف النظارة ووحدات التحكّم قبل التبديل ومساءلة الطلاب باستمرار عن حالتهم الجسدية. ونُظّم العمل في زوايا الغرفة الملوّنة بحسب الفرق (من 1 إلى 4)؛ فبينما يكون أحد أفراد الفريق في الفضاء الافتراضي يُكمل بقية أعضائه — بمساعدته — رسمًا تخطيطيًا للعمليات الأيضية في المركّبات المختلفة، فيغدو الجميع منخرطين فعليًا في التنفيذ ضمن كفاءة العمل التعاوني.

اعتمد التصميم التعليمي على سبع لحظات تعليمية تبدأ في قاعة الدرس بربط نهاية تحلّل السكر بإنتاج البيروفات وانتقالها إلى الميتوكوندريا، ثم تطبيق أداة تشخيصية قبلية، فالانتقال إلى غرفة الواقع الافتراضي لأداء النشاط الغامر حول ETC وOXPHOS، ثم العودة إلى القاعة لتطبيق التقييم البعدي واستبانة تصوّر الفائدة وإغلاق الجلسة. وأُجريت تقييمات المعرفة القبلية والبعدية فرديًا ضمن حدٍّ زمني عشر دقائق بواقع عشرة أسئلة اختيار من متعدد، مع اختلاف محتوى الاختبارين القبلي والبعدي وتشابههما في البنية والمدة لتفادي تحيّز التذكّر. وقُورنت حصيلة أسبوع الواقع الافتراضي (الأسبوع الثاني) بحصيلة أسبوعَي الاستراتيجية التقليدية (تحلّل السكر في الأسبوع الأول وتحلّل الدهون في الأسبوع الثالث)، إذ تلقّى الطلاب في هذين الأسبوعين محاضرة يليها تعزيز تعاوني ببناء خريطة أيضية. وأُتيحت منصّة ويب بديلة (WebXR) لمن لم يرغب في المشاركة في الواقع الافتراضي أو خلال جائحة كوفيد-19، على ألّا تُدرَج نتائج هؤلاء في التحليل. كما قُيّمت قابلية نقل الخبرة بين المعلّمين عبر تطبيق ثلاثة معلّمين (A وB وC) للتصميم نفسه في ثلاث فترات أكاديمية مختلفة.

عولجت النتائج بوصفها وسيطًا ومدى ربيعيًا (IQR) باستخدام برنامج Minitab 21.4.3، واعتُمدت اختبارات مان-ويتني U وكروسكال-واليس مع تصحيح بونفيروني، وضُبط مستوى الدلالة عند 0.05 بفاصل ثقة 95%، كما أُجري تحليل انحدار خطي متعدد المتغيّرات وعُرضت تصوّرات الطلاب عبر خرائط حرارية. من حيث العيّنة، وُجّهت الدعوة إلى 289 طالبًا ووافق منهم 284 على المشاركة (95 في الفترة الأولى، و92 في الثانية، و79 في الثالثة)، وكانت الإناث 203 (نحو 70.2%) والذكور 86، وجميعهم من النواة المشتركة لعلوم الصحة التي تضم الطب وعلوم الأحياء وطب الأسنان والتغذية وعلم النفس. ولم يؤثّر عدم المشاركة في النشاط في الدرجة النهائية، ولم تُعتمد نتائج الاختبارين القبلي والبعدي في التقييم الرسمي للمقرّر، حرصًا على الطابع الطوعي للمشاركة وتفادي أي إكراه أو أثر في الدرجات.

أظهرت النتائج تفوّقًا واضحًا للواقع الافتراضي؛ فقد لوحظ عدد أكبر من الإجابات الصحيحة في الموضوع الذي دُرِّس بالواقع الافتراضي مقارنةً بالموضوعات المدروسة بالقراءة والمحاضرة، بدلالة إحصائية عالية (p<0.00001 مقابل الأسبوع الأول وp<0.00001 مقابل الأسبوع الثالث) على بيانات مزدوجة عددها 244. وعلى مستوى المجموعات كان المستوى المعرفي منخفضًا في بداية النشاط (وسيط 30–40% على مقياس 100) ثم ارتفع إلى 80–90% بعد إتمامه، بفارق بالغ الدلالة (p<0.0001) في كل مجموعة وفي مجموعها. كما ثبت أن أثر التحسّن مستقلّ عن المعلّم؛ إذ لم تظهر فروق ذات دلالة بين المعلّمين في الدرجات البعدية (بحدٍّ أقصى لتباين إجابة صحيحة واحدة، ووسيط 80%، وقيمة p=0.136)، على بيانات مزدوجة عددها 220 (110 للمعلّم A و84 للمعلّم B و26 للمعلّم C)، وهو ما يدعم قابلية النقل والتوسّع دون تدريب مكثّف للمعلّمين. غير أن التحسّن لم يكن شاملًا؛ إذ تراجعت درجات فئة قليلة من الطلاب مرتفعي الأداء عند استخدام الواقع الافتراضي، وهو ما فسّره الباحثون جزئيًا بتغيّر جيلي في عادات الدراسة.

وعلى صعيد التحليل متعدد المتغيّرات، وُلّدت أربعة نماذج انحدار خطي (بيانات غير محوّلة ومحوّلة لوغاريتميًا، بأسلوبَي الاختيار الأمامي والخلفي)، وبلغت أعلى قيمة لمعامل التحديد R² نحو 31.66%، وأسهمت في تفسير النموذج متغيّرات الدرجة القبلية ودرجة الأسبوع الأول والفترة الأكاديمية الثالثة معًا (p<0.001)، ما يلمّح إلى وجود عوامل غير موثّقة كعادات القراءة والدراسة والخبرة المسبقة بألعاب الفيديو. وأظهر تطوّر المعرفة تحسّنًا لدى 97.8% من الطلاب بمستويات متفاوتة، فيما أبدى 92% منهم تعليقات إيجابية عن النشاط، وأكثر من 90% وجدوه مفيدًا لتعلّمهم. وسُجّلت ملاحظات للتحسين شملت انزعاجًا جسديًا لدى 1.12% ومشكلات اتصال لدى 2.25% والتباسًا في المفاهيم بسبب حركة الجزيئات لدى 0.37%، مع اقتراح إضافة زر لإيقاف الوصف الصوتي مؤقتًا. وقد أبرزت الإجابات المفتوحة تعليقات نوعية لافتة مثل: "تعلّمتُ بطريقة مختلفة تمامًا حين رأيتُ ما أتعلّمه"، و"ساعدني كثيرًا لأنني أتعلّم بصريًا"، و"رؤية حركة كل إلكترون وبروتون جعلت الفهم يسيرًا"، و"طريقة ثرية وتفاعلية تكسر نمط الصف التقليدي"، مع إشارات قليلة إلى الدوار أو التعثّر التقني.

يقرّ الباحثون بقيود عدّة: التصميم شبه التجريبي غير المعشّى، وتداخل نمط التدريس مع الموضوع عبر الفترات، واحتمال أثر الحداثة (Novelty effect)، والفروق بين الدفعات، واقتصار النتائج على مؤسسة واحدة وقياس قصير المدى، وإتاحة المنصّة بالإسبانية فقط، وكلفة الواقع الافتراضي مقارنةً بالأساليب التقليدية لا سيما في الدول النامية، وصعوبة التنفيذ في المناطق النائية ضعيفة الاتصال. ومن نقاط القوة التي أبرزوها الدمج في المقرّر الاعتيادي وكبر حجم العيّنة، وقابلية نقل الخبرة بين المعلّمين دون تدريب مكثّف، والمقاربة المختلطة التي جمعت بين قياس التعلّم والقبول. واقترحوا مسارات مستقبلية كالاختبارات المؤجّلة للاحتفاظ وفق بروتوكولات مثل C-IVAL، والدمج مع الواقع المعزّز والذكاء الاصطناعي والإرشاد التكيّفي لتقليل الحمل المعرفي، وتطوير نسخة إنجليزية.

وناقش الباحثون في ضوء نتائجهم نمطين سلوكيين متمايزين لدى الطلاب: أوّلهما، وهو الأغلب، أن الطلاب يميلون إلى أداء أفضل حين يُدعَم تعلّمهم بأدوات تقنية مقارنةً بالأساليب التقليدية؛ وثانيهما أن فئة قليلة لا تستفيد من الأنشطة الرقمية بل يتراجع أداؤها، وهو ما رجّحوا أن يكون أثرًا لتغيّر جيلي في عادات الدراسة يعود إلى تأثير الأهل أو الإخوة. واستشهدوا بأدبيات تدعم أن البيئات المعزّزة بالتقنية قد تحسّن الأداء حين تُصمَّم لتعزيز الانخراط والمرونة والتعلّم المخصّص، مع أنها ليست “صالحة للجميع” ولا “دائمًا”؛ فبعض المتعلّمين يعانون في البيئات الرقمية لضعف التنظيم الذاتي وقلّة التفاعل والشعور بالعزلة وغياب التغذية الراجعة الفورية. ولذا رجّحوا أن المقاربة المدمجة (Blended learning) التي تجمع مرونة المنصّات الرقمية وثراء مواردها مع الانخراط الشخصي وبنية الصف التقليدي قد تقدّم الحلّ الأكثر شمولًا وفاعلية، وهو ما يتّسق مع كون الفترة الأكاديمية عاملًا محسّنًا للنموذج، إذ يعكس نضجًا شخصيًا وتحوّلًا في التهيّؤ النفسي للتعلّم مع التقدّم في الحياة الجامعية.

خلص الباحثون إلى أن الواقع الافتراضي يتيح للطلاب الوصول إلى عمليات وأماكن يستحيل بلوغها على المقياس البشري، ويحسّن تعلّم المفاهيم المجرّدة والمعقّدة في زمن قصير، ويعزّز التعلّم النشط والمحفّز والاحتفاظ بالمعرفة ومهارات حلّ المشكلات والعمل الجماعي، فضلًا عن قيمته في التعليم عن بُعد وقت القيود الاجتماعية، وفي محاكاة تجارب المختبر بأمان وبكلفة أقل، وفي الشمول لذوي الإعاقة عبر توافقه مع الأجهزة الشائعة. ويرون أن المنصّة التي صُمّمت لتعلّم ETC وOXPHOS في علوم الصحة حقّقت هدفها، إذ يسّرت التنفيذ للمعلّمين ونالت قبولًا واسعًا من الطلاب وأعضاء هيئة التدريس، وأنها قابلة للتكيّف بسهولة مع مؤسسات تعليم عالٍ أخرى في فرع العلوم الحيوية، مع دعوتهم المؤسسات الأخرى إلى التواصل لنقل الخبرة التعليمية والتحقّق من فائدتها في سياقاتها الخاصّة.

الدراسة (PDF)

تحميل / فتح الملف (PDF)

المصدر: Computers and Education Open، المجلد 10 (2026)، رقم المقال 100326، الناشر Elsevier، DOI: 10.1016/j.caeo.2025.100326.

Scroll to Top