راقمون

دراسات وأوراق علمية

حماية فاعلية المعلم في زمن الدفع التقني القوي: تأصيل القرارات في أغراض بيستا التربوية

8 يوليو، 2026
اسم المجلةComputers and Education Open
المجلد10
الصفحات100383
تاريخ النشر26 مايو 2026

خلاصة الدراسة

تعالج هذه الورقة المفاهيمية إشكالية متنامية مفادها أن التقنيات الرقمية كوسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، وما تُتيحه من تحويل التعليم إلى بيانات، تؤثر على نحوٍ متزايد في المجتمع وفي التعليم والتعلم داخل المدارس. فحين يقود ذلك إلى أتمتة جزئية للتعليم، تتعرّض فاعلية المعلم وتعلُّم الطلاب ونماؤهم للخطر. ويرى الباحثون أن التقنيات المروَّج لها في المدارس، كتحليلات التعلم والبرمجيات التكيفية والذكاء الاصطناعي التوليدي، ليست محايدة، بل تعكس غالبًا قيم شركات التقنية لا القيم التربوية. ومن هنا تدعو الورقة إلى نماذج تربوية تُبرز أهمية فاعلية المعلم وتعيد التوجّه نحو الأغراض التربوية الجوهرية، مستندةً إلى مجالات الغرض التربوي الثلاثة لدى غيرت بيستا: التأهيل والتنشئة الاجتماعية والذاتية، بوصفها إطارًا يوجّه الاختيارات الحكيمة للتقنية في الفصل الدراسي.

يضع الباحثون سؤالين بحثيين: ما خصائص الممارسات التقنية التي تُبرهن على تكامل ناجح لمجالات بيستا الثلاثة جميعًا؟ وما الشروط المؤسسية والسياساتية اللازمة لحماية فاعلية المعلم وتعزيزها في تطبيق التقنية؟ وللإجابة، يقدّمون خلفية مفاهيمية وتجريبية تُظهر أن الضغوط التقنية في المنظومة التربوية تستدعي نهجًا بيداغوجيًا يتمحور حول فاعلية المعلم والأهداف النمائية الواسعة للطلاب. ويؤكدون، على حدّ علمهم، أنه لم تسبق دراسة استخدمت مجالات بيستا الثلاثة إطارًا لدعم خيارات المعلمين الفاعلة بشأن استخدام التقنية أو تجنّبها في تعلُّم الطلاب. وقد اختاروا إطار بيستا تحديدًا بسبب الدور المميّز للذاتية التي تُقدّم الطلاب بوصفهم ذواتًا في التعليم لا مجرد موضوعات للتدريس.

يوضّح الباحثون أن التعليم لا يقتصر على التفاعلات على المستوى الجزئي بين المعلمين والطلاب والآباء، بل تتأثر أهدافه ونتائجه بالمنظومة التربوية الأوسع. فعلى المستوى الوسيط تقع ثقافة المدرسة وتنظيمها وقيادتها وسياساتها والتعاون بين العاملين، وعلى المستوى الكلي تقع الثقافة والسياسة الوطنية وصانعو السياسات وهيئات التفتيش والشركات التجارية والمنظمات الحكومية الدولية والصحافة وجماعات الضغط والبحث. وكثير من المنظومات التربوية حول العالم يواجه ضغوطًا كنقص المعلمين وقصور الميزانيات وتراجع الثقة بالمعلمين والدفع نحو مزيد من الضبط عبر تحويل التعليم إلى بيانات. ويؤدي التركيز على الاختبارات غالبًا إلى استخدام مواد تعليمية مُقيَّدة بنصوص جاهزة تضيّق التعلم إلى اكتساب معرفة أدنى رتبةً ذات أهداف قصيرة الأمد، فيتقوّض استقلال المعلم ويشعر الطلاب بالانفصال.

يُعرِّف الباحثون فاعلية المعلم بأنها قدرته على اتخاذ القرارات والتأثير في الممارسات وممارسة الخيارات بشأن عمله، شاملةً البيداغوجيا والمواد التعليمية ودمج التقنيات الرقمية واستخدامها. ويتبنّون المنظور البيئي لبريستلي وزملائه الذي يرى الفاعلية لا سمةً في المعلم بل ناتجًا عن تفاعله مع المنظومة التربوية التي قد تُيسّرها أو تعوقها، مستندًا إلى إطار إميرباير وميش ذي الأبعاد الثلاثة: البُعد التكراري المرتبط بالماضي والخبرات والقيم، والبُعد العملي-التقويمي المرتبط بالحاضر واللحظة الآنية، والبُعد الاستشرافي المرتبط بالمستقبل وتصوّر الإمكانات المختلفة. ويلاحظون أن بحوث تقنية التعليم تُركّز تقليديًا على البُعد التكراري المتصل بمعرفة المحتوى البيداغوجية التقنية والمعتقدات البيداغوجية ونموذج قبول التقنية، بينما يحظى البُعد الاستشرافي المتعلق بأغراض التعليم القصيرة والطويلة الأمد بأقل اهتمام.

يميّز الباحثون الأتمتة بأنها تقليل دور المعلم وتعظيم دور التقنية في تقرير ما يُدرَّس ومتى وكيف ويُختبَر، وهو ما تروّج له السياسات والشركات التجارية بوعود كتخفيف عبء المعلم والاختبار والتعلم المخصَّص والكفء وحلّ نقص المعلمين. ويحذّرون من مخاطر الأتمتة؛ فالأنظمة التكيفية قد تُقيّد نواتج التعلم لا سيما لدى الطلاب المعرّضين للخطر، وقد تحدّ من قدرة المعلمين على تصميم أنشطة التعلم والاستجابة لحاجات المتعلمين. ويستعرضون النماذج الكبرى في بحوث تقنية التعليم كما حددها كوشمان: التعليم المُعان بالحاسوب القائم على السلوكية، وأنظمة التدريس الذكية القائمة على علم النفس المعرفي، ونموذج لوغو-بوصفه-لاتينية القائم على البنائية، والتعلم التعاوني المدعوم بالحاسوب الذي يضع الطلاب في دور نشط لبناء المعرفة المشتركة، مبيّنين أن هذه النماذج تمنح منطلقات مختلفة جدًا لمساحة فاعلية المعلم.

يقدّم الباحثون عدسة بيستا لاختيار التقنية التعليمية بحكمة عبر مجالاته الثلاثة. فالذاتية تعني أن يصبح المتعلم فردًا مسؤولًا ناقدًا يتفاعل مع أسئلة العالم، وهي المجال المركزي للتعليم المتمحور حول العالم، إذ يُقدَّم العالم لا موضوعًا للدراسة بل ذاتًا تخاطبنا وتعلّمنا. أما التأهيل فيعني اكتساب المعارف والمهارات والاستعدادات، والتنشئة الاجتماعية تعني النقل الثقافي والنماء للاندماج الاجتماعي وعضوية الجماعة. ويؤكد الباحثون أن على المعلمين التمييز بين تقنيةٍ تكتفي بأتمتة التعليم وتقنيةٍ تخدم المجالات الثلاثة، وأن القرارات البيداغوجية لا ينبغي أن تُفوَّض إلى الشركات التجارية وصانعي السياسات لأن أهدافهم وقيمهم لا تتوافق مع أهداف التعليم العام. ويرون أن القرار السليم للمعلم يتوقف على فاعليته تجاه هذه المجالات الثلاثة.

إجابةً عن السؤال البحثي الأول، يترجم الباحثون مجالات بيستا إلى أربع خصائص ملموسة ينبغي أن تستوفيها الممارسات التقنية. الخاصية الأولى أن تُمكّن التقنية المعلم من جلب مواقف العالم الحقيقي الأصيلة إلى الفصل، مع مسؤوليته في الاختيار الحكيم من الإنترنت المُثقَل بالمحتوى الزائف والمولَّد آليًا. والثانية أن تُحفّز التفاعل وجهًا لوجه حول تعقيدات العالم وتدعم المجتمع والتعاون حضوريًا وعبر الإنترنت، صونًا للتنشئة الاجتماعية بوصفها ممارسة إنسانية علائقية. والثالثة أن تُتيح سماع صوت الطالب في استجابته للمشكلات الواقعية عبر إنشاء منتجات تعبّر عن صوته مقترنةً بنقاشات مفتوحة. والرابعة أن تعكس التقنية تصميمًا أخلاقيًا شاملًا ديمقراطيًا يقلّل جمع البيانات ويُبقي الملكية والتحكم بيد المعلمين والطلاب والآباء ويُدقّق التحيز الثقافي.

إجابةً عن السؤال البحثي الثاني، يبيّن الباحثون أن حماية فاعلية المعلم تتطلب عنايةً بالمستويين الكلي والوسيط معًا. فعلى المستوى الكلي، تخلق السرديات الوطنية والدولية والتجارية حوافز نظامية لتقنياتٍ تُضيّق فاعلية المعلم، وكثيرًا ما ينشأ ذلك من ضغوط جماعات المصالح التجارية في هيئات صنع السياسات، مما يستدعي كبح هذا الضغط وإلزام العمليات التشاركية التي تمنح المعلمين صوتًا رسميًا في قرارات التقنية. وعلى المستوى الوسيط، ينبغي استعادة السياسة الرقمية بوصفها بيداغوجيا، وأن يحظى المعلمون بصوتٍ رسمي جوهري في قرارات الشراء والاستخدام، وأن تُقرّ المدارس سياسات صريحة تُرسّخ حق المعلم في قبول الأدوات أو تكييفها أو رفضها بحسب ملاءمتها البيداغوجية، كما في المثال الإرشادي لمدارس تحمي استقلال المعلم وتتيح له الانسحاب من أدوات الذكاء الاصطناعي غير المتوائمة مع أهدافه.

يستعين الباحثون بإطار الأخلاقيات التقنية لآدمز وغروتن الذي يتضمّن ثلاث مقدمات: الأداتية التي ترى التقنية مجرد أداة تقع مسؤولية استخدامها على الإنسان، والمادية-الاجتماعية التي ترى المسؤولية مشتركة بين المستخدم والتقنية لما فيها من قيم وتحيزات كامنة قد توجّه سلوك التدريس، والوجودية التي تنظر في تأثير التقنية على طريقة وجودنا في العالم. ويجمعون هذا البناء المفاهيمي في نموذج فاعلية المعلم للغرض البيداغوجي المسمّى TAPP، الذي يضع التقنية التعليمية ضمن المنظومة الأوسع للتعليم والتعلم، ويُبرز ثلاثة عناصر مترابطة: المنظور المنظوماتي، وفاعلية المعلم، وأغراض بيستا التربوية. ويشدّد الباحثون على أن نماذج دمج التقنية الراهنة تُفرِط في التركيز على معرفة المعلم واتجاهاته ومعتقداته، وهي تنتمي إلى البُعد التكراري، بينما تُقلّل من شأن دور المنظومة التربوية الأوسع والبُعدين العملي-التقويمي والاستشرافي، وهو خلل قد يُحمّل المعلمين وحدهم تبعة إخفاق التقنيات في الوفاء بوعودها. ومن ثمّ فإن الجداول التي تقابل بين ممارسات التقنية الداعمة لفاعلية المعلم وتلك المقوّضة لها، عبر أبعاد صنع القرار والتحكم في البيداغوجيا والموارد والتعاون والقيم والأخلاق، تُقدّم مرجعية عملية تساعد المعلمين على مفصلة تفكيرهم البيداغوجي في مناقشات شراء التقنية واستخدامها. وتُقدّم الخصائص التقنية الأربع معايير ملموسة لتقويم قدرة التقنية على خدمة التأهيل والتنشئة والذاتية على نحوٍ تآزري، ويمكن استخدامها أيضًا لتقويم المواد التعليمية غير الرقمية.

تخلص الورقة إلى الدعوة لاستخدام إطار بيستا للمجالات الثلاثة، ويُفضَّل عند تقاطعها، مرجعيةً لدمج التقنية، بما يضمن أن تدعم الأدوات الرقمية النماء المتكامل للطلاب وتُبعدنا عن البرمجيات التكيفية التي تعزل المتعلمين خلف الشاشات لمهام أدنى رتبةً، فتدعم التقنية التفاعل الإنساني الهادف وفاعلية المعلم بدل أن تحلّ محلّهما. ويُقرّ الباحثون بحدود ورقتهم بوصفها إسهامًا مفاهيميًا يحتاج إلى استكشاف تجريبي وتحقّق، وباستنادها أساسًا إلى النظرية والسياق التربويين الغربيين، وبكون نقدها للتقنيات الموجَّهة نحو الأتمتة نقدًا واسعًا قد لا يستوعب تباين تطبيقها في فصولٍ بعينها. ومع ذلك يؤكدون أن صون حق المعلم في قبول التقنيات أو تكييفها أو رفضها هو المِحور الذي يتيح لتقنية التعليم أن تُثري التعلم نحو أغراض بيستا الطويلة الأمد لا أن تُفقره، داعين إلى استعادة الثقة بالمعلمين بوصفهم حَمَلة التفويض البيداغوجي.

الدراسة (PDF)

تحميل / فتح الملف (PDF)

المصدر: Computers and Education Open، المجلد 10 (2026)، رقم المقال 100383، الناشر Elsevier، DOI: 10.1016/j.caeo.2026.100383.

Scroll to Top