خارطة طريق لتطبيق الميتافيرس في الميدان التعليمي استنادًا إلى نموذج ADDIE: مراجعة منهجية

خلاصة الدراسة
تنطلق هذه الدراسة من إشكالية محورية مفادها أنّ الميتافيرس، الذي يوصف بأنّه الجيل القادم من الإنترنت وعالَمٌ افتراضيٌّ يتفاعل فيه المستخدمون في الزمن الحقيقي مع الأشياء عبر شخصيات رمزية مخصَّصة، يحمل إمكانات هائلة في قطاع التعليم من حيث تعزيز إمكانية الوصول والقدرة على تحمُّل التكلفة وتنمية المهارات، غير أنّه لا توجد – على حدّ علم الباحثين – دراسة تجريبية سابقة تقدّم خارطة طريق واضحة لتطبيق الميتافيرس التعليمي (Edu-Metaverse). ولسدّ هذه الفجوة يهدف البحث إلى مراجعة منهجية وتحليل ببليومتري لمئة وثمانٍ وستين دراسة تجريبية نُشرت بين عامَي 2019 و2025، بغية تركيب الأدلّة وبناء خارطة طريق بحثية شاملة تنتظم وفق نموذج التصميم التعليمي ADDIE، بما يوضّح كيف يمكن تصميم الميتافيرس التعليمي ونشره وتقويمه في السياقات التربوية الحقيقية.
ويستند الإطار النظري إلى نموذج ADDIE بمراحله الخمس المتعارف عليها: التحليل (Analyze)، والتصميم (Design)، والتطوير (Develop)، والتطبيق (Implement)، والتقويم (Evaluate)، بوصفه بنية خطية هرمية تيسّر بناء نموذج أوّليّ تقنيّ فعّال يستعين به المعلّمون ومصمّمو التعليم ومطوّرو التدريب. ويربط البحث هذا النموذج بمنظومة التقنيات الممكِّنة التي يقوم عليها الانغماس والتفاعل في الميتافيرس التعليمي، ومن أبرزها الواقع الافتراضي (VR) والواقع المعزَّز (AR) والواقع المختلط (MR) والواقع الممتدّ (XR)، فضلًا عن الذكاء الاصطناعي والاتصالات فائقة السرعة والتوأمة الرقمية وخوارزميات التعلّم العميق والآليّ، وتقنيات إنترنت الأشياء وسلاسل الكتل (Blockchain) التي تُوظَّف لحماية الخصوصية والملكية الفكرية في البيئات الافتراضية.
أمّا المنهجية فقد اتُّبع فيها بروتوكول PRISMA 2020 لضمان الشفافية والصرامة، إذ أُجري بحثٌ منهجيّ عبر ست قواعد بيانات كبرى هي: Web of Science وScopus وIEEE Xplore وProQuest وEBSCOhost وGoogle Scholar، عن الدراسات المنشورة من يناير 2019 إلى نوفمبر 2025. وقد صُمّمت استراتيجية بحثٍ من جولتين تجمع بين مصطلحات متصلة بالميتافيرس (مثل Metaverse وVR وAR وXR) ومصطلحات متصلة بالتعليم (مثل education وlearning وteaching وtraining) باستخدام معامل الربط المنطقي AND. وأسفر البحث الأوّليّ عن 2474 مقالًا، ثم استُبعد 766 مقالًا غير مؤهَّل و435 مقالًا مكرَّرًا، ليخضع 1273 مقالًا لفرز العناوين والملخّصات. وبعد ذلك خضع 436 مقالًا للمراجعة الكاملة للنصّ، فاستُبعدت 25 وثيقة غير متاحة أو مسحوبة، و8 أوراق بلغات أخرى، و134 ورقة غير تجريبية، و101 ورقة لم تكن صريحة في بيان عملية التطبيق، لينتهي الأمر إلى تضمين 168 ورقة للتحليل، كان معظمها مقالاتٍ في المجلّات (137 ورقة) وأوراقًا في المؤتمرات (31 ورقة). وقد اعتمدت الدراسة التحليل الوصفي والببليومتري والتحليل الموضوعي الهرمي، ولاحظت تصاعدًا لافتًا في النشر عام 2023، مع الإقرار بوجود نقصٍ في سجلّات عام 2024 بسبب ثغرات مؤقّتة في الفهرسة.
وفي مرحلة التحليل حدّدت الدراسة خمسة مكوّنات جوهرية للميتافيرس التعليمي هي: الشخصية الرمزية (Avatar) التي يجسّد بها المتعلّم نفسه في العالم الافتراضي، والسيناريو المفعَم بالمحتوى الرقمي والموارد التعليمية (كاللعبة أو القصّة أو المعرض أو المختبر أو المشهد الانغماسي)، والتقنيات الممكِّنة من برمجيات وعتاد وخوارزميات مدفوعة بالذكاء الاصطناعي، وأدوات التقويم التي تتيح للمعلّمين رصد سلوكيات المتعلّمين، والاعتبارات الأخلاقية المتعلّقة بالخصوصية وتسريب البيانات والأمن السيبراني والمضايقات الرقمية والمشكلات الصحية الناجمة عن أجهزة العرض المثبَّتة على الرأس. كما رصدت الدراسة ثلاثة دوافع رئيسة لبناء الأبحاث التجريبية في هذا الميدان: تعزيز عملية التعليم والتعلّم، وتعزيز التعلّم التعاوني والابتكاري (عبر التعلّم القائم على المشكلات والمحاكاة والتلعيب)، وتطوير النماذج الأوّلية للميتافيرس التعليمي وتقويمها.
وفي مرحلة التصميم استخلصت الدراسة عبر تركيبٍ موضوعيّ هرميّ خمس استراتيجيات تعليمية شاملة تتفرّع إلى عشرة رموز نوعية، هي: بناء المعرفة التعاوني، والتعلّم الخِبْري الانغماسي، والتقويم وتحليلات التعلّم، والتصميم التعليمي وتكامل الأنظمة، والتخصيص والدمج. وبيّنت أنّ التخصّصات ذات القابلية الواسعة للتطبيق والمتطلّبات التواصلية العالية، مثل حقول العلوم والتقانة والهندسة والرياضيات (STEM) والطبّ، تُظهر تركيزًا أعلى لاستراتيجيات الميتافيرس التعليمي، بينما تظلّ استراتيجيات التخصيص والدمج الموجَّهة إلى المتعلّمين ذوي الإعاقة أقلّ استكشافًا. كما لاحظت أنّ اختيار الاستراتيجية يتوقّف بشدّة على خصائص التخصّص وأهدافه وبنية مهامّه، وأنّ الذكاء الاصطناعي التوليدي، ولا سيّما النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs)، يفتح فرصًا جديدة لتصميم استراتيجيات تعليمية مبتكرة وتكيّفية.
أمّا مرحلة التطوير فقد استعرضت فيها الدراسة النماذج الأوّلية والمنصّات والأجهزة التي تجعل الميتافيرس التعليمي قابلًا للتطبيق، محدِّدةً خصائص تقنية مؤسِّسة هي: الانغماس (بمستوياته غير الانغماسية وشبه الانغماسية والانغماسية الكاملة)، والاستجابة المكانية–الزمانية الفائقة، والقابلية للتوسّع، والإتاحة العامّة، واللامركزية، وقابلية التشغيل البيني، والتوافق مع الأجهزة. واستعرضت منصّات مثل Second Life وUnity وEon-XR وOpenSimulator وSpatial.io وGather.Town وifland وFrame VR، وأجهزة العرض المثبَّتة على الرأس مثل Google Cardboard وMicrosoft HoloLens 2 وMeta Quest 2 وHTC Vive. وأشارت إلى وقائع دالّة مثل إغلاق مايكروسوفت لمنصّة Altspace في مارس 2023 وإغلاق موقع Metaverse Studio في فبراير 2024، بما يعكس هشاشة البنية التقنية وحاجتها إلى الاستدامة.
وفي مرحلتَي التطبيق والتقويم أبرزت الدراسة الدور المتنامي للخدمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي في معالجة قيودٍ أربعة: قصور مهارة التعامل مع الأجهزة، ومحدودية المحاكاة، وصعوبة القياس الفعّال، وعدم سلاسة تجربة المستخدم. فعرضت نماذج تطبيقية مثل استخدام الشبكات العصبية الالتفافية (CNNs) للكشف عن سلوكيات المشاركة، وخوارزمية التعلّم المعزَّز العميق (Rainbow DQN) لمحاكاة إخلاء الحشود في الطوارئ، ونموذج اندماج CNN-RNN للتعرّف على المشاعر عبر إشارات تخطيط الدماغ (EEG)، وتفوّق الشبكة العصبية الاصطناعية العميقة (ANN) على نماذج التعلّم الآلي ونمذجة المعادلة البنائية (SEM) في التنبّؤ بتقبّل المتعلّمين. ولاحظت الدراسة أنّ كثيرًا من الأبحاث اعتمدت تصاميم شبه تجريبية بمجموعات ضابطة وتجريبية بدلًا من التجارب العشوائية المضبوطة، ما يُضعف قوّة الاستدلال السببيّ على فاعلية الميتافيرس.
ولتوجيه هذا المسعى صاغت الدراسة ثلاثة أسئلة بحثية محدَّدة: أوّلها عن الوضع الراهن للبحث التجريبيّ في ميدان الميتافيرس التعليمي، وثانيها عن كيفية تطبيق تقنيات الميتافيرس في قطاع التعليم، وثالثها عن كيفية إجراء تقويم البيانات وقياسها في ممارسة الميتافيرس التعليمي. وحدّدت لنفسها أهدافًا بحثية موازية، منها المراجعة المنهجية لخمسة عوامل مفتاحية تشمل المكوّنات والدوافع، والاستراتيجيات، والتقنيات، والمشاركين والسيناريوهات والخدمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وأدوات تقويم البيانات والتقييم. وأبرزت الدراسة في جدولٍ مقارِن إسهامها في مقابل نحو ستّ عشرة مراجعة أو مسحًا سابقًا نُشرت بين عامَي 2022 و2025، مبيّنةً أنّ تلك الأعمال – على أهمّيتها – ركّزت على القيم والإمكانات والتحدّيات والاتّجاهات العامّة أو على أطرٍ مفاهيمية، من غير أن تسبك النتائج التجريبية في عملية تطبيقٍ منهجية قائمة على دورة الحياة الكاملة، وهو ما يميّز إسهام هذا العمل بوصفه أوّل من يربط الأدلّة التجريبية بنموذج ADDIE ربطًا خاصًّا بكلّ مرحلة.
ولفتت الدراسة إلى أنّ الخصائص المكانية والمجسَّدة (Embodied) للميتافيرس يمكن أن تخفّف من ظاهرة “التطفّل” أو “الركوب المجّانيّ” (Free riding) في المهامّ التعاونية، إذ لا يستطيع المتعلّمون سماع أقرانهم أو التواصل معهم إلّا حين يكونون متجاورين فعليًا في البيئة الافتراضية، ما يشجّع المشاركة النشطة. كما لاحظت أنّ كثيرًا من الأبحاث المضمَّنة وظّفت تصاميم شبه تجريبية بتوزيع المتعلّمين على مجموعات ضابطة وتجريبية لمقارنة النواتج، بدلًا من إجراءات المعاينة العشوائية، وهو ما يوفّر أدلّةً أوّلية على فاعلية التدخّلات القائمة على الميتافيرس، لكنّه يحدّ من قوّة الادّعاءات السببية بشأن هذه الفاعلية. وأكّدت أنّ التكامل المستقبليّ للذكاء الاصطناعي يُتوقَّع أن يؤدّي دورًا حاسمًا في دعم التغذية الراجعة المخصَّصة وتشخيص التعلّم والتنبّؤ بالأداء، بما يدفع نحو ممارساتٍ تعليمية تكيّفية ومدفوعة بالبيانات داخل الميتافيرس، مع بقاء البحث في الضمانات الأخلاقية وتخفيف التحيّز وموثوقية التكيّف طويلة الأمد اتّجاهًا مستقبليًا حاسمًا.
وتخلص الدراسة إلى أنّ الميتافيرس التعليمي يحمل إمكانات كبيرة لتعزيز التعلّم والتعليم الانغماسيّين، لكنّها تكشف في المقابل ثغرات حرجة في الصرامة المنهجية وفي التقويم متعدّد الوسائط ينبغي معالجتها للنهوض بالممارسة القائمة على الأدلّة. وبناءً على ذلك تقترح إطارًا متكاملًا يربط الأسس التقنية بالتصميم البيداغوجي وممارسات التقويم، ليكون بمنزلة خارطة طريق تُرشد الأبحاث والتطوير المستقبلية. وتتمثّل أهمّية العمل في تقديمه أوّل خارطة طريق تعتمد دورة الحياة الكاملة (Life-cycle) مستندةً إلى أدلّة تجريبية مُسنَدة إلى نموذج ADDIE، بما يساعد الباحثين اللاحقين على تحديد كلّ مرحلة من مراحل تطبيق الميتافيرس التعليمي، ويوجّه المعلّمين والمطوّرين نحو ترجمة نتائج البحث إلى ممارسة تربوية فعّالة، مع التأكيد على أنّ الأطر القانونية والأمنية والأخلاقية ما تزال غير ناضجة وتستدعي تطوير آليّات لحماية الخصوصية مثل الحوسبة الحافظة للخصوصية والتشفير الرقمي والحلول القائمة على سلاسل الكتل.
الدراسة (PDF)
المصدر: Computers and Education Open، المجلد 10 (2026)، رقم المقال 100365، الناشر Elsevier، DOI: 10.1016/j.caeo.2026.100365.