دراسة مقارنة بين تقنيات التأليف الشعري بمساعدة الذكاء الاصطناعي والتأليف البشري الخالص

خلاصة الورقة
تنطلق هذه الورقة من مشكلة بحثية محددة مفادها أنّه على الرغم من التغلغل المتسارع لأدوات الذكاء الاصطناعي في حقل الكتابة الإبداعية، فإنّ ثمة فجوة واضحة في الدراسات التجريبية التي تقارن مقارنة منهجية بين التأليف الشعري المدعوم بالذكاء الاصطناعي والتأليف الشعري البشري الخالص. ويلاحظ المؤلفان أنّ كثيرًا من الأبحاث السابقة تناولت قدرة الذكاء الاصطناعي على توليد النصوص، لكنّ قليلًا منها بحث بصورة نظامية كيف تُقارَن هذه المخرجات المولّدة آليًا بما ينتجه الشعراء من حيث الإبداع والرنين العاطفي والاتساق الأسلوبي. ومن ثمّ يطرح البحث سؤاله المركزي حول كيفية تقييم فاعلية توليد الشعر بالذكاء الاصطناعي في مقابل الأساليب التقليدية، وصولًا إلى فهم مواطن القوة والضعف في كل مقاربة بما يفيد الشعراء والمعلمين ومطوري الأدوات. وقد صيغت أربعة أسئلة بحثية تتناول المقارنة في الإبداع والرنين العاطفي، وخبرات الشعراء وتصوراتهم، وانعكاسات النتائج على ممارسات المستقبل، والإسهام النظري في فهم الإبداع في سياق الذكاء الاصطناعي.
يستند الإطار النظري للورقة إلى مراجعة أدبية موسّعة تتناول طبيعة الشعر بوصفه فنًّا لغويًا إيقاعيًا ومجازيًا يقوم على الصورة والصوت والشكل والانفعال، وتضع هذه الخصائص الفنية الذاتية في مقابل الطبيعة الخوارزمية للتأليف الآلي. ويوظّف البحث النظرية المكوّناتية للإبداع لأمابايل (1983) التي تبرز التفاعل بين المهارات المتصلة بالمجال، والعمليات المتصلة بالإبداع، والدافع الداخلي، ليشير إلى أنّ الشاعر البشري يستمد من خبرته وانفعالاته بينما يفتقر الذكاء الاصطناعي إلى الدافعية الجوهرية ويعتمد على الخوارزميات المدفوعة بالبيانات. كما يستدعي البحث نظريات الإبداع التشاركي ومفهوم الشراكة المشتركة في الإبداع الذي يرى أنّ الآلة قد تعمل شريكًا يعزّز العملية الإبداعية البشرية لا بديلًا عنها. أمّا منهجيًا فيتبنّى البحث تصميمًا مختلط الأساليب يجمع بين المكوّن الكيفي، عبر المقابلات وورش العمل لاستكشاف تجارب الشعراء الذاتية، والمكوّن الكمي، عبر مسوح تقيس جودة النصوص ورضا المستخدم ومستويات الانخراط بما يتيح المقارنات الإحصائية.
وقد نُفّذت الدراسة على مرحلتين متمايزتين: مرحلة استكشافية كيفية عبر مقابلات مع الشعراء لرصد خبراتهم وتوقعاتهم، ثم مرحلة دراسة مستخدم مقارنة أنشأ فيها المشاركون قصائد باستعمال التقنيتين معًا. وشارك في البحث مئة وعشرون شاعرًا اختيروا وفق معايير محددة تشمل مستوى الخبرة، فصُنِّفوا إلى مبتدئين (أقل من سنتين)، ومتوسطين (سنتان إلى خمس)، ومتمرسين (أكثر من خمس سنوات)، فضلًا عن التنوع الديموغرافي في العمر والجنس والخلفية الثقافية والمؤهل. أُجريت مقابلات شبه مبنية مع ثلاثين مشاركًا استغرقت كل واحدة نحو ستين دقيقة، ونُظّمت ورشتان تفاعليتان، فيما خضع تسعون مشاركًا لدراسة مستخدم مهيكلة تضمّنت جلستي كتابة: جلسة بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي مثل مولّدات النصوص ومحسّنات الأسلوب، وجلسة بشرية خالصة. وبعد كل جلسة أكمل المشاركون استبانة بمقياس ليكرت تقيس سهولة الاستعمال والرضا وتعزيز الإبداع والاستمتاع. وحُلِّلت البيانات الكيفية عبر التحليل الموضوعي بخطواته من التآلف والترميز وتطوير الموضوعات والمراجعة، بينما حُلِّلت البيانات الكمية بالإحصاء الوصفي والاستدلالي باختباري «ت» وتحليل التباين، مع مراعاة اعتبارات أخلاقية شملت الموافقة المستنيرة والسرية وحق الانسحاب.
تكشف النتائج المتعلقة بالتأليف المدعوم بالذكاء الاصطناعي عن ثلاثة محاور رئيسة: تعزيز توليد الأفكار، إذ أفاد كثير من الشعراء بأنّ المولّدات النصية دفعتهم إلى استكشاف موضوعات لم يكونوا ليطرقوها، وهو ما كان مفيدًا للمبتدئين المعرّضين لانسداد الكتابة؛ وزيادة التنوّع اللغوي عبر اقتراحات المرادفات والاستعارات والتنويعات الأسلوبية التي أثرت المفردات وأضافت طبقات من المعنى؛ والطابع التشاركي، حيث وصف مشاركون تفاعلهم مع الأداة بأنّه أشبه بوجود شريك في الكتابة يحثّهم على التفكير بطرائق مغايرة. في المقابل أبرزت تجارب التأليف البشري الخالص العمق العاطفي والأصالة، إذ شدّد الشعراء على أنّ الكتابة من خبراتهم الشخصية دون محفزات خارجية تتيح صلة أعمق بالانفعال، كما اتّسمت العملية بطابع تأملي متأنٍّ يقود إلى نتاج أكثر قصدية ومعنى، فضلًا عن الحرية الإبداعية في اتباع الحدس دون قيود اقتراحات الآلة.
وفي التحليل المقارن للقصائد لاحظ فريق من المحكّمين الخبراء أنّ القصائد المولّدة بمساعدة الذكاء الاصطناعي تميل إلى تنوع لغوي أكبر وصور مجازية مبتكرة، بينما أظهرت النصوص البشرية عمقًا موضوعيًا أعمق وتركيزًا أقوى على السرد الشخصي والاستكشاف العاطفي واتساقًا أسلوبيًا أرفع. أمّا على مستوى المسوح الكمية فقد جاءت الأرقام دالّة: عبّر نحو ثمانية وسبعين بالمئة من المشاركين عن رضاهم عن الشعر المنتَج بالأدوات الذكية، في حين بلغ الرضا عن نتاجهم البشري الخالص خمسة وثمانين بالمئة؛ وقيّم اثنان وسبعون بالمئة إبداعهم المتصوَّر أعلى عند استعمال الأدوات، غير أنّ ثمانين بالمئة شعروا أنّ إبداعهم يُعبَّر عنه بصدق أكبر في التأليف البشري؛ كما رأى خمسة وستون بالمئة أنّ الشعر المدعوم بالذكاء الاصطناعي أخفق في التقاط عمق مشاعرهم مقارنة بالنصوص البشرية، وهو ما يرسّخ أهمية الصلة الشخصية في الكتابة الإبداعية.
تناقش الورقة هذه النتائج في ضوء التوازن بين التقنية والأصالة، فترى أنّ الأدوات الذكية وإن عزّزت التنوع اللغوي وحفّزت توليد الأفكار فإنّها قد لا تلتقط العمق العاطفي الذي يميّز التجربة الإنسانية، ما يستدعي من الشعراء مقاربة هجينة توظّف التقنية مع الحفاظ على الصوت الأصيل. وتستعرض الورقة دراسات حالة توضيحية مثل الفيلم القصير «Sunspring» المكتوب بالكامل بمولّد نصوص، ومشروع «The Poetry Machine» التفاعلي في الإبداع المشترك، في مقابل نماذج بشرية مثل شعر سيلفيا بلاث ولانغستون هيوز بوصفها تجسيدًا لعمق التجربة الإنسانية. وتخلص إلى جملة من الانعكاسات: على الشعراء أن يتعاملوا مع الذكاء الاصطناعي بوصفه شريكًا تعاونيًا مع الحفاظ على أصواتهم، وعلى المعلمين دمج هذه الأدوات في مناهج الكتابة الإبداعية مع تشجيع التفكير النقدي حول الأصالة والتأليف، وعلى المطوّرين تبنّي مبادئ التصميم المتمحور حول المستخدم وتعزيز الذكاء العاطفي للأدوات.
وتقرّ الورقة بمحدوديات دراستها، إذ إنّ العينة وإن كانت متنوعة قد لا تمثّل مجتمع الشعراء الأوسع، كما أنّ الطبيعة الذاتية للإبداع تجعل قياس أثر الأدوات بدقة أمرًا عسيرًا، وتوصي بأبحاث مستقبلية أوسع تشمل دراسات طولية لرصد الأثر بعيد المدى، ودراسات مقارنة عبر أجناس أدبية أخرى كالقصة والنثر، واستكشافًا أعمق للانخراط العاطفي في المحتوى المولّد آليًا. وتكمن أهمية هذه الورقة العلمية في كونها تسدّ فجوة تجريبية عبر إطار مقارن يجمع الكيفي والكمي، ويقدّم للشعراء والمعلمين إطارًا عمليًا للتنقل في مشهد الكتابة الإبداعية المتحوّل، مؤكّدة إمكان التعايش المتناغم بين مساعدة الذكاء الاصطناعي والتأليف البشري الخالص من دون المساس بسلامة التعبير الفني. ويلزم التنبيه إلى أنّ هذا العمل نُشر بوصفه نسخة أولية غير محكّمة على منصة Preprints.org، وأنّه وإن كان مصوغًا في هيئة أطروحة من ستة فصول فإنّ طبيعته كنسخة تمهيدية تستدعي قراءة نتائجه بوصفها أوّلية قابلة للمراجعة.
ويُلاحظ أنّ البحث ينتظم في هيكل أطروحي متدرّج يبدأ بفصل تمهيدي يعرض الخلفية وبيان المشكلة والأهداف والأسئلة ونطاق الدراسة وأهميتها، ثم فصل مراجعة الأدبيات، فالمنهجية، فالنتائج والتحليل، فالمناقشة، فالخاتمة والانعكاسات. وفي فصل المناقشة يعيد المؤلفان مقاربة الأسئلة البحثية واحدًا واحدًا، فيبيّنان أنّ التقنيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي تؤثر إيجابًا في العملية الإبداعية عبر توفير موجّهات مبتكرة وإثراء الخيارات اللغوية وزيادة كفاءة توليد الأفكار، مع تفاوت الفاعلية تبعًا لخبرة الشاعر وألفته بالأدوات، إذ رغب متمرسون في مزيد من التحكم فيما تبنّى المبتدئون التقنية مصدرًا للإلهام. ويؤكدان أنّ التقنيات البشرية الخالصة تتميز بالعمق العاطفي والأصالة والطابع التأملي، وإن اتّسمت أحيانًا باستهلاك الوقت واحتمال الانسداد الإبداعي. ويشدّدان على أنّ التجربة الإبداعية لا تتعلق بالمنتج النهائي فحسب بل بالرحلة ذاتها، وأنّ الأفق الواعد يكمن في مقاربة هجينة تدمج الأدوات في سير العمل مع صون الصوت الأصيل، ما يفتح فرصًا للابتكار في الشعر مع الحذر من الإفراط في الاعتماد على التقنية.
الورقة (PDF)
المصدر: منصة Preprints.org (نسخة أولية غير محكّمة)، منشورة بتاريخ 27 يونيو 2025، معرّف DOI: 10.20944/preprints202506.2320.v1.