راقمون

دراسات وأوراق علمية

دراسة مقارنة في تلقّي القصة الومضة المولّدة بالذكاء الاصطناعي والمكتوبة بشريًا لدى طلاب برنامج دراسة الأدب الإنجليزي

8 يوليو، 2026
اسم المجلةE-Structural (English Studies on Translation, Culture, Literature, and Linguistics)
المجلد8
العدد02
الصفحات134-146
تاريخ النشر13 يناير 2026

خلاصة الدراسة

تنطلق هذه الدراسة من الإشكالية التي يطرحها ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي على المشهد الأدبي، حيث لم يعد السؤال الذي يواجه القارئ الحديث مقتصرًا على “ماذا يعني هذا النص؟” بل امتد ليشمل “مَن أو ماذا أنتج هذا النص؟”. ويرى الباحثون من جامعة نغودي والويو في إندونيسيا، بقيادة مايا كورنيا ديوي، أن فعل القراءة الذي كان تقليديًا تمرينًا تأويليًا في صناعة المعنى بات محمّلًا بعبء إضافي هو المصادقة على مصدر النص، ما يحوّل القارئ إلى ناقد ومحقّق (detective) في آنٍ معًا. وتهدف الدراسة إلى التحقق تجريبيًا من كيفية تلقّي طلاب الأدب الإنجليزي، بوصفهم قرّاءً ذوي كفاءة أدبية أكاديمية، لقصة ومضة مولّدة بالذكاء الاصطناعي (النص أ) وأخرى مكتوبة بشريًا (النص ب)، وتسعى للإجابة عن ثلاثة أسئلة بحثية تتصل بوصف آفاق الخبرة والتكنولوجيا لدى الطلاب، ووصف آفاقهم التأويلية، وكيفية تأثير هذه الآفاق مجتمعةً في تأويلهم للنص وتقييمهم له.

يستند الإطار النظري للدراسة إلى نظرية التلقّي لهانز روبرت ياوس، وتحديدًا مفهوم “أفق التوقعات” (horizon of expectations). وتشرح الدراسة أن نظرية التلقّي، التي ظهرت في ستينيات القرن العشرين على يد مفكّري جامعة كونستانس مثل ياوس وفولفغانغ آيزر، نقلت بؤرة النقد الأدبي من المؤلف والنص إلى القارئ وفعل القراءة، مؤكدةً أن معنى العمل الأدبي لا يكمن في النص ذاته بل يتحقق (actualized) في التفاعل الدينامي بين النص والقارئ. ويقدّم ياوس مفهوم “المسافة الجمالية” التي تقيس مدى تحدّي العمل لأفق توقعات القارئ أو تعديله أو تحطيمه؛ فالعمل الذي يكتفي بتلبية التوقعات يُعدّ تسليةً خفيفة، بينما العمل الذي يغيّر منظور القارئ جذريًا يُعدّ ذا قيمة فنية عالية. وتوظّف الدراسة هذا الإطار عبر تقسيم أفق القارئ إلى ثلاثة مكوّنات: أفق الخبرة الأدبية (تواتر القراءة والإلمام بالبنى السردية)، والأفق التكنولوجي (الإلمام بالذكاء الاصطناعي)، والأفق التأويلي (التوقعات المتعلقة بالعاطفة وتعقيد اللغة والاتساق والأسلوبية).

تعتمد الدراسة منهجية مختلطة بتصميم بحثي وصفي، وتتكوّن عيّنتها من ستة عشر طالبًا في الفصل الرابع من برنامج الأدب الإنجليزي، اختيروا لامتلاكهم كفاءةً أدبية وخبرةً قرائية تؤثر في أفقهم الجمالي. وتقوم الأداة البحثية على قصتَي ومضة: الأولى بعنوان “آنّا” كتبها الأديب غاي فليتشر عام 2025 (النص ب)، والثانية مولّدة بالذكاء الاصطناعي (النص أ). وأبرز ابتكار منهجي في الدراسة هو مقاربة “المُوجَّه المرآتي” (mirrored prompt) لضمان صدق داخلي عالٍ؛ إذ حلّل الباحثون المكوّنات الجوهرية لقصة “آنّا” (موضوع الحزن والتباس الهوية، وحبكة رؤية شخص يشبه الفقيد، وقيد الطول نحو مئة كلمة)، ثم صاغوا موجّهًا دقيقًا ومضبوطًا يُعطى لنموذج لغوي كبير حديث من طراز GPT-4، لا ليقلّد أسلوب فليتشر بل ليحاكي المهمة السردية والعاطفية الكامنة في قصته. وبذلك أصبح الموجّه البشري بمثابة “موضع القصد” في الفعل الإبداعي الآلي، بحيث يمكن عزو أي فروق بين النصين إلى الاختلاف الجوهري بين الإدراك البشري والتوليد الخوارزمي لا إلى اختلاف نقطة الانطلاق.

صُمّم الاستبيان في أربعة أجزاء: المعلومات الديموغرافية للمشاركين، وتقييم النص أ، وتقييم النص ب، وإسناد المشاركين. وقاست المعلومات الديموغرافية تواتر قراءة الأعمال الأدبية ومدى الإلمام بالذكاء الاصطناعي عبر مقياس ليكرت، بينما قِيست الأبعاد التأويلية (الاستجابة العاطفية وتعقيد النص والاتساق والأسلوبية) بمقياس ليكرت من درجة إلى خمس. وجاء الجزء الأخير ليكشف قدرة المشاركين على تحديد أي النصين من صنع الإنسان وأيهما من صنع الآلة مع تعليل اختيارهم بوصفه بيانات نوعية. وفي عرض الآفاق، أظهرت الدراسة أن نحو 87.5% من الطلاب يمتلكون على الأقل مستوى متوسطًا من التعرّض القرائي، وأن نصفهم “معتاد إلى حدٍ ما” على الذكاء الاصطناعي. ولوحظ أن الطلاب الأكثر قراءةً وإلمامًا بالذكاء الاصطناعي يقدّمون نقدًا أدق يشير إلى “أسلوب الجملة النمطي للذكاء الاصطناعي” والاتساق المفرط والصياغة النمطية، بينما يعتمد الأقل إلمامًا على افتراضات معمّمة عن كون الكتابة الآلية معقّدة أو خاوية عاطفيًا.

وتُظهر النتائج الكمية والنوعية تفضيلًا متسقًا ودالًا للنص ب (البشري) عبر جميع أبعاد الأفق التأويلي المقيسة، ولا سيما في العاطفة والأسلوبية. فقد برزت العاطفة بوصفها البُعد التأويلي الأكثر حسمًا، إذ نال النص ب باستمرار درجات عاطفية أعلى (4 إلى 5) ووُصف بأنه “حزين” و”عميق” و”مفعم بالحنين”، بينما وُصف النص أ بأنه ضحل أو مسطّح أو فارغ عاطفيًا. أما الأسلوبية فبرزت المتغيّر الأقوى تمييزًا، حيث منح جميع القرّاء الدقيقين الأحد عشر النصَّ ب درجات أسلوبية عالية (100%)، فيما ارتبط النص أ بالتيبّس وصرامة بنية الجملة ورتابة الصياغة. وكشفت الدراسة مفارقة دالّة تتعلق بالاتساق، إذ انتقد عدد من الطلاب النص أ لكونه “مفرط الاتساق”، ما يشير إلى أن الأفق التأويلي المهيمن يعدّ الاتساق المفرط انتظامًا آليًا سلبيًا، بينما يُثمّن الاتساق المقترن بالتوتر السردي.

ومن أبرز النتائج أن أحد عشر طالبًا من أصل ستة عشر (68.75%) حدّدوا بدقة أن النص أ مولّد بالذكاء الاصطناعي وأن النص ب مكتوب بشريًا، وهي نسبة أعلى بكثير من معدلات أبحاث سابقة في حقول أقل تخصصًا (مثل بحث فيدلر ودوبكه الذي بلغت فيه نسبة تعرّف البشر 57% للنصوص الآلية). وتبيّن الدراسة أن الطلاب الأعلى تواترًا في القراءة وإلمامًا بالذكاء الاصطناعي هم الأكثر دقةً في الإسناد، لأن أفق خبرتهم يمنحهم حساسيةً للأعراف الأدبية ويمكّنهم أفقهم التكنولوجي من التقاط الأنماط الخوارزمية، فتنشأ لديهم “مسافة جمالية” تجاه انتظام النص أ المفرط. في المقابل، مال الطلاب الأقل خبرةً وإلمامًا إلى إساءة التعرّف لأنهم يعطون الأولوية للوضوح والعاطفة الصريحة والاتساق الخطي، ويُنظر إلى أخطائهم لا بوصفها فشلًا تأويليًا بل دليلًا على أفق توقعات مختلف.

وتُفرد الدراسة حيّزًا لتعريف القصة الومضة (flash fiction) بوصفها كل سرد قصير يقل عن ألف كلمة ولا يتطلب حركةً سردية كبيرة (روش-جاك 2024)، وتستحضر وصف ماسيه لها بأنها «قصة مصغّرة» أو «عمل فني منحوت على حبة أرز»، وملاحظة مكّورماك أنها تميل إلى النهايات المغلقة بفعل الإيجاز وتسطيح الشخصيات وضيق الإطار الزمني ووحدة المشهد، وتأكيد فيش على أهمية «الضغط» و«التقطير» بحيث يُحسّ النص أكبر من حيّزه على الصفحة عبر حذف كل ما لا يحتاجه القارئ والثقة بقدرته على الفهم. وتوضّح الدراسة أن قصة «آنّا» لفليتشر اختيرت لبنيتها المكتملة وحبكتها البسيطة (حزنٌ لم يُشفَ، ورؤيةٌ ملتبسة، ومحاولةٌ فاشلة، ثم تكرار الوهم) ولأسلوبها المباشر الذي يخلو من الحيل الأدبية المعقّدة فيصلح أساسًا عادلًا للمقارنة؛ إذ تدور حول «جوش» الذي لم يتعافَ بعد مرور عامين على رحيل حبيبته، فيلمح امرأة شقراء عبر شارع مزدحم ويربت على كتفها قائلًا «Great to see you again Anna» ليكتشف أنها ليست آنّا ثم يعاود الوهم مع شقراء أخرى. في المقابل ولّد النموذج نصًّا موازيًا يبدأ بسكون هواء الحديقة بعد عامين، حيث يرى الراوي شعرًا كستنائيًا مألوفًا فيهتف «Ben!» ثم يصطدم بوجه غريب مرتبك ليتبدّد الأمل ويعود الفقد «جديدًا ومطلقًا»؛ وقد سُمّي النص المولّد آليًا «النص أ» والنص البشري «النص ب».

وتفصّل الدراسة توزيع الآفاق بأرقام دقيقة، فمن الطلاب الستة عشر يقرأ سبعة «غالبًا» (43.75%) وسبعة «أحيانًا» (43.75%) وواحد «كثيرًا جدًا» واثنان «نادرًا» أو «نادرًا جدًا»، بينما يتوزّع الإلمام بالذكاء الاصطناعي بين ثمانية «معتادين إلى حدٍ ما» (50%) وسبعة «معتادين قليلًا» وواحد «معتاد جدًا». وقد أصاب ثمانية من أصل أحد عشر من القرّاء الأكثر تواترًا في القراءة (72.7%) في الإسناد، في حين أن أربعة من القرّاء الخمسة غير الدقيقين (80%) من فئة «أحيانًا» أو «نادرًا». وفي البُعد العاطفي منح عشرة من القرّاء الدقيقين الأحد عشر (90.9%) النصَّ ب درجةً عاطفية تبلغ 4 فأكثر، فيما نال النص أ درجةً 2 أو أقل من ثمانية منهم (72.7%). وفي تعقيد اللغة نال النص ب درجات 4-5 من تسعة قرّاء (81.8%) بينما نال النص أ درجات 1-2 من سبعة (63.6%). وتستند الدراسة إلى أبحاث سابقة لتأطير نتائجها، منها تجربة فيدلر ودوبكه على ثلاثة وستين محاضرًا في جامعة ألمانية للعلوم التطبيقية بلغت فيها نسبة تعرّف البشر 57% للنصوص الآلية و64% للبشرية، ودراسة شميتز وزونلايتنر التي عجز فيها المراجعون عن التمييز باتساق، وملاحظات بولسون وريدز وماكّي عن افتقار المحتوى الآلي إلى التجربة المعيشة والسياق الثقافي والأصالة العاطفية، ونتائج يلدز دوراك عن طول الجُمل وثراء المفردات في الكتابة البشرية، فضلًا عن دراسة على اثنين وعشرين طالبًا في جامعة ميدان الحكومية عن استخدامهم أدوات الذكاء الاصطناعي في الكتابة والتدقيق وتوليد الأفكار والترجمة.

وتخلص الدراسة إلى أنها تقدّم دليلًا تجريبيًا مقنعًا على أن حكم القارئ على أصالة النص يقوم أساسًا على رنينه العاطفي وخصوصيته الأسلوبية، وأن النماذج اللغوية الراهنة ما زالت تخفق في تلبية توقّع القارئ الراسخ للعمق العاطفي والتفرّد الأسلوبي المميّز للإبداع البشري. وبذلك تُحدّث الدراسة نظرية ياوس لتشمل تحدّي الأعمال الخوارزمية، مؤكدةً أن الأفق التأويلي هو الموضع الحاسم للمصادقة، وأن الكفاءة الأدبية الأكاديمية تعمل مرشّحًا فعّالًا يدرّب القارئ ليكون “ناقدًا ومحقّقًا”. وتعترف الدراسة بمحدوديّتها المتمثلة في صغر العيّنة (16 طالبًا) واعتمادها على قياسات ذاتية التقرير، وتوصي بتوسيع العيّنة عبر تخصصات ومؤسسات مختلفة واستخدام مقاييس موضوعية كسجلّات القراءة واختبارات الفهم والتقييمات المبنية على المهام. وتكمن أهميتها العلمية في سدّها فجوةً بحثية عبر تطبيق نظرية التلقّي لأول مرة على تلقّي القرّاء الأكاديميين للنصوص الأدبية المولّدة آليًا، وإبرازها الطبيعة السائلة والتفاوضية للتأويل الأدبي في عصر الذكاء الاصطناعي.

الدراسة (PDF)

تحميل / فتح الملف (PDF)

المصدر: E-Structural (English Studies on Translation, Culture, Literature, and Linguistics)، المجلد 8، العدد 02، 2025، الصفحات 134-146، جامعة نغودي والويو، إندونيسيا.

Scroll to Top