رؤى طولية حول الذكاء الاصطناعي في التعليم: الاستخدام والأخلاقيات وتطوير السياسات في التعليم العالي

خلاصة الدراسة
تنطلق هذه الدراسة من الجدل المتصاعد منذ إطلاق ChatGPT في نوفمبر 2022 حول دوره في التعليم: هل يُحدث ثورة في التعلّم، أم يظلّ اتجاهًا عابرًا، أم يمثّل تحوّلًا تقنيًا مهمًّا؟ وتلاحظ أنه في حين استكشفت دراسات أوّلية أثر الذكاء الاصطناعي في صفوف ومؤسسات بعينها، فإن ثمة نقصًا حادًّا في الأبحاث الطولية داخل برامج إعداد المعلّمين. ولسدّ هذه الثغرة تحلّل الدراسة أربعة فصول دراسية من البيانات حول تطوّر استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي وتصوّرات الطلاب الأخلاقية بشأنه في برنامج لإعداد المعلّمين بجامعة كانساس في وسط غرب الولايات المتحدة. وقد أُجريت الاستبانات على أكثر من 300 طالب عبر أربع فترات: ربيع 2023 (مايو 2023)، وخريف 2023 (ديسمبر 2023)، وربيع 2024 (مايو 2024)، وخريف 2024 (ديسمبر 2024)، سعيًا لقياس مدى انتشار الاستخدام وتقييم التصوّرات الأخلاقية ومعرفة ما إذا كان إدماج برمجيات كشف الذكاء الاصطناعي يؤثّر في سلوك الطلاب، مع كون هؤلاء الطلاب معلّمي المستقبل الذين سيواجهون التقنية بوصفهم متعلّمين ومربّين معًا.
تستعرض المراجعة الأدبية تطوّر ChatGPT السريع عبر الإصدارات (GPT-3 وGPT-3.5 وGPT-4 وGPT-5) وتزايد استخدامه في التعليم العالي في مهام كتصميم التقييم والدعم الأكاديمي المخصّص. وتُبرز أدواره التربوية بوصفه “أداة تحويلية” تساعد في التقدير وتوليد التغذية الراجعة التكوينية والقيام بدور المرشد الافتراضي وتقديم دعم فردي قيّم في الصفوف كبيرة العدد. لكنها تؤكّد قيودًا مستمرّة، إذ يفتقر النموذج إلى الفهم التخصّصي العميق للمسائل المعقّدة أو الغامضة، وقد يؤدّي إلى تبسيط مفرط أو أخطاء واقعية. كما تثير قضايا فرص وتحديات الدمج: من إتاحة دعم فوري مخصّص يوسّع الوصول إلى تعليم عالي الجودة، إلى مخاوف تزايد عدم النزاهة الأكاديمية وتوليد محتوى غير دقيق أو ملفّق، وموثوقية أنظمة الكشف مثل أداة Turnitin. وتنبّه إلى مخاوف الإنصاف وخصوصية البيانات والتحيّز الخوارزمي واحتمال تفاقم اللامساواة التعليمية، مع تسجيلها فجوة بحثية واضحة تتمثّل في ندرة الدراسات الطولية الصارمة مقابل غلبة الدراسات الوصفية أحادية المؤسسة.
اعتمدت الدراسة تصميمًا مسحيًا طوليًا مقطعيًا متكرّرًا؛ إذ استهدفت كل موجة جمع بيانات دفعة مختلفة من الطلاب الجامعيين المسجّلين في وحدات تربوية أساسية نفسها، فلم تتبّع الأفراد أنفسهم بل رصدت اتجاهات على مستوى الدفعات في الصفوف ذاتها عبر الزمن. وشملت المقرّرات تربويات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات (STEM)، وتربويات اللغة الإنجليزية، وتعليم الإنجليزية للناطقين بغيرها (TESOL)، وتقنية المعلومات والاتصالات في التعليم (ICT)، والحلقات التدريسية التمهيدية. واستُخدمت تقنيتا العيّنة الهادفة والمتيسّرة. ومن أصل 423 طالبًا مؤهّلًا أكمل الاستبانة 319 طالبًا بمعدّل استجابة نحو 75% (65 في ربيع 2023، و60 في خريف 2023، و96 في ربيع 2024، و98 في خريف 2024). وتألّفت الأداة من بنود مغلقة ومفتوحة، وأُرسِيت صلاحية المحتوى بمراجعة خبيرين خارجيين، ودُعمت الصلاحية الظاهرية باختبار تجريبي على عشرة طلاب. وحُلّلت البيانات الكمية ببرنامج Jamovi (إحصاء وصفي وتحليل تباين أحادي ANOVA مع اختبار توكي البعدي)، والبيانات المفتوحة بالترميز الموضوعي الاستقرائي بمشاركة جميع الباحثين وحلّ الاختلافات بالنقاش.
استندت الدراسة نظريًا إلى نموذج “انتشار الابتكار” لروجرز (1962)، الذي يفسّر تبنّي التقنيات الجديدة داخل الأنظمة الاجتماعية عبر مراحل: المبتكرون (2.5%)، والمتبنّون الأوائل (13.5%)، والأغلبية المبكّرة (34%)، والأغلبية المتأخّرة (34%)، والمتلكّئون (14%). واعتُبر الطلاب الجامعيون مجتمع المتبنّين وChatGPT الابتكار المحوري. كما عالجت الدراسة اعتبارات أخلاقية دقيقة، إذ كان خمسة من مساعدي التدريس العليا (GTAs) يجمعون بين دورَي المعلّم والباحث، فطُبّقت ضمانات للحدّ من الإكراه: إبلاغ الطلاب صراحةً بأن المشاركة طوعية ومجهولة ولا صلة لها بالتقييم أو الدرجات، وإدارة الاستبانات عبر الإنترنت خارج سياقات التقييم وخارج زمن الحصص، وعدم إتاحة الردود الفردية للمعلّمين، وإخفاء البيانات الوصفية كأوقات الإكمال تلقائيًا، مع التزام الجميع ببروتوكولات مجلس المراجعة المؤسسية (IRB).
أظهرت النتائج المتعلّقة بمدى الانتشار اتجاهًا تصاعديًا دالًّا في استخدام الذكاء الاصطناعي للدراسة وإنجاز الواجبات من الموجة الأولى إلى الرابعة؛ ففي خريف 2024 استخدمه 76% للدراسة و83% للواجبات (و88% لأيٍّ منهما)، وكان هذا الارتفاع دالًّا إحصائيًا في تحليل التباين للدراسة (F(3, 1250)=34.45، p<0.001) وللواجبات (F(3, 1250)=31.88، p<0.001)، وبيّنت مقارنات توكي البعدية تفوّق خريف 2024 على الفترات السابقة. وبين ربيع 2023 وخريف 2024 ارتفع الاستخدام للدراسة بنسبة 32% وللواجبات بنسبة 26%. واللافت أن استخدام الأداة للواجبات ظلّ أعلى من استخدامها للدراسة، ما يوحي بأن الطلاب يرونها أنفع للمهام الموجّهة نحو الإنتاجية. وسُجّل تراجع طفيف وحيد في خريف 2023، فُسّر بالحملة الأوّلية المضادّة لاستخدام الأداة وغياب سياسة جامعية رسمية آنذاك. وبموازاة ذلك رصد برنامج Turnitin محتوى مولّدًا متزايدًا: 9% من الأعمال في ربيع 2023، ثم 32% في خريف 2023، ثم 40% في ربيع 2024، ثم 45% في خريف 2024، مع تفاوت لافت بين المدرّسين في متوسّطات الكشف.
وفي شأن حظر الأدوات، عارض الطلاب الحظر بأغلبية واضحة؛ ففي خريف 2023 أيّد الحظر 6.55% وعارضه 60.65% وربطه بالسياق 31.14%، ثم ارتفعت المعارضة إلى 78.12% في ربيع 2024، ثم بلغ تأييد الحظر ذروته في خريف 2024 عند 12.08% مع بقاء المعارضة قوية عند 75.54% وتراجع الموقف المشروط بالسياق إلى 12.38%، ما يعكس تبلور مواقف أكثر حسمًا. وحول أهمية إدماج معارف الذكاء الاصطناعي في المقرّرات، رأى 75.54% من طلاب خريف 2024 أنها مهمة (51.76% “مهمة إلى حدٍّ ما” و23.78% “مهمة جدًا”)، مقابل 5.84% عدّوها غير مهمة و18.62% محايدين. أما التصوّر الأخلاقي فقد ارتفع متوسّطه تدريجيًا عبر الموجات الأربع من 2.938 في ربيع 2023 إلى 3.167 في خريف 2023 إلى 3.302 في ربيع 2024 إلى 3.420 في خريف 2024 على مقياس من 1 (غير أخلاقي جدًا) إلى 5 (أخلاقي جدًا)، مع بقائه قريبًا من نقطة “غير متأكّد”.
وأكّدت الدراسة وجود علاقة دالّة ومتّسقة عبر الفترات الأربع بين إدراك أخلاقية الأداة واستخدامها الفعلي؛ ففي خريف 2024 قيّم مستخدمو الأداة في الدراسة أخلاقيتها أعلى (M=3.66) مقارنةً بغير المستخدمين (M=2.76)، بفرق دالّ (t(317)=−7.04، p<0.001)، وكذلك مستخدموها في الواجبات (M=3.55 مقابل 2.88؛ t(317)=−6.10، p<0.001). كما تبيّن أن الطلاب يرون أن الأداة حسّنت أداءهم الأكاديمي؛ إذ أفاد مستخدموها (N=238) بتحسّن ما، بتوزّع تراكمي بلغ "لا تحسّن" 2.52% و"تحسّن طفيف" 13.86% و"تحسّن معتدل" 34.03% و"تحسّن كبير" 31.51% و"تحسّن كثير" 18.06%. وأظهر تحليل الانحدار للبيانات المجمّعة علاقة موجبة معتدلة ومتنامية بين المعتقدات الأخلاقية والتحسّن المدرَك (F(1, 129)=37.74، p<0.001، R²=0.26)، بلغت ذروتها في خريف 2024 (R²=0.31) بعد أن كانت 0.15 في ربيع 2023، أي أكثر من ضعف القدرة التفسيرية الأولية.
وفي الأسئلة المفتوحة، عبّر 78% من الاستجابات عن تصوّرات مؤيّدة لإدماج ChatGPT في الدروس، إذ رآه الطلاب أداة لإعداد قواعد التقييم وتوليد أفكار خطط الدروس (43%) وتبسيط اللغة الأكاديمية لجعلها في متناول المتعلّمين وذوي الاحتياجات الخاصّة (17%)، فيما أبدى 22% تحفّظًا أو نفيًا للفائدة. وبشأن سؤال ما إذا كان اعتماد برمجية كشف جديدة سيثنيهم عن الاستخدام، بلغت نسبة “نعم” 24% و”لا” 36% و”غير متأكّد” 40% عبر الموجات الأربع، مع تنامي فئة “غير متأكّد” على نحو لافت، وأشار الباحثون إلى أن جامعات بارزة كييل وMIT ونيويورك سحبت أدوات كشف الذكاء الاصطناعي لقلقها من النتائج الإيجابية الكاذبة. وحول ضرورة السياسات، من أصل 95 استجابة رأى 88% (84 استجابة) وجوب وجود سياسات وقواعد ترافق مدوّنات الأخلاق، فيما رأى 12% (11 استجابة) عدم الحاجة إليها، مع إثارة قضايا الانتحال والاقتباس والنسخ المباشر، وربط بعض الطلاب استخدامهم للأداة بضغوط الوقت وأعباء العمل خارج الدراسة.
وأبرز الباحثون أن الاستجابات المؤيّدة للسياسات كانت أكثر تفصيلًا وعمقًا في التعبير عن مخاوف إساءة الاستخدام والغشّ من الاستجابات الرافضة، وأن كثيرًا منها ربط بين إمكانات التعلّم المتنامية للأداة وخطر أن تنتج قطعًا كاملة تحاكي أسلوب المستخدم دون جهد يُذكَر منه، فدعت إلى قواعد ترافق مدوّنات النزاهة القائمة. ورأوا أن أهمّ ما كشفته الردود هو تأمّل طلاب مقرّرات التربية في الممارسات الأخلاقية لاستخدام النماذج اللغوية عبر التخصّصات، سواء بوصفها موردًا للعصف الذهني وبناء الهيكل، أو أداةً لفهم المحتوى المعقّد، أو وسيلةً للالتفاف على متطلّبات المقرّر، ما يؤكّد ضرورة إشراك الطلاب في النقاش حول التقنية الناشئة. ومن مسارات البحث المستقبلي التي اقترحوها دراسة أثر السياسات المؤسسية في قرارات الطلاب، وكيفية تأثير مواقف المعلّمين في استخدام الطلاب، والحاجة إلى دراسات مستقلّة تتناول نواتج التعلّم قصيرة المدى وطويلته المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مع توصيتهم باعتماد مديرين مستقلّين ومجموعات نقاش طلابية بقيادة ميسّرين محايدين لتعزيز الحياد وتقليل تحيّز الرغبة الاجتماعية.
خلص الباحثون إلى ضرورة إصلاح الممارسات التعليمية لدمج التقنيات الناشئة بتفكّر وأخلاقية، إذ يستخدم الطلاب منصّات مثل ChatGPT بوتيرة متزايدة وغرضية ضمن جداول مزدحمة ومهام مقرّرة. وتؤكّد الدراسة حاجة الجامعات إلى مراعاة منظور الطلاب عند صياغة سياسات الذكاء الاصطناعي، وإلى بقاء المعلّم البشري ضروريًا لضمان الاستخدام الواعي، وإلى توفير فرص تطوير مهني للأعضاء والموظّفين. ويسهم البحث نظريًا عبر تأطير المسار الملحوظ — من المتبنّين الأوائل في ربيع 2023 إلى الانتشار الواسع في خريف 2024 — ضمن منحنى انتشار الابتكار لروجرز، مبرزًا أن التقنيات الناشئة نادرًا ما تبقى هامشية بعد إدخالها. وأقرّ الباحثون بقيود عدّة: اقتصار الدراسة على مؤسسة واحدة وبرنامج واحد ما يحدّ من التعميم، والاعتماد على بيانات ذاتية التقرير المعرّضة لتحيّز الرغبة الاجتماعية، والدور المزدوج لمساعدي التدريس، واتّساع الأداة إلى إحدى عشرة مسألة قد يسبّب إرهاق المستجيبين، وإغفال عوامل سياقية كمتطلّبات المقرّرات ومواقف الأعضاء والسياسات المؤسسية، ما يستدعي تصاميم متعدّدة المؤسسات وعابرة للحدود ومناهج مختلطة وإدارة محايدة في الأبحاث المقبلة.
الدراسة (PDF)
المصدر: Computers and Education Open، المجلد 10 (2026)، رقم المقال 100329، الناشر Elsevier، DOI: 10.1016/j.caeo.2025.100329.