فاعلية المعلمين قيد الإعداد أثناء تفاعلهم مع الذكاء الاصطناعي التوليدي في التصميم من أجل التعلم: رؤية عملياتية لنموذج TPACK الذكي

خلاصة الدراسة
تنطلق هذه الدراسة من سؤالٍ محوري في البحث التربوي المعاصر: كيف تتأثر الفاعلية الإنسانية حين يتفاعل الأفراد مع الذكاء الاصطناعي التوليدي؟ فالفاعلية، المُعرَّفة عمومًا بأنها القدرة على الفعل واتخاذ الخيارات الخاصة، تُعدّ قيمة جوهرية في مجتمعاتنا ومتأصّلة في الفلسفة والتربية وعلم النفس، وتُعدّ نتاجًا مرغوبًا للتعليم ومكوّنًا ضروريًا للتعلم المنظَّم ذاتيًا. غير أن الذكاء الاصطناعي التوليدي بات يُفهَم بوصفه فاعلًا أو بنية تحتية لا مجرد أداة سلبية، إذ يمارس شكلًا من الفاعلية عبر قدرته على اتخاذ الخيارات أثناء التنفيذ الآلي للمهام. ومن ثمّ يبقى مجهولًا ما الذي يترتب على الفاعلية الإنسانية حين يعمل فاعلان، الإنسان والذكاء الاصطناعي، على المهمة ذاتها، وما ديناميّات القوة الناشئة، وما عواقبها القصيرة والطويلة الأمد.
تُبرز أدبيات الذكاء الاصطناعي في التعليم تخوّفًا متكررًا من التهديد المحتمل للفاعلية الإنسانية في التفاعلات بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، ومردّ ذلك أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يُستخدَم في التفريغ المعرفي، أي تفويض المهام إليه بما قد يترتب عليه من عواقب ضارّة بالفاعلية. ولذلك صار الطموح السائد هو صون الفاعلية الإنسانية، كما في إطار كفايات الذكاء الاصطناعي للمعلمين الصادر عن اليونسكو الذي يشجّع على تبنّي عقلية تتمحور حول الإنسان. وتتناول الدراسة فاعلية المعلمين قيد الإعداد في سياق التصميم التعليمي، الذي يُعدّ عملية تأملية منهجية لتأطير مشكلات التعلم وإعادة تأطيرها وتحديد حاجات المتعلمين واختيار المهام والأدوات وآليات الدعم وتسلسلها. ورغم أن التصميم التعليمي دورٌ محوري للمعلم، فإن المعلمين كثيرًا ما يتجنبون هذه المهمة المُرهِقة معرفيًا، وتُنجَز عملياتهم التصميمية غالبًا بأسلوب حدسي لا منهجي ونادرًا ما تستند إلى نظرية تعلُّم.
يستند الإطار المفاهيمي للدراسة إلى تعريف إتيلابلتو وزملائه للفاعلية المهنية بوصفها ممارسة يمارس فيها الأفراد أو المجتمعات المهنية التأثير ويتخذون الخيارات ويتبنّون مواقف تمسّ عملهم أو هوياتهم المهنية. ويحدّد هذا الإطار شروطًا عدة تشكّل الفاعلية المهنية، أبرزها أنها موجَّهة بالغرض ومُشكَّلة بالسياقات الاجتماعية-الثقافية والمادية، وأنها وثيقة الصلة بالهوية المهنية، وأن خلفيات الأفراد كالمعرفة والخبرة والمهارات السابقة تُتيح ممارستها. ويرى الباحثون أن السياق المادي بالغ الأهمية هنا؛ فحين يتفاعل المعلم قيد الإعداد مع روبوت خبير يقوده خطوة بخطوة عبر عملية التصميم ويقترح مكوّناتها، تتشكّل فاعليته وتُقيَّد ببنية النظام، في حين يتيح التفاعل مع نموذج ChatGPT الاعتيادي حرية أكبر وقيودًا أقل.
يُشير الباحثون إلى أن البحث في فاعلية المعلمين ضمن البيئات المتوسَّطة بالذكاء الاصطناعي التوليدي لا يزال في مهده، وأن مفهوم الفاعلية يُستخدَم أحيانًا من دون تعريف صريح أو تأصيل نظري. ومعظم الدراسات الراهنة تركّز على مؤشرات غير مباشرة كإدراك المستخدمين لفاعليتهم، في حين قليلة هي الدراسات التي وظّفت مؤشرات مباشرة عملياتية للفاعلية. وبناءً على نهج دارفيشي وزملائه، تبني هذه الدراسة على استخدام مؤشرات عملياتية مباشرة لفحص ممارسة الفاعلية عبر بيانات التفاعل، مع استكمالها ببيانات نوعية عن تصورات المعلمين قيد الإعداد لفاعليتهم بغية تعميق التأويل. وتطرح الدراسة سؤالين: أثر التفاعل مع روبوت خبير مقابل روبوت غير مُخصَّص في فاعلية المعلمين، والقضايا المتعلقة بالفاعلية التي تبرز في الاستجابات المفتوحة.
اختار الباحثون ثلاثة مؤشرات عملياتية للفاعلية. الأول طول التفاعل، ويُقاس بإجمالي عدد المطالبات التي يكتبها المشارك في الجلسة وبإجمالي عدد الكلمات. والثاني الملكية، وتُقاس بنسبة المطالبات المولَّدة ذاتيًا ونسبة الكلمات المولَّدة ذاتيًا، بوصفها مؤشرًا نوعيًا يركّز على طبيعة إسهام المشارك، إذ إن نسخ الأسئلة الموجِّهة يعكس فاعلية أدنى من صياغة مطالبات أصيلة. والثالث التواتر النسبي لسلوكيات حل المشكلات التعاوني، مُكيَّفًا عن إطار سون وزملائه في أربع فئات: تقديم المعلومات لتأسيس أرضية مشتركة، وإبداء تغذية راجعة على مقترحات الذكاء الاصطناعي، وصون وظيفة الفريق عبر التحية والتأكيد، وطلب تنفيذ المهمة وإصدار الأوامر؛ إذ تُعدّ الفئتان الأوليان مؤشرَي فاعلية مرتفعة والأخريان مؤشرَي فاعلية منخفضة.
اعتمدت الدراسة تصميمًا تجريبيًا بين-الأفراد شارك فيه ثمانية وسبعون معلمًا قيد الإعداد من برامج ماجستير التدريس بجامعة بحثية كبرى في وسط أوروبا، وُزِّعوا عشوائيًا على شرطين: شرط الروبوت الخبير المسمّى «المصمم التعليمي المشارك» المُخصَّص بنموذج نُظُم الأسلوب المنهجي المعروف بنموذج ديك وكاري، وشرط ChatGPT غير المُخصَّص. وأنجز جميع المشاركين المهمة ذاتها المتمثلة في تصميم بيئة تعلُّم لدرس مدته ساعتان حول شخصية تاريخية من اختيارهم، مع تزويدهم بوصف للمهمة ومعلومات عن طلابهم وسيناريو يضم تسعة أسئلة موجِّهة تُبقيهم مركّزين على التصميم للتعلم لا على تطوير المواد. وقد بلغ متوسط أعمار المشاركين نحو 26.46 عامًا، وكانت نسبة الإناث 58.97٪، ولم يتلقَّ أيٌّ منهم تدريبًا رسميًا في التصميم التعليمي. وقد جرى تطوير الروبوت الخبير بمنهج خالٍ من البرمجة باستخدام أداة بناء ChatGPT، معتمدًا على مكوّنين هما قاعدة معرفة تُلخّص خطوات نموذج نُظُم الأسلوب المنهجي وقواعد لتطبيقها، وخضع للتحقق من ثلاثة خبراء في التصميم التعليمي راجعوا منطقه وأداءه، فضلًا عن اختبارات تجريبية مع معلمين قيد الإعداد أفضت إلى تحسينات في قابلية الاستخدام. وكشف الاختبار القبلي أن المشاركين كانوا إيجابيين عمومًا تجاه كفاءتهم في التصميم وإلمامهم بالأداة من دون فروق دالة بين الشرطين، غير أن نحو 38٪ منهم عجزوا عن الإجابة عن سؤال أساسي في المواءمة التصميمية، ما يشير إلى محدودية معرفتهم الفعلية رغم ثقتهم النسبية.
جُمعت بيانات التفاعل عبر روابط محادثات المشاركين مع الذكاء الاصطناعي وتسجيلات الشاشة، وأُجري تحليل تباين متعدد المتغيرات باستخدام أربع تشغيلات إجرائية لمؤشرَي طول التفاعل والملكية، أعقبته تحليلات تباين مصاحب للضبط بمتغيرات كفاءة التصميم التعليمي والإلمام بـ ChatGPT والكفاءة في استخدامه. وقد كشف التحليل متعدد المتغيرات أثرًا دالًا لشرط الذكاء الاصطناعي بقيمة أثر بيلاي 0.262 وقيمة F تساوي 4.43 عند مستوى دلالة 0.004. أما سلوكيات حل المشكلات التعاوني فحُلِّلت بترميز الوحدات الكلامية المولَّدة ذاتيًا وفق دليل ترميز، ببلوغ اتفاق مُرمِّزين مقبول عند كابا كوهين 0.70، ثم أُجري اختبار مربع كاي للاستقلال لفحص اختلاف توزيع السلوكيات بين الشرطين. وقد استُبعدت الوحدات الكلامية المنسوخة من مخرجات الذكاء الاصطناعي أو من وصف المهمة أو من الأسئلة الموجِّهة لأنها لا تُعبِّر عن سلوكيات المشاركين، مع تطبيق مبدأ صارم في وسم النسخ لم يشمل إلا المطابق حرفيًا للنص المُقدَّم. كما أُجريت فحوص متانة إضافية شملت اختبار تبديل على مستوى المشاركين وتباينات لوجستية متينة تجاه العناقيد، أكّدت جميعها استقرار النتائج. وتجدر الإشارة إلى أن التحليلات اللاحقة اقتصرت على تقرير نتائج تحليل التباين البسيط حين كان دالًا وتحليل التباين المصاحب المقابل غير دال، مراعاةً لتعدد المقارنات.
أظهرت النتائج أن التفاعلات مع الروبوت الخبير كانت أطول دلاليًا من حيث إجمالي عدد المطالبات، إذ أنتج مشاركو الروبوت الخبير مطالبات أكثر بمتوسط 24.38 مقابل 18.52، بقيمة F تساوي 8.20 ومستوى دلالة 0.007، وهو ما يؤكد الفرضية الأولى ويشير إلى فاعلية أعلى في هذا الشرط. غير أن إجمالي عدد الكلمات لم يختلف دلاليًا بين الشرطين، إذ ارتبط ارتفاع عدد الكلمات بنسخ النصوص من المواد في كلا الشرطين. وفي مؤشر الملكية، أظهر تحليل التباين الأحادي نسبة أعلى دلاليًا من المطالبات المولَّدة ذاتيًا في شرط الروبوت الخبير، لكن هذا الأثر تلاشى عند إدخال المتغيرات الضابطة في تحليل التباين المصاحب، وهو ما عزاه الباحثون إلى نقص بيانات بعض المتغيرات الذي قلّص العينة وخفّض القوة الإحصائية.
جاءت النتيجة الأبرز والأكثر مفاجأةً من تحليل سلوكيات حل المشكلات التعاوني؛ فقد كشف اختبار مربع كاي ارتباطًا دالًا بين الشرط والسلوك بقيمة 247.30 ومعامل كرامر 0.39. ففي شرط ChatGPT ساد سلوك تقديم المعلومات وسلوك طلب تنفيذ المهمة بتواترَي 0.45 و0.34، بينما في شرط الروبوت الخبير سادَ سلوك تقديم المعلومات وسلوك التأكيد والموافقة بتواترَي 0.38 و0.32. وبيّن تحليل البواقي المعيارية أن الأثر مدفوع أساسًا بالسلوكين الثالث والرابع؛ فالتأكيد أكثر تواترًا في شرط الروبوت الخبير، وطلب التنفيذ أكثر تواترًا في شرط ChatGPT. ومن ثمّ رُفضت الفرضية الثالثة، إذ توقّع الباحثون مزيدًا من التغذية الراجعة في شرط الروبوت الخبير، لكن المشاركين أبدوا بدلًا منها مزيدًا من الموافقة، ما يشير إلى فاعلية مُنخفضة في كلا الشرطين على هذا المستوى.
كشف التحليل النوعي للاستجابات المفتوحة أن المشاركين كانوا إيجابيين عمومًا تجاه الأداتين بوصفهما مصدرًا للإلهام وموفّرًا للوقت وداعمًا لنهجٍ أكثر تنظيمًا، لكنّهم أثاروا قضايا تتصل بالفاعلية. ففي شرط ChatGPT، رأى بعضهم أن إبداء التغذية الراجعة يزيد عبء العمل ويطيل العملية، وأن الأداة تفتقر إلى معرفة السياق التدريسي وقد تدفع نحو الاعتماد المفرط. أما في شرط الروبوت الخبير، فأشار المشاركون إلى أن بنيته الصارمة خطوة بخطوة تُفقدهم حريتهم بوصفهم معلمين، وإلى خطر الثقة العمياء به وتراجع النقد، وإلى أنه لا يراعي سياقاتهم التدريسية الواقعية ويستبعد الجانب الإنساني من التصميم. ويخلص الباحثون إلى أن السياقات المادية لكلٍّ من ChatGPT والروبوت الخبير تفرض قيودًا فريدة على فاعلية المعلمين، وأن الأمر يستدعي مزيدًا من البحث في العلاقة بين سلوكيات حل المشكلات التعاوني والفاعلية الإنسانية.
الدراسة (PDF)
المصدر: Computers and Education Open، المجلد 10 (2026)، رقم المقال 100325، الناشر Elsevier، DOI: 10.1016/j.caeo.2025.100325.